كتب عصام الحلبي
ما يجري اليوم بحق الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية لم يعد يحتمل الانتظار أو الاكتفاء بمراقبة الأحداث . فالمشروع الاستعماري والاستيطاني الاحلالي الإسرائيلي يتقدم على الأرض، والاستيطان يتوسع، والقتل والاعتقال والتهجير مستمر، والمخيمات والمدن والقرى في الضفة الغربية تتعرض لضغط وعدوان متواصل، فيما يتعرض قطاع غزة لعدوان ودمار واسع ومجازر فظيعة ” عملية ابادة”، بالتزامن مع الضغط السياسي والاقتصادي والأمني على السلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي مقابل كل ذلك، هناك دعم أميركي واضح لإسرائيل، وموقف دولي يتراوح بين العجز والتغاضي وعدم القدرة على وقف ما يجري.
أمام هذا الواقع، لا يكفي أن نسأل ماذا تفعل الاحتلال الإسرائيلي، وماذا تفعل أميركا، وماذا سيفعل المجتمع الدولي. السؤال الأهم هو ماذا علينا نحن الفلسطينيين أن نفعل، وكيف نعيد ترتيب بيتنا الداخلي، وكيف نحمي مشروعنا الوطني من التفكك والضعف.
ومن وجهة نظري الفتحاوية المتواضعة، أعتقد أن المسؤولية كبيرة جداً على حركة فتح.
فتح ليست حركة ظهرت بالأمس، وليست مجرد فصيل فلسطيني مثل غيره. هي حركة ارتبط اسمها منذ انطلاقتها بإعادة الاعتبار للقرار الوطني الفلسطيني، وبالنضال من أجل فلسطين، وبناء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وخوض مراحل طويلة من النضال السياسي والعسكري والشعبي.
وعلى مدار سنوات النضال الطويلة، كانت فتح حاضرة في المخيم والقرية والمدينة والجامعة والنقابة والاتحاد والمنظمة الشعبية. وكانت في مقدمة القوى التي خاضت النضال الوطني الفلسطيني سياسياً وشعبياً وعسكرياً، وصولاً إلى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على أرض الوطن، والتي يجب أن تبقى خطوة أساسية على طريق إنجاز الاستقلال الوطني وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ولهذا فإن الحفاظ على السلطة الوطنية الفلسطينية وتقويتها وتطوير مؤسساتها وحمايتها من محاولات الإضعاف والانهيار، لا يعني الدفاع عن وضع قائم فقط، بل يعني حماية إحدى أهم أدوات المشروع الوطني الفلسطيني على طريق الدولة والاستقلال.
لكن هذا الدور التاريخي لفتح لا يجب أن يبقى مجرد ذكرى نفتخر بها أو تاريخاً نتحدث عنه. فتح اليوم مطالبة باستعادة هذا الدور فعلياً.
والبداية يجب أن تكون من داخل الحركة نفسها.
نحن بحاجة إلى ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي على أرضية المشروع الوطني، وليس على أرضية الأشخاص والمواقع والحسابات التنظيمية الضيقة. نحتاج إلى تنظيم قوي ومتماسك، قادر على العمل بين الناس، يسمعهم قبل أن يتحدث باسمهم، ويعرف مشكلاتهم وهمومهم، ويعيد بناء العلاقة التي كانت تاريخياً واحدة من أهم نقاط قوة فتح.
فتح لا تحتاج فقط إلى مكاتب تنظيمية وهياكل وأسماء ولجان. تحتاج إلى حركة حقيقية تعمل في الشارع وبين الجماهير.
وهنا تأتي أهمية الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية.
هذه الأطر ليست ديكوراً تنظيمياً، وليست مجرد أسماء موجودة على الورق أو هياكل تعقد اجتماعات عند المناسبات. هي جزء أساسي من البنية الوطنية الفلسطينية، ويمكن أن تكون حاضنة حقيقية وفاعلة ومؤثرة للجماهير الفلسطينية، إذا أعيد تفعيلها على أسس سليمة.
الاتحاد والنقابة والمنظمة الشعبية يجب أن تكون قريبة من الناس. يجب أن يعرف العامل أن اتحاده يقف إلى جانبه، وأن يعرف المعلم أن نقابته تدافع عن حقوقه، وأن يعرف الشباب والمرأة والطلاب والمهنيون وأسر الشهداء والأسرى وكل شرائح شعبنا أن هذه المؤسسات موجودة لخدمتهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم الوطنية والاجتماعية.
المطلوب أن تتحول هذه الأطر من هياكل شكلية إلى مؤسسات حية وفاعلة ومؤثرة.
وهذا يحتاج إلى تجديد الدماء، وإعطاء مساحة للشباب القادر على العمل والكفاءات، وانتخاب الهيئات وفق الأصول، ومحاسبة المقصر، وإنهاء حالة الترهل التي أصابت بعض الأطر، وإعادة العمل الميداني إلى مكانه الطبيعي.
فالعمل الوطني لا يعيش في المكاتب فقط.
العمل الوطني يعيش بين الناس.
وهنا أيضاً تأتي مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
منظمة التحرير بحاجة إلى إعادة تفعيل حقيقية، وإلى تجديد مؤسساتها، وإلى استعادة حضورها بين الفلسطينيين، وإلى أن يشعر الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس والمخيمات والشتات بأنه جزء من هذا الإطار، وأن صوته مسموع فيه.
