أبو شريف رباح
27\2\2026
يحل شهر رمضان هذا العام على أهلنا في قطاع غزة مثقلا بالجراح حاملا معه مزيجا قاسيا من الذكريات المؤلمة والأمل المتجدد، فبين الركام والخيام يعيش مئات الآلاف من العائلات واقعا يفوق الوصف بيوت سويت بالأرض، وأحياء اختفت معالمها وخيام مهترئة أصبحت مأوى مؤقتا طال أمده حتى صار حياة كاملة.
في غزة، لم يعد رمضان كما كان، لا موائد عامرة، ولا زيارات عائلية دافئة، ولا أصوات أطفال تملأ الأزقة فرحا بقدوم الشهر الفضيل، وبدلا من ذلك يحل صوت الطائرات المسيرة محل الأذان في كثير من اللحظات، وتتحول ليالي التراويح إلى ساعات قلق وترقب، فأكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون تحت تهديد دائم تتحكم الطائرات المسيرة في تفاصيل حياتهم اليومية، وترسم خطوطا حمراء وصفراء وبنفسجية على خرائط الموت والحصار.
ومع أمطار الشتاء التي لا ترحم تغرق خيام النازحين فيتحول التراب إلى طين والبرد إلى عدو ينهش أجساد الأطفال وكبار السن، والصائمون يفطرون على القليل مما توفره المساعدات بلا ماء نظيف أو كهرباء، فيما الأمهات يكافحن لتأمين لقمة تسد جوع أبنائهن في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة.
وإذا كانت غزة تختنق تحت الركام فإن الضفة الغربية تنزف بصمت فهناك يتمدد الاستيطان كوحشٍ يلتهم الأرض يوما بعد يوم وتتحول القرى والبلدات إلى ساحات اعتداءات متكررة من المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال، يحرقون المزارع ويقتلعون الأشجار، يهدمون البيوت ويهجرون السكان في محاولة ممنهجة لاقتلاع الإنسان من جذوره وتغيير هوية المكان.
أما القدس القلب النابض للقضية فلا تزال تستغيث منذ عقود طويلة بين حائط البراق وقبة الصخرة، ومع تواصل محاولات التهويد وتغيير المعالم وفرض واقع جديد على المدينة المقدسة فيما تنتهك المقدسات وتقيد حرية العبادة، يقف العالم الإسلامي صامتا أمام ما تتعرض له أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
إنها صورة واحدة لوطن ممزق بين الحصار والاستيطان والتهويد لكنها أيضا صورة شعب لم ينكسر، ففي غزة رغم الركام يولد الأمل مع كل فجر جديد، وفي الضفة يتجذر الفلسطيني بأرضه كأشجار الزيتون، وفي القدس تبقى الهوية عصية على المحو والتهويد تحفظها قلوب المرابطين قبل حجارة المقدسات.
رمضان هذا العام ليس شهرا للعبادة فقط بل شهادة حية على صمود شعب يرفض أن ينحني وأن يمحى من التاريخ، وما بين الركام والخيام يرفع الغزيون أكفهم بالدعاء لا طلبا للشفقة بل تمسكا بالحياة وحقهم في وطن حر مستقل، فشدي حيلك يا غزة… واصمدي يا ضفة… فالقدس ما زالت تنادينا.