آخر الأخبار

مخيم البداوي… إغلاق المداخل الفرعية يخنق اللاجئين

GettyImages-526689148

د. انتصار الدنان /العربي الجديد

يفاقم قرار الحكومة اللبنانية إغلاق معظم المداخل الفرعية لمخيم البداوي بذرائع أمنية معاناة نحو 23 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في المخيم.

يشكل قرار السلطات اللبنانية إغلاق المداخل الفرعية لمخيم البداوي تحوّلاً خطيراً في حياة الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين وسكان المناطق المحيطة، إذ لم يعد الإجراء مسألة أمنية عابرة، بل واقعاً يفرض نفسه على مختلف جوانب الحياة، إذ يجد اللاجئون أنفسهم محاصرين داخل مساحة ضيقة، ومحرومين من حرية التنقل، ما ينعكس مباشرةً على أرزاقهم وإمكانية تعليم أبنائهم، وحتى وصولهم إلى الخدمات الصحية.

 

ويوضح مسؤول اللجان الشعبية في شمال لبنان، أحمد غنومي لـ”العربي الجديد”، أن مخيم البداوي يضم 23 مدخلاً فرعياً، أُغلق 19 مدخلاً منها، بينما بقيت أربعة مداخل صغيرة مفتوحة، وهي تسمح بمرور الدراجات النارية أو الـ”توك توك” أو العبور مشياً، ولا يزال المدخلان الأساسيّان اللذان يسمحان بمرور السيارات مفتوحين.

وبحسب إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، يعيش في مخيم البداوي نحو 23 ألف لاجئ مسجل، ويعاني غالبيتهم من الفقر والبطالة، مع طلب كبير على الخدمات بسبب عدد السكان المتزايد.
وتقول الناشطة الاجتماعية دلال شحرور لـ”العربي الجديد”، إن “معظم المداخل الفرعية أُغلقت، ولم يتبقَّ سوى أربعة مداخل تخدم آلاف اللاجئين الذين يعيشون ضمن مساحة لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً واحداً، مع احتمالات إغلاق مداخل إضافية لاحقاً. يُقال إنّ إغلاق المداخل سببه وجود بعض الخارجين عن القانون داخل المخيم، علماً أن الدولة اللبنانية تنسّق مع الفصائل الفلسطينية واللجنة الأمنية عند وجود أي مطلوب، ويُسلَّم وفق الآليات المعتمدة، فضلاً عن ملاحقة مروّجي المخدرات، وهي ظاهرة منتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، وليست محصورة بمخيم البداوي”.
وتضيف شحرور: “لا يضم المخيم أي فلتان أمني، ويُعدّ من أكثر المناطق أمناً مقارنةً بما تشهده مناطق الجوار، كما لا تُسجّل فيه حالات سرقة أو تشليح، ويشعر سكانه بالأمان، ويمكن لأي شخص التجوّل في أي وقت من دون خوف. أدّى إغلاق المداخل إلى فصل المخيم عن محيطه بعدما كانت تجمعه مع الجوار علاقات اجتماعية ومصاهرة، ما أثّر سلباً في النسيج الاجتماعي والتواصل اليومي، كما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي، إذ كان العديد من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين المقيمين خارج المخيم يدخلون إليه للتسوّق، نظراً لانخفاض الأسعار وتوافر السلع، ومع إغلاق المداخل، بات الوصول إلى سوق المخيم صعباً، ما أدّى إلى تراجع حركة البيع والشراء، الأمر الذي فاقم معاناة عائلات المخيم التي تعتمد في معيشتها على محال صغيرة أو بسطات خضار”.

