أسعد أبو خليل
حرب الإسناد: أين المحور؟
نستسهلُ إطلاق وصْف جبهة ومحور ومعسكر في العالم العربي أو أننا نبالغ في تقدير التحالفات أو حقيقة وجودها. تذكرون كيف أنّ إعلام الممانعة (وبخاصّة «الميادين») روّجوا كثيراً لمحور «بريكس» وكانت حلقات أسبوعيّة تحتسب الناتج القومي لدول «المحور» لتصويره كمنافس جدّي لحلف شمال الأطلسي. لكن دول «بريكس» لم تشكِّل يوماً محوراً سياسيّاً أو عسكريّاً، والسعوديّة المتحالفة مع أميركا (وإسرائيل دائماً) لم تمانع التعامل معه (هي تلقّت دعوة للانضمام لكنّها تريّثت). وكيف يمكن أن تتحدّث عن حلف إذا كان يضمّ الهند والصين معاً أو الإمارات وإيران معاً؟ هذا لقاء ليس أكثر وليس في وارده تحدّي الإمبراطوريّة الأميركيّة.
«الجبهة الشعبيّة» تأسّست كـ«جبهة» في 1967، لكنّ عناصر الجبهة ما لبثت أن تفكّكت أيادي سبأ وانفرط العقد وبقيت جبهةً. الحركة الوطنيّة اللّبنانيّة كانت متنافرة وجمعت أضداداً وأعداءً. جبهة «الصمود والتصدّي» ضمّت في ما ضمّت ألدّ الأعداء: حافظ الأسد وصدّام حسين. والجبهة العربيّة لمواجهة مبادرة السادات ضمّت حلفاء سرّيين له ومعارضين.
محور الممانعة موضوع آخر. لو أنتَ سمّيته محور المقاومة فأنتَ تفترض أن كلّ عناصره مشاركون في المقاومة. مصطلح الممانعة أفضل لأنّه يعني عدم الانخراط في التسوية السلميّة (هذا سرى على النظام السوري في المراحل التي لم يكن منخرطاً فيها في مفاوضات تسوية مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل). لكن أيّ مقاومة؟ مقاومة إسرائيل أم مقاومة العدوان السعودي-الخليجي-الغربي في اليمن أم الاحتلال الأميركي للعراق؟ يكفي أنّ العراق (أو حركات سياسيّة شيعيّة نافذة في العراق) احتُسبت، خطأً، من عناصر الممانعة. الذي جرى في السنتَين الماضيتَين يطرح أسئلة عن أداء الحزب، ليس فقط بالنسبة إلى الصراع مع إسرائيل، وإنّما بالنسبة إلى استئناف الأداء السياسي في الإقليم.
ليس صحيحاً أنّ الحزب كان يستطيع أن يحمل أثقال النظام اللّبناني على كاهليه وأن يدافع عنه بوجه هبّة شعبيّة من دون تحمّل عواقب ذلك. انخرط الحزب بقوّة في النظام الطائفي وقرّر أنّ التحالف الطائفي المذهبي يطغى على كلّ الحسابات الأخرى ولو كانت -في نظرة مراجعة ما- في صالح مجابهة إسرائيل (هل كان ضرورياً مثلاً أن يصرّ الحزب، بناءً على مشيئة النظام السوري، على رفْع أسعد حردان، بوجه كلّ معارضيه في الحزب الذي ما حادَ يوماً عن صراط مقارعة إسرائيل؟).
بقينا تحت فكرة أنّ هناك محوراً إقليميّاً وأنّه سيهبُّ هبّة واحدة للدفاع عن كلّ العناصر ويشارك في معركة فلسطين الكبرى. خطاب المحور استقى من ميثاق الأطلسي: أنّ أيّ عدوان على عنصر فيه سيصيب الجميع وسيردّون ردّاً مشترَكاً. إنّ شنّ السنوار لـ«طوفان الأقصى» (بصرف النظر عن النقاش حول الصوابية أو عدمها) يدحض فكرة المحور من أساسها. لو أنّه كان هناك محور بحقّ وحقيق تكون هناك غرفة عمليّات مشتركة يلتزم الجميع بها ولا يحقّ لطرف في المحور فتْح حرب كبرى من دون حساب مصالح باقي العناصر في المحور وأوضاعهم. للسنوار أحكامه وحساباته، والاختراق الأمني الفظيع الذي افتُضح في لبنان أوّلاً ثمّ في إيران ثانياً يعزّز حساب السنوار: أنّ الوضع الأمني للمحور ليس على ما يرام وأنّ التنسيق محفوف بالمخاطر.
