آخر الأخبار

حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان بين السيادة والحقوق ورفض الاستفراد بالقرار

72bed458-1185-40ea-8fa0-1ca7dae11efc

بقلم: حربي خليل – باحث سياسي

في ضوء إطلاق المسار التشاوري للخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان، تبرز الحاجة إلى نقاش وطني مسؤول يتجاوز العناوين العامة، ويضع أمام الرأي العام الفلسطيني واللبناني الأسئلة الأساسية المتعلقة بمستقبل المخيمات، وحقوق اللاجئين، وطبيعة العلاقة بين الشعبين الشقيقين.

إننا ننظر إلى هذا المسار باعتباره فرصة لمعالجة ملفات ظلت عالقة لعقود، شرط أن تقوم الحوكمة على معادلة متوازنة تجمع بين احترام سيادة الدولة اللبنانية وقوانينها ومؤسساتها، وصون كرامة اللاجئ الفلسطيني وحقوقه المدنية والاجتماعية، والتمسك الثابت بحقه في العودة إلى وطنه.

لكن أي نقاش جدي حول مستقبل المخيمات لا يمكن أن يتجاهل إشكالية أساسية تتمثل في الاستفراد بالقرار الفلسطيني من جهة واحدة، وتهميش بقية القوى والمكونات الفلسطينية التي تشكل جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي للمخيمات.

أولاً: الحوكمة ليست ملفاً أمنياً فقط

إن أمن لبنان واستقراره مصلحة فلسطينية، كما أن أمن المخيمات واستقرار سكانها مصلحة لبنانية. ومن هذا المنطلق، فإن احترام سيادة الدولة اللبنانية ومرجعيتها القانونية والأمنية أمر أساسي، كما أن رفض تحويل المخيمات إلى ساحات للصراعات الداخلية أو الإقليمية ضرورة وطنية مشتركة.

لكن معالجة واقع المخيمات لا يمكن أن تقتصر على الجوانب الأمنية والإدارية؛ فالمخيم ليس مجرد مساحة جغرافية تحتاج إلى التنظيم والضبط، بل مجتمع يعيش فيه أناس لهم حقوق واحتياجات وتطلعات وطنية واجتماعية.

لقد وُلدت أجيال فلسطينية في لبنان، وتعلمت وعملت وأسهمت في المجتمع، ولا يجوز أن يبقى مستقبلها محكوماً بالحرمان والتهميش. فالنجاح الحقيقي لأي خطة للحوكمة لا يُقاس فقط بمدى تنظيم الواقع الأمني والإداري، بل أيضاً بقدرتها على حماية السكان وتحسين ظروف حياتهم وتعزيز الثقة بينهم وبين الدولة اللبنانية.

ثانياً: الاستفراد بالقرار لا يصنع توافقاً وطنياً

إن من أبرز الإشكاليات التي تستدعي التوقف عندها في مسار حوكمة المخيمات، مسألة احتكار القرار من جهة فلسطينية واحدة، وكأنها وحدها تملك حق تحديد مستقبل المخيمات والتحدث باسم جميع اللاجئين ومكونات المجتمع الفلسطيني.

إن اعتراضنا ليس على الحوار مع الدولة اللبنانية، ولا على تنظيم أوضاع المخيمات، ولا على احترام سيادة لبنان ومؤسساته، بل على أن تتحول القضايا المصيرية إلى قرارات أو ترتيبات تُبحث من دون مشاركة فلسطينية واسعة وحقيقية، تضمن حضور مختلف القوى والفصائل واللجان الشعبية والروابط الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني وممثلي اللاجئين أنفسهم.

فالمخيمات الفلسطينية ليست ملكاً لفصيل دون آخر، ولا يجوز احتكار قرارها السياسي والاجتماعي والأمني من أي جهة كانت. كما أن وجود مرجعية فلسطينية رسمية لا يعني أن بقية المكونات فقدت حقها في المشاركة وإبداء الرأي والمساهمة في صياغة القرارات التي تمس حياتها ومستقبلها.

إن العلاقات الرسمية بين دولة فلسطين والدولة اللبنانية ضرورية ومطلوبة، لكن هذه العلاقات يجب ألا تتحول إلى مدخل لتغييب التعددية الفلسطينية أو تجاوز القوى والفعاليات التي لها حضورها وتاريخها ودورها في المخيمات.

إن القرار الذي يتعلق بمستقبل جميع اللاجئين لا يجوز أن يُصاغ بمعزل عنهم، والحوكمة التي لا تستند إلى مشاركة حقيقية وتوافق واسع تبقى ناقصة مهما كانت أهدافها المعلنة.