وتؤكد شحرور أن “القرار انعكس كذلك على طلاب المدارس ورياض الأطفال، ولا سيّما القاطنين عند أطراف المخيم أو خارجه، إذ بات الأهالي مضطرون لتأمين وسائل نقل لأبنائهم، وبعدما كانت المسافة تستغرق نحو خمس دقائق سيراً على الأقدام، صارت اليوم تتطلب أكثر من نصف ساعة، كما أن الإغلاق أدّى إلى ازدحام الشارع العام الوحيد المفتوح في المخيم، لتتحوّل ساعات الدخول والخروج من المدارس إلى حالة من الاكتظاظ”.
تتابع الناشطة الاجتماعية: “يشكّل إغلاق المداخل خطراً على الحالات الصحية الطارئة، إذ بات من الصعب إخراج المرضى من المخيم بسبب إغلاق الممرات الفرعية. ويضطر المريض أحياناً إلى السير للوصول إلى الشارع العام لتأمين سيارة إسعاف أو نقل، خصوصاً أن دخول السيارات إلى المخيم صعب بسبب ضيق الأزقة. منذ إغلاق المداخل، ينتاب الأهالي شعور بالعزل القسري نتيجة الواقع الصعب الذي فُرض عليهم، وكان الأجدى منح اللاجئ الفلسطيني حقوقه في مجتمع وُلد وعاش فيه لأكثر من 70 عاماً، عوض فرض مزيد من العزل والتضييق. نحمل السلطة الفلسطينية مسؤولية الدفاع عن حقوق لاجئي مخيم البداوي إلى حين عودتهم إلى فلسطين، ونناشد إعادة النظر في هذا القرار الظالم الذي أدّى إلى مزيد من الحصار والبطالة والقهر والإحباط”.

داخل المخيم

ويؤكد اللاجئ الفلسطيني إبراهيم محمد، لـ”العربي الجديد”، أنّ “الضرر طاول الجميع، داخل المخيم وخارجه، وانعكس سلباً على مصالح جميع الأهالي، فمنذ إغلاق الطرق بات من الصعب دخول المخيم، وهناك أطفال ونساء يضطرون إلى القفز فوق الجدران في مشهد غير لائق وغير إنساني. أعاني من مشاكل في الكلى، وأقضي ثلاثة أيام أسبوعياً في المستشفى، ما دفعني إلى فتح بسطة صغيرة أعيل بها عائلته. التضيّيق على اللاجئين بسبب قلّة غير منضبطة داخل المخيم ليس عدلاً، والمطلوب محاسبة المخالفين، لا معاقبة الأهالي. لكن ما حصل حكم جماعي ألحق الأذى بالجميع”.
بدوره، يقول أبو أحمد، الأب لثلاثة أولاد لـ”العربي الجديد”: “تكررت الوعود بفتح الطرقات، لكن لا شيء واضح حتى اليوم، والتحركات لم تُثمر، وكأنّ الوعود أُطلقت فقط لإسكات الأهالي. لا نمانع وجود حاجز أمني أو حتى بوابة، أو أي إجراء أخر، لكن المهم أن يعاد فتح الطريق، لأن الوضع لم يعد يُحتمل”.
ويكشف أمين سر اللجنة الشعبية الفلسطينية في مخيم البداوي، أبو رامي خطار لـ”العربي الجديد”، أن الإغلاقات طاولت المعابر الفرعية التي تربط المخيم بمناطق الجوار، ما انعكس سلباً على الحياة اليومية للفلسطينيين واللبنانيين، إذ يرتبط أهالي المخيم تاريخياً بعلاقة متينة مع محيطهم اللبناني، وقد شكلت الطرق الفرعية شرايين حياة يومية للتواصل الاجتماعي والحركة الاقتصادية والخدماتية.

ويشير خطار إلى أن “مخيم البداوي يُعدّ سوقاً مهماً لمناطق الجوار، واعتاد اللبنانيون دخوله لتأمين الخضار والفواكه والمواد الأساسية. لكن بعد الإغلاق، تضرر السوق بشكل ملحوظ، كما أن الحد من حرية التنقل فرض أعباءً إضافية على اللاجئين، بسبب الحاجة لاستخدام وسائل النقل، وأبرز التأثيرات انعكست على طلاب المدارس، خصوصاً بعد إغلاق (بوابة فاطمة) التي كانت تربط المخيم بمنطقتَي جبل البداوي والصمود، حيث تقع مدرسة وروضة ومسجد تابعة لجمعية المشاريع الإسلامية، كما أثّر إغلاق الطرق الفرعية التي تربط المخيم بتلة المنكوبين على غالبية الأهالي. حتى أن الزيارات العائلية صارت محدودة، على الرغم من التواصل الوثيق الذي يميز أبناء المنطقة، ونأمل في مقاربة الموضوع من الزاوية الإنسانية، وتسهيل حياة الأهالي عبر فتح ممرّات مخصّصة للمشاة، والسماح بمرور السيارات، ولا سيّما باتجاه المرافق الطبية”.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة