آخر الأخبار

وعد «بلفور» وخطيئة الحبر الأولى: كيف تحوّل أصحاب الأرض إلى «غرباء»

30149340-a318-4043-98ae-d3bff55899c7
محمد حسن سويدان

خريف عام 1917، وفي ذروة الحرب العالمية الأولى، كانت أروقة حكم قوى الاستعمار في بريطانيا وفرنسا نشطة في إعادة رسم خرائط دول غرب آسيا. في لندن، حركة مكثّفة ومُسوّدات وثائق انتهت إلى واحدة ظلّت سرية، وعُرفت لاحقاً بـ«تصريح بلفور». وأُرسلت نسخة استشارية إلى الحاخام الأكبر في بريطانيا، جوزيف هرتز، لأخذ رأيه. توقف هرتز عند البند المُخصّص لضمان الحقوق المدنية والدينية لـ«الطوائف غير اليهودية»، وضمّن ردّه وصية مُقتبسة من سفر اللاويين تنص: «إذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه».

أصحاب الدار ضيوف بحكم النص
حمل هذا الاستشهاد مُفارقة سياسية ولغوية واضحة؛ فالنص التوراتي كُتب في الأصل ليخاطب صاحب الأرض بضرورة ألّا يظلم الغريب المُقيم عنده. غير أن إسقاطه على الواقع الفلسطيني عكس الأدوار تماماً، إذ نقل سكان البلاد الأصليين إلى موقع «الغرباء المقيمين» المشمولين بالحماية، بينما منح الطرف القادم موقع صاحب السيادة والقرار. عكست هذه الملاحظة جوهر المعادلة التي تأسّس عليها المشروع الاستعماري البريطاني، حيث يتم تحويل أصحاب الأرض إلى مجرد متلقّين لضمانات معيشية ويومية، في مقابل منح الحركة الصهيونية الحق في تقرير المستقبل السياسي.

التفاوض على النص بدأ عندما وجّه أمين مجلس الحرب، موريس هانكي، في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 1917، مُسوّدة الإعلان إلى شخصيات يهودية بريطانية بارزة لطلب رأيها. وتؤكد مذكّرته الرسمية أن دائرة الاستشارة شملت مؤيدين ومعارضين للصهيونية؛ إذ تلقّى تسعة ردود، فضلاً عن مذكّرات منفصلة للوزير إدوين مونتاغو. ولم تنطلق الاعتراضات من موقف واحد؛ فالنائب فيليب ماغنوس، على سبيل المثال، عبّر عن خشيته من أن يؤدي تعريف اليهود كقومية سياسية إلى التشكيك في مواطنتهم البريطانية، واقترح حصر الهدف في إنشاء «مركز للثقافة اليهودية» بدلاً من «وطن قومي»، محذّراً من أن النص المطروح يمهّد لنقل الحكم، ومشدّداً على وجوب أخذ رأي سكان فلسطين في طبيعة الإدارة التي ستتولى شؤون بلادهم. ورغم استماع الحكومة البريطانية للانقسام الداخلي بين الشخصيات اليهودية، ظل أصحاب الأرض العرب مُستبعدين تماماً من أي تشاور.

قواميس استعمارية صاغت المصير
في الكواليس، كان اختيار الكلمات في المُسوّدات تفاوضاً سياسياً مباشراً على مفاهيم تؤسّس لواقع جديد؛ إذ طالب حاييم وايزمان وناحوم سوكولوف باستبدال مصطلح «الإنشاء» بـ«إعادة الإنشاء»، و«العرق اليهودي» بـ«الشعب اليهودي»، مبرّرين ذلك بأن «إعادة الإنشاء» تُرسِّخ الرواية التاريخية للحق المستعاد، ما يعفي المشروع من اشتراط موافقة السكان القائمين. وبينما استقر النص النهائي على كلمة «الإنشاء»، ثُبّتت عبارة «الشعب اليهودي» لمنح المجموع تعريفاً قومياً يؤسس للمطالبة بوطن، في مقابل حجب أي توصيف قومي عن الأغلبية العربية.

