أبو شريف رباح
7/2/2026
بعد مرور خمسة أشهر على الإعلان عن وقف العدوان على قطاع غزة يتضح أن ما جرى الترويج له بوصفه وقفا لإطلاق النار لم يكن في جوهره سوى عملية إعادة تموضع عسكري وسياسي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، فالاحتلال، بقيادة الفاشي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة يواصل حربه المفتوحة على القطاع بأدوات متعددة وأساليب لا تقل وحشية عما شهدته السنتين الماضيين من العدوان.
في الواقع، العدوان الإسرائيلي لم يتوقف منذ لحظاته الأولى بل استمر بأشكال مختلفة من خلال الإبادة الممنهجة والمجازر المتكررة ونسف ما تبقى من مربعات سكنية لا سيما في المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بالخط الأصفر في محاولة واضحة لفرض وقائع ميدانية جديدة، ويضاف إلى ذلك إقدام جيش الاحتلال على بناء قواعد عسكرية ثابتة داخل القطاع في مؤشر بالغ الخطورة يعزز فرضية أن الاحتلال لا يعتزم الانسحاب بل يخطط لبقاء طويل الأمد مع الإبقاء على خيار الاجتياح الشامل قائما في أي لحظة.
اعتقد ان الاحتلال الإسرائيلي يبرر سياساته العدوانية المتواصلة بذرائع باتت مكشوفة كتسليم السلاح وتدمير ما يسميه البنية التحتية لفصائل المقاومة من الأنفاق واعتقال أو تصفية قياداتها، غير أن هذه الذرائع في حقيقتها ليست سوى غطاء سياسي وعسكري لمشروع أعمق يهدف إلى إعادة احتلال قطاع غزة بشكل مباشر أو غير مباشر وإخضاعه لمنظومة أمنية إسرائيلية دائمة.
ومن هنا تبرز خطورة استمرار النهج العدواني لحكومة نتنياهو التي تسعى بوضوح إلى نسف أي مسار سياسي أو تفاهمات إقليمية كخطة الرئيس ترامب، وإعلان “شرم الشيخ” الذي وقع العام الماضي 2025 بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن، فهذا الإعلان الذي كان من المفترض أن يشكل مظلة سياسية لخفض التصعيد وفتح أفق للحلول يتعرض اليوم للتفريغ المتعمد من مضمونه بفعل الممارسات الإسرائيلية المتغطرسة.
إن استمرار العدوان في ظل هذه الظروف لا يمكن فصله عن الصمت الدولي المريب الذي يصل في كثير من الأحيان إلى حد التواطؤ، كما أن تراخي الدول الموقعة على إعلان “شرم الشيخ”، وعدم ترجمة التزاماتها السياسية إلى مواقف عملية ضاغطة يمنح جيش الاحتلال ضوء أخضر لمواصلة جرائمه ويدفع الأوضاع نحو إعادة إنتاج الحرب من جديد وربما على نطاق أوسع وأكثر دموية.
فما يجري اليوم في قطاع غزة ينذر بإعادة الأمور إلى نقطة الصفر ليس فقط على الصعيد الإنساني الكارثي بل على مستوى الاستقرار الإقليمي برمته، إذ إن غياب المحاسبة وانعدام الإرادة الدولية الجدية لوقف العدوان يكرسان منطق القوة ويقوضان أي فرصة حقيقية لتحقيق تهدئة مستدامة أو الوصول إلى حل سياسي عادل، وانطلاقا من ذلك فإن استمرار العدوان الإسرائيلي رغم كل الإعلانات والخطط والاتفاقات والضمانات الدولية يؤكد أن الاحتلال لا يعير أي اعتبار للشرعية الدولية ولا للقانون الإنساني ما دام محصنا بالصمت الدولي والدعم السياسي والعسكري الأميركي غير المشروط، وعليه فإن المسؤولية تقع على عاتق الدول العربية والإسلامية والدول الموقعة على إعلان شرم الشيخ والمجتمع الدولي بأسره للانتقال من دائرة التصريحات إلى دائرة الفعل عبر فرض وقف حقيقي للعدوان وضمان انسحاب الاحتلال وتأمين حماية دولية لأهالي قطاع غزة ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم النازية.
إن أي تهاون أو تأخير في اتخاذ موقف حازم لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدم والدمار وسيبقى العدوان مفتوحا فيما تواصل غزة دفع الثمن من دماء أبنائها وبيوتهم ومستقبلهم في ظل صمت عالمي مخزي فاضح.