كانت العمليّة ستفشل لو أنّ الجميع علم بتوقيت العمليّة وطبيعتها على الأرجح. حتى الساعة، بعد اغتيال طبطبائي الأخير، لم يستطع الحزب بعد إصلاح وضعْه الأمني وهذا الذي يساعد العدوّ في فرض شروطه وهو يضعف الحزب إزاء أعدائه في الداخل الذين يتربّصون به وبالطائفة برمّتها، ممسكين بسكاكين مشحوذة. قد يكون قرار السنوار محكوماً باليأس من إمكانيّة قيام المحور كمحور بعمل موحّد ضدّ إسرائيل.
وفي بحث الاختراق الأمني للحزب، لا يمكن فصْل علاقات أطراف المحور ببعض وبأعدائهم. كيف تكون حال المحور سليمة عندما كان النظام السوري يفاوض ويتحالف سرّاً وعلناً مع النظام الإماراتي الذي بات من أقرب حلفاء إسرائيل؟ أمّن بشار الأسد وضعاً مرتّباً لأفراد من عائلته هناك. وفي تلك المدّة التي سبقت الحرب، أرسل الحزب موفداً عنه للتفاوض مع هذا الحليف العربي لإسرائيل موعوداً بإطلاق رهائن شيعة في الإمارات (أين هم اليوم؟) والعراق هو الحلقة الأضعف. دخل الشيعة بكلّ أطيافهم في العمليّة السياسيّة التي فرضها الاحتلال. صحيح أنّ أطرافاً شيعيّة تكفّلت بمعظم أعمال المقاومة في المرحلة الأخيرة من الاحتلال وهم في المحصّلة فرضوا انسحاب معظم القوات الأميركيّة، وباعتراف الأميركيّين أنفسهم. لكنّ «البيت الشيعي» كان متنافراً: جمع الذين تعاملوا مع الاحتلال مع الذين قاوموا الاحتلال.
إنّ حرب الإسناد كان يمكن لها أن تكون أكثر فاعليةً لو أنّها انطلقت موحّدة وجامعة كيلا تستفرد إسرائيل بكلّ طرف على حِدة
لكنّ التآزر الطائفي المذهبي (بوجه الطوائف والمذاهب الأخرى) سادَ ولم يعد التعامل مع الاحتلال والمشاركة في المؤامرة ضدّ العراق (التي لم يكن اللّوبي الإسرائيلي بعيداً عنها أبداً، كما يرد في كتاب ستيفن والت وجون ميرشهايمر عن اللّوبي الإسرائيلي في أميركا) نقيصة. عندما وصل أحمد الجلبي إلى لبنان، في 2011 ورحّب به فريق المقاومة والممانعة كواحد منهم ظهر أثر التحالف الطائفي المحض. هذا أحمد الجلبي الذي ارتضى أن يتحالف مع أقطاب اللّوبي الصهيوني هنا (وكان قريباً جدّاً من الصهيوني اللّبناني، فؤاد عجمي، الذي عرّفه على برنارد لويس وصهاينة آخرين) وكان رأس حربة في المشروع الصهيوني لغزو العراق وتدمير الدولة.
اكتشف الجلبي بعد الغزو أن لا شعبيّة له ونبذه الأميركيّون لأنّهم أدركوا أنّه كذب عليهم عندما زعم أنّ الشعب العراقي سيهبّ داعماً له كمخلّص من حُكم صدّام. أصبح الجلبي قريباً من إيران ومن شيعة المحور فقط لأنّه احتاج إلى قاعدة شعبيّة. أوقفت أميركا الدعم المالي عنه والبعض (هنا) أعلنه عميلاً إيرانيّاً. لكن هل أنّ الجلبي ممانعة؟
ثم هناك كلّ الذين تعاقبوا على الحُكم في العراق: عادل عبد المهدي، أصبح يتحدّث مثل أقطاب المحور لكنّه في الحُكم كان خادماً لسلطة الاحتلال، مثله مثل نوري المالكي. المالكي كان يتلقّى تعليمات أسبوعيّة عبر حلقة «زوم» من جورج دبليو بوش، وهناك صور لهذه اللّقاءات التعليميّة بينهما. المالكي كان يُستقبل مِن قِبل أمين عام حزب الله ومن قادة المحور. ما هي الصِّلة المنطقيّة بين أعمدة الاحتلال الأميركي وقوى المقاومة في المنطقة، غير التعاضد الطائفي؟ ورئيس الحكومة العراقي الحالي تلقّى في الانتخابات الأخيرة دعماً (السياسي وحتماً المالي) خليجياً وغربياً.
