صدى
في الليلة التي كان يُفترض أن تكون بداية حياة لم تكن أريج قد حفظت تفاصيل بيتها في قناريت جنوب لبنان بعد، ولم تتعوّد على ترتيب الغرف ولا على شكل الضوء في الصباح ولا على فكرة أن هذا المكان صار أخيرًا لها..كانت عروسًا بالكاد دخلت بيتها وجلست فيه وبالكاد صدّقت أن ثلاث سنوات من التعب والانتظار انتهت أخيرًا ببداية جديدة.. لكن الاحتلال بأقل من أربعٍ وعشرين ساعة محى معالم البيت ودمّر الحلم.. فالمكان لم يُمنَح وقتًا ليصير ذاكرة ولم تعطى أريج فرصة لتعليق صورها.. وحده مفتاح البيت المدمّر بقي في يدها شاهدًا صامتًا على بيتٍ لم يُسمَح له أن يكون.
قصة أريج ليست حكاية خسارة فردية بل صورة مكثفة عن واقع فلسطيني يتكرّر حيث يلاحق الاحتلال الإنسان ليس فقط في وطنه بل في محاولاته البسيطة للنجاة والاستقرار في الشتات.
ثلاث سنوات من التعب أُلغيت في ساعات
في قناريت جنوب لبنان لم يمضِ على زفاف أريج من شاب لبناني أكثر من يوم واحد حتى تحوّل بيتها إلى ركام.. لم يكن البيت مدرجًا ضمن البيوت المهددة ولم يصل إليه أي إنذار مباشر ولم يحمل أي طابع عسكري أو أمني ومع ذلك فقد سُوّي بالأرض ليصبح المكان الذي كان من المفترض أن يحتضن بداية حياتها الجديدة، شاهدًا على فقدها كل شيء دفعة واحدة.
في تصريح خاص لموقع صدى الشتات روت أريج لحظاتها الأولى والأخيرة في منزلها.. وقالت إنها وزوجها بذلا جهداً متواصلاً في تحويل بيتهما المتواضع إلى قصر بنظرهما.. حرصا على اختيار الأثاث بعناية شديدة رغم الوضع الاقتصادي السيئ الذي دفعهما أحياناً لاستقراض المال من أجل حلم بسيط: بيت للزواج والحياة.
تصف أريج لحظاتها الأخيرة في البيت بالمرعبة، خاصة وأنها صدمت بوصول إنذار من الاحتلال للمنطقة لكنها اطمأنّت عندما علمت أن بيتها غير مشمول بالتهديد وهو ما جعل خروجها قرارًا مؤقتًا.. ولكنها صدمت بحسب وصفها وبعد عودتها إلى المنطقة بأنها لم تجد من بيتها سوى حجارة وأثاث مدمّر.

مفتاح واحد وذاكرة أقوى من القصف
ما جرى مع أريج لم يكن خطأً عابرًا بل جزء من نظام احتلال يلاحق حياة الفلسطيني أينما حاول أن يعيشها وبيت أريج لم يكن الأول ولن يكون الأخير في سياق يجعل حياة المدني الفلسطيني وعمله وأحلامه عرضة للفقد في أي لحظة ويحوّل الاستقرار والفرح البسيط إلى هامش ضعيف لا يضمن له الأمان.
فالنكبة لم تبقَ في الماضي بل تتجدد بشكل يومي والبيت الذي دُمّر في جنوب لبنان يحمل المعنى ذاته للبيوت التي دُمّرت في فلسطين منذ النكبة الأولى، والتهجير والحرمان يستمران سواء في الوطن أو المنفى.
المفتاح الذي بقي لأريج بلا باب وبلا جدار وبلا سقف أصبح شاهدًا على ما جرى ورمزًا للذاكرة الفلسطينية التي لم تستطع الصواريخ محوها وللحق الذي بقي حاضرًا رغم كل محاولات الاحتلال لمحو الإنسان.

الحقيقة لا تُمحى
رغم الركام والخسارة تؤكد أريج لموقع صدى الشتات على أنها ستعيد وزجها بناء البيت من الصفر ليكون أجمل من ذاك الذي دُمّر.. وأن الركام قد يمحو الحجر لكنه لا يمحو الإرادة والقصف قد يزيل البيوت لكنه لا يزيل المقاومة..
لكن الحقيقة تبقى واحدة، بأن قصف هذا المنزل أو غيره سيظل شاهداً على أن الفلسطيني لا يُحطم وأن حياته وأحلامه مستمرة وأن المقاومة لا تحتاج إلى شعارات لتثبت نفسها، بل يبدو جلياً في كل بيت يُعاد بناؤه في كل فرحة تُستعاد وفي كل حياة تُبنى رغم كل الصعاب.