الشيخ ماهر حمود
ليس كل من تحدّر من نسل إبراهيم يُعدّ من أبنائه، ولا يمكن اعتبار الصهاينة اليوم من أبناء إبراهيم بالمعنى الذي يقصده السياسيون حين يتحدثون عن «السلام». وقد ظهر هذا التعبير للمرّة الأولى في الخطاب السياسي اللبناني على لسان الرئيس جوزف عون خلال استقباله بابا الفاتيكان.
وفي القرآن الكريم شواهد واضحة على أن إبراهيم تبرّأ ممّن كفر من قومه، ومن عمّه الذي عبد الأصنام، وحتى من ذريته إن كانوا من الظالمين. أما من قومه فقوله تعالى في سورة الممتحنة: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ…) (الآية 4).
ومن أبيه، أي عمه الذي كفر، قوله تعالى في سورة التوبة: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (الآية 114).
ومن ذريته ما جاء في قوله تعالى: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة، 124).
إذن، فالانتماء إلى إبراهيم ليس انتماءً نسبياً أو أبوياً فقط، بل هو انتماءٌ عقديّ والتزام بالاستقامة التي أمره الله بها. وقد أكدت الآيات الواضحات هوية إبراهيم عليه السلام، فلا يملك أحد أن يزوّر هذه الهوية أو يوظفها في غير معناها: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفاً مسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران، 67).
ولن تتمكن قوى الشر، التي تحرّكها الصهيونية، من اختطاف اسم سيدنا إبراهيم عليه السلام أو دوره التاريخي العظيم. فهو أبو الأنبياء، ومن ذريته جاء كل الأنبياء من بعده. وهو الذي سمّانا «مسلمين»، وهو الداعي الأول إلى التوحيد، وقدّم حياته وحياة ابنه في سبيل الطاعة والالتزام بأمر رب العالمين. ولن تستطيع هذه القوى أن تحوله رمزاً لسيطرة الصهيونية على العالم وعلى منطقتنا، وأن يكون هذا الرمز العظيم شاهد زور على بقاء الاحتلال والظلم الذي تمارسه الصهيونية.
لمسنا عدداً من الإيجابيات خلال زيارة البابا، خصوصاً على صعيد تعزيز مفهوم العيش المشترك ومفهوم الرسالة الذي يمثله لبنان. إلا أننا نخشى أن تكون الكلمة التي أدلى بها على متن الطائرة التي أقلته إلى روما، هي خلاصة هذه الزيارة وهدفها الرئيسي، عندما قال: «سنسعى إلى إقناع فريق لبناني بتسليم سلاحه واستبدال السلاح بالمفاوضات».
وقد بدا هذا التوجه جلياً في تعيين السفير سيمون كرم ممثلاً للبنان في لجنة المراقبة الدولية، وهو قرار يندرج ضمن طلب أميركي صهيوني لا يختلف حوله اثنان. ومع ذلك، لم يمنع هذا القرار الصهيونية من مواصلة الغارات اليومية الواسعة على القرى الجنوبية وغيرها. فماذا يعني ذلك؟
إن «التنازلات» التي يقدمها الرئيسان جوزف عون ونواف سلام، وسائر أركان الحكم، واستجابتهم الواضحة للإملاءات الأميركية، مثل تعيين السفير سيمون كرم، تجعلنا أمام احتمالين: إما أنه اعتراف بالخلل الكبير في ميزان القوى لمصلحة الأميركي والصهيونية، ومحاولة لشراء الوقت وتفادي حرب إسرائيلية واسعة محتملة، كما حذرت منها الوفود المتعددة. وفي هذه الحالة، يمكن وصف هذا الموقف بأنه موقف معذور، ويقع تحت عنوان: «الضرورات تبيح المحظورات».
لكن، إذا كان ما نشهده اليوم يعكس قناعة ترسّخت لدى الرئيسين وسائر المسؤولين، مفادها أن مستقبل المنطقة هو حتماً «التصالح» مع الصهاينة، وانتهاء المقاومة وطي صفحتها بكل أبعادها وأشكالها، فهذه طامّة كبرى، ومصيبة تجعلنا في موضع يمنعنا ويمنع الوطن من أي احتمال لسلوك طريق التطور والخروج من الأزمات، ويضع الوطن في موقع تسليم كامل للعدو، يمكّنه من الإمساك برقاب اللبنانيين والتحكم بأدق تفاصيل حياتهم.
عندما يتحدث البعض، بحق أو بغير حق، عن خلل كبير في ميزان القوى لمصلحة العدو، نذكّرهم بأن ميزان القوى كان مائلاً لمصلحة الفرس والروم عند انطلاق الإسلام، ومع ذلك انتصر الإسلام بوحدة الموقف وعمق العقيدة. وإذا توحّد اللبنانيون على موقف واحد من الاحتلال، بل إذا توحّد أهل الحكم على موقف واحد واضح، فإنهم يستطيعون أن يفرضوا على العدو أموراً كثيرة، قد لا يكون الانسحاب من النقاط الخمس أهمها.
*رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة.