قبل الحرب كان “أبو أحمد” وهو “جرافيك ديزاينر” محترف يعمل بشكل حر “فريلانسر”، يستيقظ من نومه لينتقل مباشرة إلى غرفة عمله التي كانت مجهزة بالكهرباء والانترنت عالي الجودة وحتى الكهرباء البديلة، حتى يستطيع استكمال أعماله في حال انقطع التيار الكهربائي كما كان معتادا.
ورغم أن الحياة لم تكن وردية في قطاع غزة قبيل حرب الإبادة التي استمرت عامين كاملين وما تزال مستمرة بآلامها وتداعياتها وتأثيراتها، فقد أنهكها حصار امتد لأكثر من 15 عاماً، وكانت الكهرباء فيها تعمل وفق جداول متغيرة، تصل فيها فترات الانقطاع إلى نحو 16 ساعة، إلا أن اعتياد الناس وتوفر بعض البدائل، ساهم في تسيير حياة الناس على نحو جيد.
إلى قوائم الفقراء
اليوم لا يعيش أبو أحمد كسكان غزة أجمعين العتمة فقط، لكنه فقد عملاءه وزبائنه، وفوق ذلك يجلس اليوم في مقهى مزدحم، تحت رحمة غيمة قد تطفئ نور الشمس فتذهب معها الكهرباء والانترنت، وهو ما يعني صعوبة في الوصول إلى زبائن وعملاء جدد، وحتى استكمال الأعمال.
“أعيش كابوساً حقيقياً، فبعد أن كنت في عالمي الخاص الهاديء الوادع، أتحدث مع زبائني وعملائي بكل هدوء، وفي أي وقت، وكنت معروفاً بدقة مواعيد تسليمي للأعمال المتفق عليها، اليوم انقلب الحال تماماً، فالمكان الذي أجلس فيه مزدحم، غير هادئ، الكهرباء والانترنت ينقطعان باستمرار بسبب تهالك أنظمة الطاقة الشمسية، وعدم وجود بدال حقيقية تمر عبر المعابر لأصحاب هذه المشاريع، وفوق ذلك تضررت سمعتي المهنية بسبب عدم قدرتي على الإيفاء بوعودي وتسليم الأعمال المطلوبة مني في مواعيدها أكثر من مرة”، يقول “أبو أحمد” بصوت تملؤه الحسرة.
“أبو أحمد” يرى أن استمرار هذا الوضع جعله غير قادر على إعالة أسرته، وهو الذي كان يعد من أكثر أبناء جيله دخلاً، وكان يعيل أسرته بشكل مميز، وقادرا على مساعدة إخوانه وعائلاتهم، وحتى من احتاجه من أصدقائه.
لا فرصة للعمل
حال أبو أحمد ينسحب على كثير من المجالات التي جعلت أصحابها في خانة الفقراء، فهذا “أبو علي” والذي كان يعمل في محله الخاص ببيع الدواجن، وجد نفسه عاطلا عن العمل منذ اليوم الأول للحرب على غزة، ولا زال حتى اليوم حبيس بيته، يعاني الأمرين في ظل واقع اقتصادي صعب.
“كنت أعمل في بيع الدواجن، وكنت من أصحاب الدخل الجيد قبل الحرب، لم أترك دكاني يوماً واحدا، بنيت بيتي وعشت مع عائلتي طيلة حياتي لم أحتج أحداً، ةمع دخول الحرب وانقطاع الكهرباء وحتى الدواجن، بت بلا عمل، وأنفقت في ظل الحرب وما صاجبها من غلاء ومجاعة كل ما ادخرته في حياتي، واليوم أعامي ولا أجد مصروف البيت”.
حاول أبو علي الانتقال إلى بيع اللحوم والدواجن المجمدة التي بدأت تدخل إلى قطاع غزة، إلا أن غياب الكهرباء، وارتفاع أسعار تلك التي توفرها المولدات الكهربائية البديلة، وقفت سدا منيعا في طريق عودته لممارسة أي عمل يمكنه من خلاله تحصيل قمة العيش لأسرته.
كل ما يتمناه “أبو علي” هو أن تعود الكهرباء أو أن يسمح الاحتلال بدخول السولار لصالح المولدات البديلة بأسعار معقولة وطبيعية، حتى تستطيع تلك الشركات بيعه بأسعار يستطيع هو وأمثاله شراءها والعودة لأشغالهم وأعمالهم.
أحلام تنتهي
“عبد الحميد” ليس أحسن حالاً، فهو صاحب شبكة انترنت خاصة، لم تنقطع الكهرباء ولم تتوقف شبكته قبل الحرب على الإطلاق، فإضافة إلى الكهرباء الرسمية، كان يمتلك منظومة طاقة شمسية تغطي ساعات الانقطاع وتزيد، وكانت أعماله وشبكته تعمل بشكل مميز.
ومع اندلاع الحرب، وطول المدة، والاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي ووحيد لتشغيل الشبكة، وعدم توفر بطاريات ومعدات جديدة، تهالكت المنظومة وأصبحت بحاجة ماسة للتجديد، وهو ما لم يحدث.