حضرت مسألة الهيمنة الفعلية بقوة في الكواليس قبل صدور الوعد بأشهر. ففي تموز/يوليو 1917، دعا الناشط الصهيوني هاري ساشر إلى بسط السيطرة المباشرة على مفاصل الدولة في فلسطين لقطع الطريق أمام أي إدارة عربية لها، مقترحاً قصر حقوق العرب على استقلال ذاتي ثقافي. وقد أكّدت هذه الرؤية حدود الهامش المسموح به لأهل البلاد؛ فإدارة الشأن الثقافي تُبقي السكان خاضعين لسلطة تمتلك قرارات التشريع والأرض والهجرة، وهي الأدوات التي تحدد عملياً شروط بقائهم.

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، حُسمت الصيغة بإرسال وزير الخارجية آرثر بلفور خطابه إلى اللورد ليونيل روتشيلد لنقله إلى الاتحاد الصهيوني. لم يتضمن النص تفويضاً صريحاً بالدولة أو السيادة المباشرة، لكنه منح الحركة الصهيونية مظلة اعتراف دولي بتبني إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي»، مقابل تعهد فرعي بحماية الحقوق المدنية والدينية لـ«الطوائف غير اليهودية». كما رسّخت الوثيقة تمييزاً سياسياً مجحفاً؛ إذ تم الاعتراف باليهود كشعب صاحب حق قومي، بينما جُرّد أصحاب الأرض الفلسطينيين من صفتهم كشعب صاحب حق في تقرير المصير، وعُرّفوا سلباً بما ليسوا عليه وبوصفهم أقليات دينية تعيش على هامش ترتيبات وُضعت دون علمهم أو موافقتهم.

تطابق هذا النهج مع نص الوعد نفسه؛ إذ حرصت الصياغة على حماية «الحقوق والوضع السياسي» لليهود في بلدانهم الأصلية، بينما أُسقطت الصفة السياسية بالكامل عن العرب في فلسطين واقتصرت الإشارة إليهم على حقوقهم «المدنية والدينية». وجاءت مذكّرة آرثر بلفور إلى اللورد كرزون في آب/أغسطس 1919 لتضع هذا الإقصاء في إطاره المباشر، حين أكّد أن بريطانيا «لا تعتزم حتى القيام بإجراء شكلي لاستشارة رغبات سكان البلاد الحاليين»، معتبراً أن التزام القوى الكبرى بالمشروع الصهيوني يتقدم على رغبات نحو سبعمئة ألف عربي يقيمون على أرضهم، وهو ما أثبت أن تجاهل إرادة السكان كان توجهاً استعمارياً ثابتاً حكم تسويات المنطقة.

تشريع الاقتلاع تحت راية الانتداب
تحوّل التعهد البريطاني إلى واقع تنفيذي ملزم حين أُدرج نصه في صك الانتداب الذي صادقت عليه عصبة الأمم في 24 تموز/يوليو 1922، ما جعل إنشاء «الوطن القومي» جزءاً من التزامات الإدارة الانتدابية القانونية. رسخ صكّ الانتداب هذا التوجه عبر آليات مؤسسية؛ فنصت مادته الرابعة على إنشاء «وكالة يهودية» يعترف بها القانون كهيئة عامة تشارك إدارة الانتداب في تخطيط السياسات وتطوير البلاد وخدمة المصالح الاستيطانية، وأُسندت هذه المهمة رسمياً إلى المنظمة الصهيونية. وفي المقابل، فرضت المادة السادسة على إدارة الانتداب تيسير الهجرة وتشجيع الاستيطان على أراضي البلاد، بما فيها أراضي الدولة، مكتفية باشتراط شكلي ينص على عدم الإضرار بحقوق الفئات الأخرى. وبذلك حظي المشروع الصهيوني بتمثيل مؤسسي وشراكة تنفيذية، بينما حُرم المجتمع العربي من أي هيئة رسمية موازية تمثل حقوقه القومية أو تمنحه صوتاً في تقرير مصير أرضه.

