يوسف أبو سامر موسى*
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم محصوراً في كيفية وقف الحرب على غزة، ولا في شكل الاتفاق الذي يمكن أن ينهي العدوان، فالمشهد تجاوز ذلك إلى سؤال أكبر وأكثر خطورة: ماذا بعد وقف إطلاق النار؟ ومن يملك القرار الفلسطيني في المرحلة المقبلة؟
فلسطين تقف أمام ثلاثة مسارات متداخلة: مقاومة ما زالت ترى أن الاحتلال لم ينتهِ، ومفاوضات تبحث عن وقف الحرب، وترتيبات ما بعدها، وانتخابات يُراد لها أن تعيد إنتاج الشرعية السياسية الفلسطينية.
لكن المشكلة أن هذه المسارات تجري في ظل انقسام فلسطيني لم يُحسم، ومؤسسات وطنية تحتاج إلى إعادة بناء، ومنظمة تحرير لم تستوعب حتى الآن جميع القوى الفلسطينية الأساسية.
المقاومة في مواجهة محاولة إعادة تشكيل غزة
من الواضح أن ملف سلاح المقاومة أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في مفاوضات المرحلة الثانية، والمسودة التي طُرحت تضمنت آليات لحصر السلاح وتخزينه تحت إشراف جهة فلسطينية مع ربط التنفيذ بالانسحاب الإسرائيلي والالتزامات الأخرى. وقد أعلنت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، تحفظها على الصيغة المتداولة.
وهنا لا تكمن القضية في السلاح وحده، بل في السؤال السياسي الذي يقف خلفه: هل المطلوب إنهاء الحرب أم إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في غزة؟
من وجهة نظر الجهاد الإسلامي، فإن المقاومة لا يمكن أن تكون ثمناً لوقف إطلاق النار، ولا يمكن أن يُفرض مستقبل غزة من الخارج. وفي المقابل فإن استمرار الحرب ليس خياراً يمكن أن يتحمله شعب أنهكته سنوات الحصار والدمار والقتل.
لذلك تبدو المعادلة الفلسطينية أمام اختبار صعب: كيف يمكن الوصول إلى وقف دائم للحرب وإعادة الإعمار مع الحفاظ على القرار الفلسطيني ومنع تحويل غزة إلى ساحة لإعادة هندسة سياسية وأمنية لا يقررها الفلسطينيون؟
المفاوضات وقف الحرب أم بداية مرحلة جديدة؟
المفاوضات الحالية لا تبحث فقط في وقف إطلاق النار، وإنما في إدارة غزة وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية، ومستقبل السلاح. وهذا يعني أن نتائج المفاوضات ستترك أثراً مباشراً على شكل النظام الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
والخطر الحقيقي ليس في التفاوض بحد ذاته فالتفاوض أداة سياسية، وقد يكون ضرورياً لوقف الحرب وحماية المدنيين. لكن الخطر يكمن عندما يتحول التفاوض إلى بديل عن القرار الوطني الفلسطيني. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى تفاهم فلسطيني حول غزة لا إلى صيغة تفرضها القوى الخارجية، ثم يُطلب من الفلسطينيين التعامل معها كأمر واقع.
الانتخابات تجديد للشرعية أم إعادة إنتاج للأزمة؟
أما الانتخابات، فهي الاستحقاق الأكثر حساسية في الداخل الفلسطيني، ومن المقرر إجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني 2026 بينما لا يزال موعد الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027 من دون يوم محدد.. وكانت آخر انتخابات تشريعية في العام 2006. لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: هل إجراء الانتخابات وحده يكفي لإنهاء أزمة الشرعية الفلسطينية؟
الجهاد الإسلامي أعلنت بوضوح أنها لن تقدِّم مرشحين باسمها، لكنها ستدعم قائمة وطنية تحظى بتوافق الفصائل. كما طرحت الحركة ضرورة الوصول إلى توافق وطني وإعادة بناء منظمة التحرير، وهذا الطرح يفتح الباب أمام فكرة أوسع من مجرد الانتخابات: إعادة بناء البيت الفلسطيني قبل إعادة توزيع المقاعد داخله.
فلا معنى لانتخابات تعيد إنتاج الانقسام نفسه، ولا يمكن أن تكون الديمقراطية الفلسطينية كاملة إذا بقيت أجزاء أساسية من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية خارج إطار التمثيل الوطني الجامع، او مصادرة حق شريحة كبيرة من الانتخابات تحت عناوين مختلفة.
واللافت أن التطورات الأخيرة تشير إلى اتصالات انتخابية بين حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان بهدف دعم قائمة وطنية موحدة، وهو تطور يعكس محاولة لتشكيل صيغة سياسية تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
منظمة التحرير هي العقدة الأساسية
ربما تكون القضية الأهم التي يجب أن تسبق أو تتزامن مع الانتخابات، هي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية..
فالمنظمة يفترض أن تكون الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن إدماج القوى الفلسطينية الأساسية فيها، وإعادة تشكيل مؤسساتها على أساس الشراكة، يمثلان مسألة تتجاوز الانتخابات التشريعية نفسها. فإذا جرى انتخاب مجلس تشريعي جديد، بينما بقيت أزمة منظمة التحرير قائمة، فإن السؤال سيبقى مطروحاً: من يمثل الفلسطينيين في القضايا الوطنية الكبرى؟ ومن يقرر في ملفات الحرب والسلم والمفاوضات والمقاومة؟
وهنا يصبح الخلاف ليس على الأشخاص أو المقاعد، بل على مرجعية القرار الوطني الفلسطيني.
فلسطين بحاجة إلى عقد سياسي جديد
المطلوب اليوم ليس انتصار فريق فلسطيني على فريق آخر، ولا استبدال هيمنة سياسية بهيمنة جديدة.. المطلوب عقد سياسي فلسطيني جديد، يقوم على الشراكة ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير، ويضمن التمثيل السياسي لمختلف القوى، ويحدد العلاقة بين السلطة والمنظمة والمقاومة، ويمنع احتكار القرار الفلسطيني
فالانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لكن نجاحها الحقيقي لا يقاس بعدد الصناديق التي تُفتح، بل بقدرتها على إنتاج حالة سياسية فلسطينية أكثر شمولاً وتمثيلاً.
وفي المقابل فإن وقف إطلاق النار يمكن أن يكون بداية لإنقاذ غزة وإعادة إعمارها لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لفرض مستقبل سياسي وأمني على الفلسطينيين.. أما المقاومة فإن استمرار الاحتلال يجعل قضية وجودها ودورها جزءاً من النقاش الوطني الفلسطيني وليس مجرد بند أمني يُحسم على طاولة المفاوضات.
وهكذا فإن المعركة الفلسطينية المقبلة قد لا تكون فقط مع الاحتلال وإنما أيضاً مع أزمة النظام السياسي الفلسطيني نفسه: أزمة التمثيل وأزمة الشرعية وأزمة احتكار القرار. والسؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة ليس فقط: من سيدخل الانتخابات؟
بل: هل يستطيع الفلسطينيون أن يعيدوا بناء نظام سياسي يشارك فيه الجميع ويملك قراره بنفسه ويضع مصلحة فلسطين فوق حسابات الفصائل والسلطة والضغوط الخارجية؟
فإذا تحقق ذلك يمكن أن تصبح الانتخابات بداية لمرحلة فلسطينية جديدة، أما إذا بقيت مجرد عملية لتجديد المؤسسات من دون إعادة بناء المرجعية الوطنية، فقد يتغير شكل السلطة بينما تبقى الأزمة على حالها.
—————–
*باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.
الخميس 1 تشرين الاول 2026