لاجئ نت
في مخيم برج الشمالي للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان، تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل، لتجد عائلات كثيرة نفسها أمام معادلة صعبة: دخل محدود في مواجهة احتياجات لا تتوقف.
ويبرز العمل المياوم، وارتفاع كلفة الكهرباء والغذاء والتعليم والعلاج، بين أبرز التحديات التي تثقل حياة سكان المخيم، فيما تحاول الأسر التكيف مع واقع اقتصادي يفرض عليها تقليص نفقاتها وإعادة ترتيب أولوياتها.
أبو محمود.. العمل اليومي لا يكفي
أبو محمود، 40 عامًا، أب لأربعة أطفال، يعمل بالمياومة في البستنة والدهان وغيرها من الأعمال التي تتوفر له، بأجر لا يتجاوز في أفضل الأحوال 15 دولارًا يوميًا.
يقول إن أطفاله الأربعة جميعهم في المدارس، وإن تأمين احتياجاتهم أصبح أكثر صعوبة، خصوصًا مع ارتفاع كلفة المعيشة وتعدد المصاريف.
ويضيف: “أنا أعمل مياومًا في أي عمل يتوفر لي، بالبساتين أو بالدهان، المهم أن أعمل وأؤمّن مصروف عائلتي. لكن اليوم أصبحت أقف عاجزًا وحائرًا أمام تأمين قوت أولادي”.
ويشير إلى أن ابنه الأكبر يبلغ 15 عامًا، ويحتاج إلى مصروف مثل أقرانه، بينما لا يستطيع هو توفير كل ما يحتاجه أطفاله.
ويقول: “أحيانًا أشعر باليأس من كثرة التفكير، لأنني لا أعرف كيف سأكمل الشهر”.
ولا يتوقف الضغط عند الطعام والشراب، إذ يقول إن فاتورة اشتراك الكهرباء تتجاوز 150 دولارًا شهريًا، إلى جانب الغاز والمياه وسائر المصاريف.
ويختصر أبو محمود معاناته بالقول: “أنا أعمل كل يوم حتى أؤمّن قوت عائلتي، لكن الأجر الذي أتقاضاه لا يكفي”.
البطالة.. شباب أمام مستقبل غامض
وبعيدًا عن الأسر التي تعتمد على العمل المياوم، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام مشكلة مختلفة تتمثل في غياب فرص العمل المستقرة.
ويقول شاب من أبناء المخيم إن الحصول على فرصة عمل أصبح تحديًا يوميًا، وإن المشكلة لا تتعلق فقط بمستوى الأجر، بل بغياب الاستقرار المهني الذي يسمح للشباب بالتخطيط لمستقبلهم.
ويضيف: “نحن نريد أن نعمل ونؤمّن مستقبلنا، لكن الفرص محدودة. أحيانًا يمر يوم كامل من دون أن أجد عملًا”.
ويؤدي غياب الاستقرار الوظيفي إلى تأجيل الكثير من الشباب لخططهم، سواء المتعلقة بالتعليم أو الزواج أو تأسيس أسرة مستقلة.
غلاء المعيشة يغيّر نمط حياة الأسر
أما داخل المنازل، فتظهر الأزمة بصورة مختلفة، إذ تضطر الأسر إلى التعامل مع ارتفاع الأسعار من خلال تقليص المشتريات والاستغناء عن بعض الاحتياجات.
وتقول أم من المخيم إن الأسرة باتت تضع قائمة الأولويات بحسب ما هو ضروري وما يمكن تأجيله، مشيرة إلى أن الارتفاع المتواصل في الأسعار جعل المصروف المنزلي أكثر صعوبة.
وتضيف: “لم نعد نشتري كما كنا في السابق. كل شيء أصبح محسوبًا، وحتى الأشياء الأساسية نحاول أن نؤجلها إذا لم يكن معنا المال”.
وتقول إن الاستدانة أصبحت في بعض الأحيان وسيلة لتجاوز نهاية الشهر، خصوصًا عندما تتزامن أكثر من حاجة في الوقت نفسه.
الثلاسيميا.. معاناة تتجاوز المرض
وفي الجانب الصحي، تواجه بعض الأسر أعباء إضافية مرتبطة بمرضى الثلاسيميا والحاجة إلى المتابعة الطبية والعلاج والفحوصات بصورة مستمرة.
وتقول إحدى العائلات التي لديها مريض يحتاج إلى رعاية منتظمة إن المشكلة لا تكمن في المرض وحده، بل في المصاريف التي ترافقه.
وتوضح: “العلاج يحتاج إلى مصاريف، والأسرة أصلًا بالكاد تؤمّن حاجاتها اليومية”.
وتضيف أن تكاليف التنقل والفحوصات والعلاج تمثل ضغطًا إضافيًا على ميزانية الأسرة، خصوصًا في ظل محدودية الدخل.
التعليم.. مصروف آخر على كاهل الأسرة
ولا تغيب آثار الأزمة الاقتصادية عن الطلاب، الذين يجد بعضهم أنفسهم أمام واقع مختلف عن أقرانهم خارج المخيم.
ويقول طالب من أبناء المخيم إن الظروف الاقتصادية تجعل عائلته أكثر حرصًا في الإنفاق على المستلزمات الدراسية والمصاريف الشخصية.
ويضيف: “نحن نريد أن ندرس ونكمل تعليمنا، لكن الظروف صعبة على أهلنا. أحيانًا أفكر في حجم المصاريف التي يتحملونها من أجلنا”.
ويخشى الطلاب أن تؤثر الضغوط الاقتصادية على قدرتهم على مواصلة تعليمهم وتحقيق طموحاتهم المستقبلية.
أكثر من أزمة في مخيم واحد
تكشف هذه الشهادات عن أزمات مترابطة داخل مخيم برج الشمالي؛ فالبطالة تحد من الدخل، وارتفاع الأسعار يستنزف ما يتوفر منه، فيما تضيف تكاليف الصحة والتعليم أعباء أخرى على الأسر.
وبين العمل المياوم والبحث عن وظيفة، ومحاولة تأمين الطعام والكهرباء والعلاج والتعليم، يحاول سكان المخيم الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي نهاية المطاف، تتقاطع مطالبهم عند الحاجة إلى فرص عمل ودخل أكثر استقرارًا، بما يسمح للعائلات بتأمين احتياجاتها الأساسية ومنح أبنائها فرصة أفضل للحياة والتعليم.