“اضطررنا لشراء مولد كهربائي بسعر مرتفع، وعلاوة على ذلك نشتري السولار اللازم لتشغيله بأسعار تزيد عن 15 ضعفاً، وهو ما يجعل أعمالنا دون نتيجة مادية، فنحن نعمل تقريباً من أجل أن نستطيع شراء السولار، وإصلاح أعطال الشبكة المتكررة بسبب عدم انتظام التيار الكهربائي، مع العلم أن أسعار الأسلاك والرواترات مرتفعة جداً هي الأخرى”، يقول “عبد الحميد”، لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”.
ويفكر “عبد الحميد” في إغلاق مشروعه الصغير، خصوصاً بعد أن ضغطت شركة الاتصالات الفلسطينية عليهم ورفعت الأسعار واستغلت احتكارها لخدمة تزويد الشبكات بالانترنت، ووضعت شروطا تعجيزية كبيرة، وأصبحت هي المستفيد الوحيد من وجود هذه الشبكات، وفق ما فهمنا من “عبد الحميد”.
“حلمي الذي عملت على تحقيقه خطوة بخطوة، أراه اليوم يصبح سرابا، فكم حلمت أن أصبح صاحب شركة خاصة، تعمل في مجال الانترنت والاتصالات، وخطوت نحو ذلك خطوات جيدة كما كنت أخطط، لكنني اليوم أقاوم من أجل ألا أهدم أولى خطواتي وأنهي مشروعي الصغير”، يقول “عبد الحميد” بحسرة.
تدمير شامل
شركة توزيع كهرباء غزة، قالت في تصريحات سابقة، إن ما جرى في قطاع الكهرباء خلال الحرب على غزة، يمثل مأساة إنسانية ومعاناة يومية تهدد حياة أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، موضحة أن قطاع الكهرباء كان الأكثر تضررًا إلى جانب قطاعات حيوية أخرى.
وترى الشركة أن الطاقة الكهربائية هي الرافعة الأساسية للحياة، وتدمير شبكتها يعني شللا شبه كامل لمختلف مناحي الحياة في القطاع، وتعطّل الخدمات المقدمة للمواطنين على جميع المستويات، إضافة إلى توقف غالبية المرافق الحيوية.
وبينت أن قطاع غزة حُرم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من الكهرباء، كاشفة عن تدمير الاحتلال 5080 شبكة كهرباء، و2235 محولًا، إضافة إلى نحو 235 ألف عداد كهرباء، فضلًا عن تدمير 8 مخازن وورش ومستودعات، و9 مرافق خدمية بين دمار كلي وجزئي، إلى جانب 52 مركبة وآلية متعددة الاستخدامات.
محاولات للإصلاح
وفي خواتيم ديسمبر من العام المنصرم 2025، كشفت شركة توزيع الكهرباء في محافظات غزة، عن تنفيذ طواقمها سلسلة من الأعمال الفنية المكثفة، تمهيدًا لإعادة التيار الكهربائي للمناطق المتضررة بعد سنوات من الانقطاع.
وأضافت الشركة، في بيان لها، أن طواقمها تعمل وفق خطة متزامنة تشمل إعادة تأهيل الشبكات الرئيسية، وفحص سلامة الكوابل والعدادات، واستعادة الأنظمة المتعلقة بالتحول إلى نظام العدادات الذكية، بما يضمن جاهزية البنية التحتية لاستقبال الطاقة فورعودة محطة التوليد للعمل.
وبينت أن المرحلة الأولى من هذه الجهود تستهدف مدينة دير البلح بشكل رئيسي، إلى جانب أجزاء من النصيرات والزوايدة، حيث تُجري الفرق الفنية أعمال فحص وتدقيق واسعة للمغذيات الميدانية، وإصلاح الأضرار التي لحقت بخطوط التوزيع.
وذكرت أن فرق متخصصة من الشركة تنفذ زيارات ميدانية لمنازل المواطنين في تلك المناطق للتأكد من سلامة العدادات والتوصيلات الكهربائية بعد سنتين من العدوان.
وأكدت الشركة أن ما يُنفذ حالياً يشكل تقدماً واضحاً في تطوير البنية الكهربائية ورفع مستوى الاعتمادية، بما ينعكس إيجابياً على جودة الخدمة في المناطق المشمولة ضمن هذه المرحلة، وهو ما يجب أن يدركه المواطنون باعتباره استثماراً حقيقياً في تحسين واقع الكهرباء لديهم بعد عدة سنوات من الانقطاع التام للخدمة.
ووجهت الشركة دعوتها لجميع الأطراف المحلية والدولية إلى ضرورة الضغط على الاحتلال لتسريع إدخال مواد الصيانة والمعدات والآليات المتوفرة في مخازن الشركاء، وعلى رأسهم سلطة الطاقة الفلسطينية دون عرقلة أو تأخير.