من الورق إلى الأرض… نكبة 1948
انعكست هذه الترتيبات على أرض الواقع في نكبة عام 1948، حين أخذ تجريد الفلسطينيين من حقوقهم شكلاً مادياً مباشراً عبر التهجير القسري الجماعي من قراهم ومدنهم، وهو ما وثّقته وكالة «الأونروا» التي بدأت مهامها عام 1950 برعاية نحو 750 ألف لاجئ فلسطيني فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم. وفي العام ذاته (1950)، أقرّت إسرائيل «قانون أملاك الغائبين» ليوفر غطاء تشريعياً لمصادرة ممتلكات المهجرين ونقلها إلى عهدة «القيّم على أملاك الغائبين». طُبّق القانون بتعريف واسع شمل اللاجئين الذين طُردوا إلى الخارج والمواطنين الذين هُجّروا داخلياً وظلوا داخل حدود الدولة، ما خلق فئة «الحاضرين الغائبين»؛ أفراد يقيمون في وطنهم لكنهم مُجرّدون قانونياً من أملاكهم، وامتدت المصادرة لتشمل أملاك الأوقاف الإسلامية، مستهدفة البنية الاقتصادية للمؤسسات الدينية والخيرية. أثبتت هذه الوقائع ترابط الحقوق وتكاملها؛ فالجهة التي حازت الهيمنة السياسية وسلطة التشريع هي التي حددت مفهوم «الغائب»، وقررت مصير الأراضي والمقدسات، بينما أثبت غياب التمثيل السياسي عجز الوعود النظرية عن توفير أي حماية حقيقية.

قوننة التفوّق ومحو الآخر
يمتد أثر حصر الحقوق القومية إلى المنظومة القانونية الإسرائيلية المعاصرة؛ ففي 19 تموز/يوليو 2018، أقرّ الكنيست «قانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي»، ليمنحه مكانة دستورية تحصر حق تقرير المصير داخل الدولة باليهود وحدهم، وتُعرِّف الاستيطان وتطويره كقيمة قومية ترعاها مؤسسات الدولة. وعلى مستوى منع إقامة أي كيان سيادي فلسطيني، صوّت الكنيست في 18 تموز/يوليو 2024 بأغلبية 68 صوتاً مقابل 9 ضد إقامة دولة فلسطينية غرب نهر الأردن. وتطابق هذا الموقف التشريعي مع تصريحات أدلى بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في باريس في 19 آذار/مارس 2023 حين أنكر صراحة وجود الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن نفي الهوية القومية استمر كأداة لمصادرة الحقوق السياسية.

أمّا على مستوى الضمانات المدنية والدينية، فتظهر السجلّات الميدانية تراجع فاعليتها بالكامل؛ إذ وثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (ocha) في تقرير صادر بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تهجير نحو 1,790 فلسطينياً منذ مطلع ذلك العام بسبب هدم المنازل بحجة عدم الترخيص، من بينهم 668 شخصاً في القدس الشرقية وحدها، إلى جانب رصد اعتداءات لمستوطنين طاولت 14 مسجداً في الضفة الغربية منذ بداية العام، كان أحدثها إحراق مسجد في قرية مخماس منتصف الشهر ذاته.

تؤكد هذه المسيرة التاريخية والتشريعية أن ممارسات التهجير وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم لم تكن وليدة ظروف أمنية أو نزاعات متأخرة، بل كانت نتاجاً حتمياً للهدف الذي تأسّس عليه وعد بلفور منذ يومه الأول. لقد كُرّس المشروع برمّته لإقصاء العرب من أراضيهم، وتجريدهم من أي صفة قومية تتيح لهم بناء دولة مستقلة، وتحويل الأغلبية السكانية إلى جماعات خاضعة للإدارة دون أي وزن سياسي.
لم تكن نكبة فلسطين، من برقيات الخريف البريطاني في عام 1917 وحتى هدير الجرافات اليوم، مجرد انحراف عن مسار «الوعد»، بل كانت تطبيقه الحرفي. لقد أثبت قرن من الصراع حقيقة بديهية، إسقاط الحقوق السياسية عن أي شعب يُسقط تلقائياً حقه في الأمان والوجود؛ فمن يُجرّد من سيادته على أرضه، يغدو بقاؤه رهن تشريعات يُفصِّلها الغازي وقوة تفرضها فوهة البندقية. من هنا، يُصبِح «تصريح بلفور» عبارة عن هندسة إحلالية محكمة رأت في أصحاب الأرض فائضاً بشرياً تجب إزاحته، لتظل صياغاته الأولى المرآة الأصدق لكل نكبة تلتها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة