بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
لم تعد سياسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني مجرد انتهاكات معزولة أو ممارسات ظرفية تُبرَّر بذرائع أمنية، بل باتت تشكّل مشروعاً منظّماً ومتكاملاً يستهدف تقويض الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وإجهاض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ويقوم هذا المشروع على ثلاث ركائز مترابطة: الاستيطان، والتهجير القسري، وسياسة ممنهجة تهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة.
فالاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، يشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وجريمة حرب بموجب المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو تهجير السكان الأصليين منها. وقد أكدت قرارات الشرعية الدولية هذا المبدأ، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم (2334) لعام 2016، الذي اعتبر المستوطنات غير شرعية وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين.
ولا تكمن خطورة الاستيطان في مخالفته القانونية فحسب، بل في آثاره الوجودية، إذ أسهم في تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض التواصل الإقليمي، وتحويل الدولة المنشودة إلى كانتونات معزولة خاضعة لهيمنة الاحتلال. ومع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، تحوّل الاستيطان من أداة تفاوضية إلى سياسة رسمية مقرونة بخطاب علني يدعو إلى الضم، وينكر الوجود الوطني الفلسطيني وحقوقه التاريخية.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد سياسة التهجير القسري عبر هدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وسحب الهويات، وفرض وقائع قسرية تُجبر الفلسطينيين على الرحيل. ويُعدّ التهجير القسري جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، متى نُفّذ في إطار هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين، وهو توصيف تنطبق معاييره على ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
غير أن الوجه الأكثر قسوة لهذه السياسات يتجلّى في قطاع غزة، الذي تحوّل إلى النموذج الأشد فجاجة لسياسة “جعل الحياة مستحيلة”. فالقتل واسع النطاق، والتدمير الممنهج للبنية التحتية، واستهداف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، وفرض الحصار الخانق، والتجويع المتعمّد، ومنع المساعدات الإنسانية، وتشريد السكان، تشكّل مجتمعة انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية.
إن العقاب الجماعي المفروض على أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة محظور صراحة بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، كما أن استخدام التجويع كسلاح حرب يُعد جريمة حرب وفق المادة (
من نظام روما الأساسي. ولا يمكن النظر إلى هذه الجرائم باعتبارها نتائج جانبية لعمليات عسكرية، بل هي جزء من سياسة منهجية تهدف إلى دفع سكان القطاع، تحت ضغط القتل والجوع وانعدام مقومات الحياة، إلى الهجرة القسرية، في انتهاك مباشر لحظر النقل القسري للسكان المحميين.
إن استمرار هذه الجرائم في ظل صمت دولي، أو الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، أسهم في تكريس مناخ الإفلات من العقاب، وشجّع الاحتلال على المضي في سياساته. فالدول الأطراف في اتفاقيات جنيف تتحمل التزاماً قانونياً صريحاً بضمان احترام هذه الاتفاقيات في جميع الأحوال، بما يقتضي اتخاذ تدابير فعّالة لوقف الانتهاكات، لا الاكتفاء بإدارتها إنسانياً.
من الإدانة إلى الفعل…
إن مواجهة سياسات الاستيطان والتهجير وسياسة جعل الحياة مستحيلة تتطلب الانتقال من دائرة الإدانة إلى فضاء الفعل القانوني والسياسي المنظّم. ويستدعي ذلك، أولاً، تفعيل مبدأ عدم الاعتراف وعدم الإعانة، عبر الامتناع عن الاعتراف بأي وضع قانوني ناشئ عن الاستيطان أو الضم أو التهجير القسري، ووقف أي دعم سياسي أو عسكري أو اقتصادي يسهم في استدامة هذه الانتهاكات.
وثانياً، دعم مسارات المساءلة الدولية، ولا سيما تمكين المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة ولايتها دون انتقائية أو ضغوط سياسية، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وثالثاً، اعتماد تدابير اقتصادية رادعة، تشمل حظر التعامل مع المستوطنات ومنتجاتها، ومساءلة الشركات المتورطة في دعم هذه السياسات، انسجاماً مع مبادئ الأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
ورابعاً، توفير حماية دولية فعّالة للشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، وضمان الوصول الآمن وغير المشروط للمساعدات الإنسانية، ووقف سياسات الحصار والتجويع.
وخلاصة القول، إن تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، ليس مطلباً سياسياً أو إنسانياً فحسب، بل استحقاق قانوني ثابت. وإن الفشل في حمايته لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوّض أسس النظام الدولي القائم على القانون.