أحمد الدبش
شهد الخطاب السياسي الإسرائيلي، ولا سيما بعد عملية «طوفان الأقصى»، تصاعداً ملحوظاً في توظيف الروايات الدينية لتفسير الصراعات الإقليمية وإضفاء معنى رمزي عليها. غير أن خطاب بنيامين نتنياهو في 28 شباط الماضي مثّل مستوى أكثر تقدّماً من هذا التوظيف، إذ لم يقتصر على اقتباسات دينية عابرة، بل قدّم إسقاطاً شبه كامل لرواية «سفر أستير» على الصراع مع إيران. فقد صُوِّرت العملية العسكرية المُسمّاة «زئير الأسد» بوصفها لحظة حسم تاريخية تعيد تمثيل قصة الخلاص من خطر الإبادة كما ترد في نصوص العهد القديم.
تنطلق هذه المقالة من سؤال محوري: كيف يعمل استدعاء «سفر أستير» كآلية أسطرة سياسية تعيد إنتاج الصراع المعاصر ضمن إطار ديني-تاريخي؟ يذهب إرنست كاسيرر في كتابه «الدولة والأسطورة» إلى أنّ الأسطورة ليست أثراً باهتاً من الماضي، بل بنية فاعلة في تشكيل الوعي السياسي الحديث.
ففي أزمنة الأزمات، تميل السياسة إلى استحضار أنماط أسطورية تمنح الواقع معنى مبسّطاً ومشحوناً بالعاطفة، محذّراً من تحوّل الرموز إلى أدوات تعبئة تُغلِق المجال النقدي. أمّا رولان بارت، فيرى أن الأسطورة نظام دلالة ثانٍ يحوّل الحدث التاريخي إلى «طبيعة» تبدو بديهية وغير قابلة للجدل. في هذا السياق، لا يُفهم استدعاء قصة هامان وأستير بوصفه استعارة بلاغية، بل كبنية تفسيرية تعيد تعريف الواقع وتشكّل وعي الجمهور.
إشكالية «سفر أستير»
تُعدّ أستير واحدة من أبرز الشخصيات في الذاكرة الدينية اليهودية، وغالباً ما تُقدَّم بوصفها من أعظم بطلات التاريخ اليهودي. تُذكر في التقليد بأنها ابنة أبيجائيل، ويُرجَّح انتماؤها إلى سبط بنيامين. أمّا اسمها العبري فهو «هدسّه» (هدسّا)، ويعني «شجرة الآس». بعد وفاة والدها، تكفّل بها ابن عمها مردخاي، فتولاها بالرعاية واصطحبها معه إلى مدينة شوشن، التي كانت العاصمة الشتوية للإمبراطورية الفارسية. عُرفت أستير بجمالها اللافت، وكان مردخاي قد أوصاها بإخفاء هويتها اليهودية داخل القصر الملكي.
تبدأ قصة أستير في سياق مأدبة أقامها الملك أحشويرش لكبار رجال دولته. وبعد أن احتسى الخمر، أمر بإحضار زوجته الملكة وشتي ليعرض جمالها أمام الحضور، غير أنها رفضت الظهور على هذا النحو حفاظاً على كرامتها. أثار ذلك غضب الملك، فأصدر قراراً بعزلها، وبدأ البحث عن ملكة جديدة. ووقع الاختيار في النهاية على أستير، التي نُصّبت ملكة على فارس.
بعد نحو خمس سنوات من تولّيها العرش، برزت أزمة كبرى حين اشتدّ غضب هامان، أحد كبار رجال البلاط والمُقرّب من الملك، على مردخاي بسبب رفضه السجود له. فقرّر الانتقام، لا من مردخاي وحده، بل من جميع اليهود المقيمين في أنحاء الإمبراطورية، وأقنع الملك بإصدار مرسوم يقضي بإبادتهم. غير أن أستير، بعدما علمت بالمؤامرة، تدخّلت لدى الملك وكشفت له حقيقة مخطط هامان، فتم إحباط المؤامرة ونجا اليهود من الإبادة.
وأعلنت أستير ومردخاي، بعد موافقة الملك، أنه يمكن لليهود الذين أمر بقتلهم في الثالث عشر من آذار، أن يقتلوا أعداءهم في هذا اليوم، وفي اليوم الذي يليه، قتل اليهود جميع أعدائهم ومبغضيهم كما شاؤوا.
فقُتل 800 إنسان في شوشن، و75 ألفاً في مدن المملكة الأخرى.
وقد خلّد اليهود هذا الحدث بإقرار عيد «الفوريم»، المشتقّ اسمه من كلمة «بور» التي تعني «القرعة»، في إشارة إلى القرعة التي ألقاها هامان لتحديد موعد تنفيذ مخططه. ويُحتفل بهذا العيد في الرابع عشر والخامس عشر من شهر آذار، مع اكتمال القمر، ويتضمن طقوساً خاصة، من بينها الصوم الذي يُنسب إلى صوم أستير قبل توجّهها إلى الملك. ولا تورد المصادر الدينية معلومات واضحة عن وفاة أستير أو تفاصيل حياتها اللاحقة، ما يترك نهاية قصتها مفتوحة في الذاكرة الدينية.
ما يفعله نتنياهو هو بناء جسر رمزي بين الماضي الأسطوري والحاضر السياسي: إسرائيل الحديثة هي «يهود الإمبراطورية الفارسية» المهدّدون، وإيران هي «الإمبراطورية الفارسية» ذاتها، وخامنئي هو «هامان»، والعملية العسكرية هي لحظة الانقلاب والخلاص
هذا النموذج السردي، القائم على التهديد الوجودي والانتصار النهائي، شكّل الإطار الرمزي الذي اعتمد عليه نتنياهو.
