كتب عصام الحلبي
اليوم، التقيت شابًا فلسطينيًا من فاقدي الأوراق الثبوتية في لبنان. استمعت إلى حكايته، وشعرت بوجع كبير وأنا أسمعه يتحدث عن عمر مضى، وفرص ضاعت، وخوف يرافقه على مستقبل أطفاله.
والده جاء إلى لبنان عام 1969، وهنا وُلد هذا الشاب وعاش وكبر، وله أخت وأخوان. لم يتمكن من إكمال تعليمه الأكاديمي، فاتجه إلى التعليم المهني، محاولًا أن يشق طريقه في الحياة. وفي إحدى المراحل، سنحت له فرصة للسفر والعمل، لكنه لم يستطع اغتنامها لأنه لا يملك الأوراق الثبوتية اللازمة.
تزوج، لكن زواجه بقي في إطار المحكمة الشرعية من دون استكمال توثيقه قانونيًا لدى الجهات المختصة. ومع ولادة أطفاله، وجد نفسه أمام معاناة جديدة، إذ لم يتمكن من استكمال إجراءات تسجيلهم واستخراج أوراقهم الثبوتية.
اليوم، أصبح في منتصف الأربعينيات من عمره، ولم يعد يفكر فيما فاته وحده، بل في مستقبل أطفاله الذين ما زالوا في المرحلة الابتدائية. يريد لهم أن يتعلموا، وأن يكبروا مثل بقية الأطفال، وألا يواجهوا المصير نفسه الذي عاشه.
كان يطرح أسئلة كثيرة: من أنا؟ ما مصيري؟ وماذا سيكون مصير أولادي؟ من المسؤول عن هذه المشكلة، ومن يستطيع أن يساعدنا في حلها؟
أسئلة تختصر سنوات من القلق والحرمان، وتجعلنا ندرك أن المسألة ليست مجرد أوراق مفقودة، بل حياة تتعطل، وحقوق يصعب الوصول إليها، ومستقبل يبقى معلّقًا.
وحكاية هذا الشاب ليست حالة فردية. فهناك، وفق تقديرات متداولة، ما يقارب 2200 إلى 2500 شخص من اللاجئين الفلسطينيين فاقدي الأوراق الثبوتية في لبنان. وصلوا على دفعات وفي مراحل مختلفة؛ فمنهم من جاء بعد نكسة حزيران عام 1967، ومنهم من تعرّضوا للإبعاد عن أرضهم، فيما قدم آخرون بعد أحداث عام 1970 والتحقوا بالثورة الفلسطينية في لبنان.
ومنذ ذلك الوقت، عاش هؤلاء سنوات طويلة، وكوّنوا عائلات، وكبر أبناؤهم، لكن غياب الأوراق الثبوتية ظل يرافقهم في تفاصيل حياتهم. فهناك من يواجه صعوبات في توثيق الزواج أو تسجيل الأطفال والوفيات، ومن تعذّر عليه إكمال تعليمه العالي، ومن اصطدم بعوائق في العمل والسفر والتنقل، أو في إنجاز معاملات صحية واستشفائية.
تخيّلوا طالبًا اجتهد سنوات في دراسته، ثم وجد نفسه عاجزًا عن إكمال تعليمه بسبب وثائق لا يملكها. وتخيّلوا أبًا يريد أن يضمن مستقبل أطفاله، لكنه لا يعرف كيف يخرجهم من دائرة المعاناة التي عاشها هو.
هنا، لا نتحدث عن أرقام فحسب، بل عن عائلات تريد أن تعيش بكرامة، وعن أطفال لا ذنب لهم في ظروف وُلدوا فيها، ويخشون أن يرثوا تبعاتها. فهل يُعقل أن يمضي الإنسان سنوات عمره في المكان الذي وُلد فيه ونشأ، ثم يجد نفسه عاجزًا عن إثبات وجوده القانوني وتأمين أبسط مقومات المستقبل لأبنائه؟
إن هذه القضية تستدعي اهتمامًا جديًا من الجهات المعنية، ومتابعة قانونية واضحة للحالات، والبحث عن سبل ممكنة لتسوية الأوضاع وحماية حقوق الأطفال. فهؤلاء لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى حلول تضع حدًا لمعاناة امتدت سنوات، وتهدد بالاستمرار مع جيل جديد.
غادرت اللقاء، لكن سؤال هذا الأب بقي في ذهني. فكرت في الفرص التي ضاعت منه، وفي أطفاله الذين يريد لهم مستقبلًا أفضل، بينما لا يعرف كيف يطمئن إلى هذا المستقبل.
وكما يقول المثل: الألم لا يوجع إلا صاحبه. لكن حين نعرف أن هناك من يعيش هذا الألم، فلا يجوز أن نمرّ أمام حكايته وكأننا لم نسمع شيئًا.
فليس أقسى على الإنسان من أن يمضي عمره يبحث عن طريق لحياته، ثم يخشى أن يضيع عمر أبنائه في البحث عن الطريق نفسه.