ثالثاً: حقوق اللاجئ الفلسطيني ليست منّة ولا تتعارض مع سيادة لبنان

منذ نكبة عام 1948، عاش الفلسطينيون في لبنان ظروف اللجوء القسري، وتمسكوا بحق العودة إلى أرضهم، لكنهم لم يحصلوا على حقوقهم المدنية والمهنية كاملة، ولا تزال القيود القانونية والإجرائية تؤثر في فرصهم في العمل والتملك والتوريث والحماية الاجتماعية، وفي قدرتهم على الوصول إلى بعض المهن والوظائف المتقدمة.

لقد تعلمت أجيال فلسطينية واكتسبت الخبرات والشهادات الجامعية، لكنها اصطدمت بعوائق حدّت من فرصها المهنية، وحرمتها من الاستفادة الكاملة من مؤهلاتها وكفاءاتها.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم فتح مسار جدي لمعالجة هذه الملفات، بما يضمن فرصاً عادلة للعمل وفقاً للمؤهلات والكفاءة، ومراجعة القيود على التملك والتوريث ضمن إطار قانوني واضح، وتحسين الحماية الاجتماعية، ومعالجة أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية.

إن منح اللاجئ حقوقه المدنية لا يعني منحه الجنسية اللبنانية، ولا يفرض التوطين، ولا ينتقص من حقه في العودة إلى فلسطين. كما أن التمسك بحق العودة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستمرار حرمان الفلسطيني من أبسط مقومات الحياة الكريمة.

رابعاً: رسالة إلى الرأي العام اللبناني

إن الفلسطينيين لا يطالبون بأن يكونوا بديلاً عن اللبنانيين، ولا بأن تتحمل الدولة اللبنانية مسؤوليات تتجاوز إمكاناتها، بل يطالبون بمعالجة عادلة لواقع فرضته النكبة واللجوء، وبسياسات تساعدهم على العمل والإنتاج والعيش بكرامة.

إن تمكين الفلسطيني من العمل وفق مؤهلاته يسهم في تخفيف التهميش والفقر، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وينعكس إيجاباً على المخيمات ومحيطها.

وفي المقابل، فإن معالجة هذه القضايا تتطلب حواراً لبنانياً–فلسطينياً صريحاً يأخذ في الاعتبار خصوصية لبنان وهواجسه، من دون أن يجعل تلك الهواجس سبباً لتعليق الحقوق إلى أجل غير معلوم.

إن العلاقة بين الشعبين يجب أن تقوم على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة، لا على الأحكام المسبقة أو تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمات التي لا يصنعونها.

ونؤكد أن المطالبة بالحقوق المدنية لا تعني التوطين، وأن احترام سيادة لبنان لا يتطلب التخلي عن الحقوق الفلسطينية. بل إن الجمع بين الأمرين هو المدخل الصحيح لبناء علاقة متينة ومستقرة بين الشعبين.

خامساً: مسؤولية القيادة الفلسطينية في المرحلة المقبلة

إن الدفاع عن حقوق اللاجئين في لبنان مسؤولية وطنية فلسطينية لا تقل أهمية عن التمسك بحق العودة. ولا يكفي تكرار رفض التوطين أو إعلان الالتزام بالسيادة اللبنانية، بل يجب تحويل هذه المواقف إلى برنامج عمل واضح يتضمن مطالب محددة وآليات متابعة ومواعيد زمنية لمعالجة الملفات العالقة.

كما أن نجاح المسار التشاوري يتطلب مشاركة فلسطينية واسعة وحقيقية، تشمل مختلف القوى والفصائل واللجان الشعبية والروابط الأهلية والهيئات المدنية والنقابية والشبابية والنسائية، إلى جانب الخبراء وأصحاب الاختصاص.

والمطلوب ألا تقتصر المشاركة على الاستماع الشكلي إلى الآراء، بل أن تمتد إلى مناقشة المقترحات وصياغة الأولويات ومتابعة التنفيذ وتقييم النتائج.

إن الاستفراد، أياً كانت الجهة التي تمارسه، لا يبني توافقاً وطنياً ولا يضمن استقراراً دائماً، بل قد يعمّق الانقسام ويضعف الثقة ويجعل تنفيذ أي خطة أكثر صعوبة. أما التوافق الحقيقي، فهو الذي يحترم التعددية ويجمع بين المرجعية الرسمية وحق بقية المكونات في المشاركة والتعبير عن مواقفها.