وفلسطين اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وحدة وطنية حقيقية. وليس معنى الوحدة أن تختفي الخلافات السياسية، فهذا أمر غير واقعي، وإنما أن نتفق على القضايا الوطنية الكبرى، وعلى حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وعلى مواجهة المشاريع التي تريد تفتيت الشعب الفلسطيني وتحويل قضيته إلى ملفات منفصلة.
ومن موقعها التاريخي، تستطيع فتح أن تلعب دوراً أساسياً في هذا المجال، لكن ذلك يتطلب منها أولاً أن تكون قوية من الداخل، وأن تكون قادرة على جمع الناس ، وأن تستعيد ثقة قواعدها وجمهورها.
لا يمكن أن نطلب من الجماهير أن تدافع عن المشروع الوطني إذا كانت لا ترى هذا المشروع حاضراً في حياتها اليومية.
ولا يمكن أن نطلب من الشباب أن يبقوا متمسكين بفلسطين إذا شعروا أن المؤسسات الوطنية مغلقة أمامهم.
ولا يمكن أن نحافظ على منظمة التحرير والسلطة الوطنية والمؤسسات الفلسطينية إذا لم تكن هذه المؤسسات قريبة من الناس وقادرة على حماية مصالحهم وكرامتهم.
اليوم، المطلوب من فتح ليس فقط أن تتحدث عن تاريخها، بل أن تقدم نفسها من جديد كحركة وطنية جماهيرية قادرة على مواجهة المرحلة.
المطلوب إعادة بناء التنظيم، وتفعيل الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية، وإعادة فتح الأبواب أمام الكفاءات والشباب، وتعزيز العمل الجماهيري، ومحاربة الترهل والمحسوبية، والابتعاد عن الشخصنة، وإعطاء الأولوية دائماً للمشروع الوطني.
وهذا لا يعني التخلي عن التجربة السابقة، بل يعني الاستفادة منها.
فتح لديها تاريخ طويل وتجربة كبيرة، ولديها كوادر ومناضلون منتشرون في الوطن والشتات، ولديها إرث سياسي وتنظيمي لا يمكن تجاهله لكن التاريخ وحده لا يكفي.
كل مرحلة لها أدواتها.
والمرحلة التي نعيشها اليوم تحتاج إلى فتح أكثر قرباً من الناس، وأكثر حضوراً في الشارع، وأكثر قدرة على العمل الجماهيري، وأكثر وضوحاً في خطابها السياسي والتنظيمي.
نحن أمام مشروع يريد إضعاف الفلسطيني في أرضه، ودفعه إلى اليأس والهجرة، وتفكيك مؤسساته، وإضعاف سلطته الوطنية، وضرب منظمة التحرير، وتفتيت المجتمع الفلسطيني إلى مجموعات متفرقة.
ومواجهة هذا المشروع تبدأ من الداخل.
تبدأ من وحدة الشعب الفلسطيني، ومن قوة منظمة التحرير، ومن حماية السلطة الوطنية ومؤسساتها مع إصلاحها، ومن دعم صمود الناس، ومن إعادة بناء فتح، ومن إعادة الحياة إلى الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية.
فتح التي عرفناها في سنوات النضال لم تكن حركة مكاتب، بل كانت حركة ناس.
وهذا هو الدور الذي يجب أن تستعيده.
فإذا كانت فتح تريد أن تبقى حاملة للمشروع الوطني، فعليها أن تكون حاضنة للجماهير الفلسطينية، وأن تجعل من تشكيلاتها الاتحادية والنقابية والشعبية قوة حقيقية في المجتمع.
وعليها أن تفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة، وأن تسمح للشباب والكفاءات بأن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار والعمل التنظيمي، لأن الحركة التي لا تجدد نفسها تفقد قدرتها على مواكبة الزمن، مهما كان تاريخها عظيماً.
المطلوب اليوم فتح قوية بوحدتها، قوية بتنظيمها، قوية بجماهيرها، وقوية بعلاقتها بالناس.
وعندما تستعيد فتح هذا الدور، فإنها لا تستعيد قوتها التنظيمية فقط، بل تساهم في استعادة قوة المشروع الوطني الفلسطيني كله.
فالمرحلة ليست مرحلة البحث عن المواقع، ولا مرحلة تصفية الحسابات الداخلية.
إنها مرحلة الدفاع عن فلسطين.
ومن يريد أن يدافع عن فلسطين، عليه أولاً أن يرتب بيته، ويجمع أهله، ويعيد الثقة إلى جماهيره، ويجعل من مؤسساته أدوات نضال حقيقية.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية فتح اليوم.
مسؤولية ليست سهلة، لكنها أيضاً ليست مستحيلة، لأن هذه الحركة التي استطاعت على مدار عقود أن تحمل القضية الفلسطينية في أصعب الظروف، تستطيع أن تستعيد عافيتها إذا وضعت المشروع الوطني فوق كل اعتبار، وعادت إلى الناس، وإلى قواعدها، وإلى روح فتح التي عرفها الفلسطينيون حركةً وطنيةً جماهيريةً قبل أن تكون تنظيماً أو مؤسسات.
فلسطين اليوم بحاجة إلى فتح التي تعرف كيف تجمع ، وكيف تناضل ولا تنتظر، وكيف تحمي القرار الوطني، وكيف تجعل من الجماهير شريكاً حقيقياً في المشروع الوطني.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام فتح في هذه المرحلة.