هذه كانت أسوأ انتخابات تجرى واستفادت من التغيير الهائل في موازين القوى في المنطقة لصالح إسرائيل. ومصطفى الكاظمي، عُيِّن مِن قِبل المحتلّ الأميركي لكنّه حافظ على علاقات جيّدة مع قوى المقاومة (برغم الاختلاسات الهائلة مِن قِبل فريق حُكم هذا التكنوقراطي). وماذا كان دور الحُكم العراقي (خصوصاً الشيعي النافذ فيه في مختلف أجهزة الحُكم) عند اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، مع العلم أنّ سليماني كان في طريقه للقاء عادل عبد المهدي (الذي كان -بحسب الإعلام الغربي- يتوسّط بين إدارة ترامب وإيران)؟
وهناك مسرحيّة انسحاب القوّات الأميركيّة من العراق. هذه المسرحيّة شارك فيها كلّ رئيس حكومة عراقي منذ قرار المجلس النيابي العراقي (الأول، لأنّ هناك قرارات لاحقة حول الانسحاب لم يُنفَّذ منها أيّ شيء) في 2008. كيف بقيت القوّات الأميركيّة تسرح وتمرح في العراق، إذا كان الشعب العراقي ممثّلاً بقواه المنتخَبة قد صوَّت لرحيلها؟ وكلّ هؤلاء الرؤساء خدعوا الشعب العراقي عن أسباب البقاء، وضخّوا موادّ التضليل حول وضْع جدول زمني وحول أنّ حركة النجوم لا تلائم الانسحاب في الوقت الحاضر.
وحلفاء المقاومة في العراق ماذا فعلوا عندما حلّت النكبة الأخيرة في غزّة ثمّ في لبنان؟ أين كانت المرجعيّة الشيعية الدينيّة بالنسبة إلى غزّة؟ لماذا لم تصدر فتاوى الجهاد، وهي صدرت ضدّ «داعش»؟ صحيح هناك قوى مقاومة حقيقيّة في العراق وهي حاولت إسناد حرب الإسناد وغزّة، لكنّ القوى الشيعيّة الأخرى ضغطت عليها بإيعاز أميركي. المحور كان مخترَقاً مِن قِبل هذه القوى الشيعيّة الطائفيّة المتنفّذة. لا نعلم ظروف المشاركة مِن قِبل قوى في «الحشد» في حرب الإسناد في التوقّف عنها فجأةً؟ ما طبيعة الضغوط التي فُرضت؟ وماذا كان دور رئيس الحكومة العراقي الذي لم تعنِه مسألة فلسطين؟
كان هناك حديث عن زحف مِن قِبل الحشد إلى لبنان وفلسطين، لكنْ أيٌّ من هذا لم يحدث. «أنصار الله» أدّوا دوراً سيذكره التاريخ وبخاصّة أنّهم تعرّضوا، مرّة أخرى، إلى حرب عالمية وحشيّة لصدّهم ومنْع مساندتهم لفلسطين. «أنصار الله» كانوا حلفاء أوفياء لقوى المقاومة لكنّهم أدّوا هذا الدور من دون تنسيق مركزي. هل أنّ إيران كانت غائبة عن التنسيق الشامل للقوى؟ هل لأنّها (وهذا حقّها) ارتأت أنّ الحرب ليست في صالحها؟ لماذا لم تشارك إيران الناس بشكوكها حول اغتيال رئيسي؟ صحيح، أنّ المزاج الشعبي الإيراني تغيّر كثيراً لكن عدم أخْذه في الحسبان من قبل حزب الله كان خطأً. كانت الأحزاب الشيوعيّة العربيّة تفترض خاطئة أنّ دعْم أوروبا الشرقيّة لها (الحكومي والشعبي في دول كانت إرادة الشعب غير ممثّلة تقليديّاً) أفضليّة دائمة.
المحور كان متشرذماً وحزب الله قرّر فتْح حرب الإسناد برغم كلّ هذه النواقص ونقاط الضعف. وإيران، بحسب ما قرأنا، نصحت بالحذر والتمنّع لكنّ وفاء نصر الله لفلسطين وأهلها كان غالباً. إنّ حرب الإسناد كان يمكن لها أن تكون أكثر فاعليةً لو أنّها انطلقت موحّدة وجامعة كيلا تستفرد إسرائيل بكلّ طرف على حِدة. لكن لإسرائيل (ودول الغرب التي شاركت في الحروب ضدّ لبنان وفلسطين واليمن) القدرة على شنّ غير حرب في وقت واحد، وبخاصّة أنّها تتمتّع باحتكار للأجواء مِن قِبل طائراتها المقاتلة. (وماذا حلّ بالكلام من قبل قادة الحزب قبل الحرب على قدرته على التعامل مع القصف الإسرائيلي الجوّي للبنان؟).
من الصعوبة مواجهة إسرائيل من دون جبهة متراصّة (جبهة فلسطينيّة وعربيّة أو إقليميّة). النظام السوري انكفأ كليّاً في الحرب الأخيرة. وهو ضغط حتى على تحرّكات الحزب العسكريّة لكنّنا لم نعلم عن ذلك في حينه. إنّ ضعف الأداء ضدّ إسرائيل، ارتبط بضعف كيانيّة المحور بذاته. لعلّه كان محوراً متنافراً منذ البدء وبخاصّة عندما تذكُر خلاف الحزب مع «حماس» حول الحرب السوريّة.
(يتبع)