غير أن الدراسات النقدية تثير إشكاليات حول تاريخية السفر. فبحسب مايكل دي كوجان، يحتوي النص على تفاصيل زمنية غير دقيقة، مثل العمر المفرط المنسوب إلى مردخاي الذي يُفترض أنه عاش أكثر من قرن. وتشير أديل برلين إلى أن مؤلّف السفر لم يقصد كتابة تاريخ بالمعنى الدقيق، بل كتب «رواية تاريخية»، وهو نوع أدبي كان شائعاً خلال الفترتين الفارسية والهلنستية.
كما يشير بعض الباحثين إلى أن أسماء الشخصيات تحمل جذوراً أسطورية: أستير مُشتقة من اسم الإلهة عشتار، ومردخاي من مردوخ الإله البابلي، وهامان من هومان إله العيلاميين.هذا الطابع الرمزي يجعل السفر أكثر قابلية لإعادة التوظيف الأيديولوجي، لأنه يقدّم قالباً درامياً واضحاً لا سرداً تاريخياً صارماً.
هذه الخرافة جعل منها الكهنة قصة مُقدّسة دعوا إلى الايمان بها، مع أن تصديقها أمر مستحيل. ومن الجدير أن نشير هنا إلى أن القصة المقدّسة تبدأ عادة بقباحة ما؛ لقد طُردت وشتي لأنها رفضت أن تقف عارية أمام الشعب، ولكن أستير وافقت على ذلك.
نتنياهو وإعادة تمثيل الأسطورة
في خطابه، أعاد نتنياهو تمثيل هذه الرواية عبر ثلاث آليات رئيسية:
أولاً، شخصنة الصراع وتحويله إلى ثنائية أخلاقية مطلقة، حين وصف خامنئي بـ«هامان العصر الحديث»؛ هذه التسمية تحوّل الخصم السياسي إلى شخصية شريرة من الماضي الأسطوري، مختزلاً السياسة الإيرانية في مؤامرة وجودية تهدف إلى إبادة اليهود.
ثانياً، توظيف التوقيت الرمزي بإعلان العملية قبيل «عيد البوريم»، مستخدماً عبارة «القرعة أُلقيت»، في إحالة مباشرة إلى كلمة «بور» التي اشتقّ منها اسم العيد. بما يوحي بأن القرار استجابة لمسار تاريخي متكرر.
ثالثاً، الاستشهاد بنص من سفر عاموس «زأر الأسد فمن لا يخاف؟» (3: 8)، لمنح العملية اسم «زئير الأسد» بعداً نبوئياً، مؤكداً أن «النظام الشرير» سيسقط كما سقط هامان. هذا الاستدعاء للنص الديني يمنح القرار العسكري هالة من التفويض الإلهي، ويصم منتقديه بالخوف أو قلة الإيمان.
يحوّل هذا الخطاب «سفر أستير» من نص طقسي يُقرأ في المعابد خلال احتفالات البوريم إلى أداة تعبئة سياسية تعيد إنتاج سردية «الخطر الأبدي» الذي يتهدّد اليهود. وتكشف القراءة الأنثروبولوجية أن البوريم نفسه تطوّر ليحمل ذكرى نجاتهم من الاضطهادات عبر التاريخ (منذ اضطهاد السلوقيين حتى اضطهادهم بواسطة هتلر والنازية في العصر الحديث). هنا يضيف نتنياهو «التهديد الإيراني» إلى سلسلة المخاطر الوجودية.
هذا التوظيف يكتسب قوته من غياب الإشارات الدينية الصريحة في السفر نفسه، حيث لا يذكر اسم الله أو الصلاة، ما يجعله نصاً أقرب إلى السرد السياسي منه إلى اللاهوتي، ومع ذلك يتحوّل إلى أداة لتقديس صراع حديث. يُظهِر هذا الخطاب كيف يمكن للنصوص الدينية أن تُستدعى لإعادة تفسير الأحداث المعاصرة ضمن إطار ما يمكن تسميته بـ«الميثي–تاريخ»، حيث يُعاد بناء الحاضر على صورة الماضي. في هذا السياق، يصبح «سفر أستير» نموذجاً سردياً يُستخدم لتكريس هوية جماعية في مواجهة «عدو مطلق»، وتبرير خيارات عسكرية بوصفها امتداداً لواجب تاريخي لحماية الجماعة من الإبادة.
ما يفعله نتنياهو هو بناء جسر رمزي بين الماضي الأسطوري والحاضر السياسي: إسرائيل الحديثة هي «يهود الإمبراطورية الفارسية» المهدّدون، وإيران هي «الإمبراطورية الفارسية» ذاتها، وخامنئي هو «هامان»، والعملية العسكرية هي لحظة الانقلاب والخلاص. بهذا التحويل، لم تعد الحرب خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل استجابة لقدر تاريخي محتوم.
تكمن خطورة هذه الأسطرة، كما حذّر كاسيرر، في أنها تهمّش النقاش العقلاني وتعبّئ المشاعر الجماعية. حين يُختزل الخصم في صورة «هامان»، يصبح الحوار مستحيلاً، والتسوية خيانة، ويغدو العنف ضرورة لتحقيق خلاص مُتخيَّل مُستمدّ من نص قديم.
* مؤرّخ فلسطيني