د. انتصار الدنان
تحتضن أكاديمية دار الثقافة في مخيم مار إلياس في العاصمة اللبنانية بيروت، إرث الكاتب والمترجم إسكندر حبش (1963-2025)، والذي أوصى قبل رحيلة بالتبرع للأكاديمية بمكتبته التي تضم آلاف الكتب بالعربية والفرنسية والإنكليزية، في الشعر، والفلسفة، والسياسة، والسينما، والفنون، إضافة إلى أرشيف نادر لمجلات مثل “الكرمل” و”شعر”.
تقول منسقة الأكاديمية تغريد عبد العال لـ”العربي الجديد”: “تفتح المكتبة للجمهور اليوم الخميس، ضمن مشروعات الأكاديمية التربوية الثقافية التي تنطلق من إدراك عميق لمعركة الوعي التي يخوضها المجتمع الفلسطيني في مواجهة المحو والإبادة، وتهميش هويته الوطنية، وهي لا توفر نشاطات عابرة، بل تعمل ضمن مشروع ثقافي له جذوره في تاريخ المقاومة الثقافية الفلسطينية التي أسّس لها مثقفون كبار، إذ ارتبط الوجود الفلسطيني بالثقافة بوصفها فعل مقاومة، وبالهوية بوصفها انتماء”.
وتضيف عبد العال: “كان إسكندر حبش صديقاً للأكاديمية، وخلال معاناته الأخيرة مع المرض، شعرت بالحاجة إلى استضافته في حوار مطول مع شباب نادي القراءة، ليشارك تجربته الشعرية والإنسانية. لم يكن الأمر مجرد استضافة، بل أقرب إلى وصية تحدث فيها عن الكتابة، والشعر، والموت، والسياسة، واستمرت اللقاءات على مدار أسبوعين، وكان سعيداً بها ومتحمساً لاستكمالها، وصدر كتاب تضمن مناقشات الحوار ضمن إصدارات الأكاديمية”.
وتوضح أن “المكتبة ليست مجرد رفوف كتب، بل إرث ثقافي تركه إسكندر حبش للأجيال القادمة، وفضاء مفتوح للطلاب والباحثين والمؤسسات الثقافية. نؤمن بأن المعرفة يجب أن تكون متاحة، وأن الثقافة لا يمكن أن تُحتكر، ونطمح إلى توسيع المكان، وإطلاق مبادرات جديدة، ودعم مراكز ثقافية ناشئة عبر التبرع بالكتب، وتشجيع تأسيس نوادي قراءة وحلقات نقاش. فالأكاديمية في جوهرها ليست مكاناً، بل فكرة وممارسة، ومشروع مقاومة ثقافية مستمر. على هذه الرفوف ترك إسكندر حبش عصارة فكره، ونعده بأن تبقى الثقافة فعل حياة، وذاكرة، ومقاومة”.
وتتابع منسقة أكاديمية دار الثقافة في مخيم مار إلياس: “قبل تأسيس الأكاديمية، كنّا نعمل على مبادرات ثقافية متفرقة في محاولات لبلورة مشروع ثقافي وطني جامع يدافع عن الهوية الفلسطينية، لا سيما داخل مخيمات اللجوء، حيث تغيب الثقافة الوطنية عن المدارس وكثير من المؤسسات، وتحلّ مكانها أحياناً ثقافات بديلة تُهمّش الوعي الوطني. من هنا، جاءت الحاجة إلى حاضنة ثقافية للمواهب الفلسطينية، والمثقفين المنتشرين في أماكن متعددة، وتجمعهم بهدف التفكير والعمل المشترك، من أجل بناء مشروع ثقافي وطني له أبعاد سياسية وإنسانية”.
وتشير عبد العال إلى أن “الأكاديمية بدأت العمل بمكتبة صغيرة تشكّلت من تبرعات قُدّمت عبر مؤسسة (عامل)، كانت مخصصة في الأصل لإرسالها إلى قطاع غزة، لكنها لم تصل بسبب ظروف الحصار الإسرائيلي، وكان ذلك قبل الحرب الأخيرة بعام تقريباً. اليوم، وبعد نحو ثلاث سنوات، من بينها سنتان في المكان الحالي، جرى تطوير المكتبة وتوسيعها، ومع تطور المشروع، تحوّلت المكتبة إلى مساحة للنقاش الفكري والثقافي، خاصة المرتبط بمعركة الوعي الفلسطيني، وبعد الحرب على غزة، برزت أسئلة: كيف نواجه؟ وكيف نفهم؟ وكيف نعيد تعريف دور الثقافة في زمن الإبادة؟”.
وتستكمل عبد العال: “نؤمن بأن الذاكرة فعل مقاومة، وبأن الإبداع الحر واحترام المواهب جزء أصيل من الثقافة الوطنية الفلسطينية، والفن يشكّل ركناً أساسياً في مشروعنا، فالفنان الفلسطيني غالباً ما يُحاصر، ولا يُمنح المساحة الكافية لإبراز موهبته، لذا عملنا على إنشاء نادٍ لفناني المخيمات، يجمع الفنانين ذوي الخبرة مع الشباب الموهوبين، ونظّمنا معارض بالتعاون مع مؤسسات دولية، مثل جمعية التضامن الفلسطيني في فرنسا، إضافة إلى ورش ودورات فنية ونقاشات حول الذاكرة الفنية الفلسطينية”.