إننا لا نطالب بحصة فصائلية في إدارة المخيمات، بل بحق المجتمع الفلسطيني في أن يكون شريكاً حقيقياً في تقرير القضايا التي تمس حياته ومستقبله.

سادساً: من التصريحات إلى الإجراءات العملية

إننا ندعو إلى إعداد ورقة حقوقية فلسطينية–لبنانية مشتركة، تُطرح ضمن المسار التشاوري، وتتضمن:

  • مراجعة القيود القانونية والإجرائية التي تعيق وصول الفلسطينيين إلى فرص العمل والمهن والوظائف المتقدمة، وفق المؤهلات والكفاءة.

  • فتح نقاش قانوني جدي حول التملك والتوريث، ومعالجة الإشكالات التي تواجه اللاجئين في هذا المجال.

  • تحسين الحماية الاجتماعية ومعالجة أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية.

  • ضمان استمرار خدمات وكالة الأونروا في التعليم والصحة والإغاثة، وتأمين التمويل اللازم لها.

  • اعتماد آلية تمثيل ومشاركة حقيقية لمختلف مكونات المخيمات، وضمان الشفافية في مناقشة المسائل التي تتصل بأمن اللاجئين وحقوقهم ومستقبلهم.

  • إنشاء آلية متابعة لبنانية–فلسطينية تقيس التقدم المحقق، وتستقبل ملاحظات اللاجئين، وتعمل على حل الإشكالات بعيداً عن التوتر والتوظيف السياسي.

كما ندعو إلى عقد لقاء فلسطيني تشاوري واسع يسبق استكمال أي ترتيبات نهائية تمس مستقبل المخيمات، بهدف بلورة موقف جامع وتحديد المطالب والأولويات، بما يمنع احتكار القرار ويعزز فرص التوافق مع الدولة اللبنانية.

إن هذه الخطوات من شأنها تحويل الحوكمة من عنوان إداري إلى مسار عملي يعالج أسباب الأزمات، ويضمن مشاركة أصحاب المصلحة، ويؤسس لعلاقة أكثر وضوحاً وثقة بين الجانبين اللبناني والفلسطيني.

الخلاصة: سيادة للبنان وحقوق للفلسطينيين وشراكة لا إقصاء فيها

إننا نريد مخيمات آمنة ومنظمة، ودولة لبنانية كاملة السيادة، وعلاقات فلسطينية–لبنانية تقوم على الاحترام والشراكة، ولاجئين يتمتعون بحقوقهم المدنية والاجتماعية، وأونروا قادرة على أداء مسؤولياتها، مع التمسك بحق العودة ورفض التوطين والتهجير.

لكننا نرفض أن تتحول الحوكمة إلى غطاء للاستفراد بالقرار الفلسطيني، أو أن يُختزل مستقبل المخيمات في إجراءات أمنية وإدارية، فيما تبقى الحقوق الأساسية معلّقة، وتُغيّب المكونات الفلسطينية عن المشاركة في رسم مستقبلها.

إن القضية ليست مفاضلة بين أمن لبنان وحقوق الفلسطينيين، ولا بين حق العودة والحياة الكريمة. المطلوب هو الجمع بين هذه المبادئ ضمن مقاربة عادلة ومسؤولة، تقوم على الشراكة والتوافق والشفافية واحترام التعددية.

ومن موقعنا كلاجئين فلسطينيين في لبنان، نقول بوضوح: لا نطلب بديلاً عن فلسطين، ولا نريد أن يتحول اللجوء إلى إقامة دائمة مفروضة علينا، لكننا نرفض أيضاً أن يكون تمسكنا بحق العودة سبباً لاستمرار حرماننا من حقوقنا.

نريد أن نعيش بكرامة في لبنان إلى أن نعود إلى فلسطين، وأن تكون العلاقة بين الشعبين نموذجاً للتضامن والاحترام، لا ساحة للخوف والتجاذب والاستفراد.

إن نجاح حوكمة المخيمات لن يُقاس فقط بمدى تنظيمها أمنياً وإدارياً، بل بقدرتها على حماية سكانها، وصون حقوقهم، وضمان مشاركتهم الحقيقية في القرارات التي تمس مستقبلهم.

سيادة للبنان، وكرامة للاجئ الفلسطيني، وحقوق مدنية عادلة، وشراكة فلسطينية حقيقية، ورفض للاستفراد والإقصاء، وتمسك ثابت بحق العودة ورفض التوطين. هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة