آخر الأخبار

التاريخ يبدأ الآن!

is-2-1772318311

كريم حداد

ليست لحظات التاريخ الكبرى تلك التي تُقاس بوقع الانفجار أو بدقة الضربة، بل تلك التي تكشف جوهر الصراع الكامن خلف ستار السياسة. واغتيال الإمام علي خامنئي ليس حادثة أمنية عابرة تُدرج في سجل العمليات العسكرية، بل هو حدث مفصلي يدخل في سجل التحولات التي تُعيد تشكيل المعنى في العالم. فحين يُستهدف رجل لم يكن مجرد رأس دولة، بل عقل مشروع، وذاكرة مسار، وروح خطاب امتد لعقود، فإن الرصاصة لا تصيب جسداً بقدر ما تحاول أن تصيب فكرة.

لقد رحل الإمام خامنئي جسداً، لكن مشروعه لم يُغتل، بل دخل طوراً جديداً من الحضور. لأن القادة من طرازه لا يعيشون في الزمن السياسي فقط، بل في الزمن التاريخي والرمزي و القدسي. وما اغتياله إلا إعلاناً عن أن الصراع الذي خاضه لم يكن قابلاً للحسم ضمن قواعده المعتادة، وأن خصومه لم يجدوا سبيلاً إلى مواجهته إلا بمحاولة إزالته جسدياً بعد أن عجزوا عن كسر معناه.

لم يكن الإمام قائداً عابراً في تاريخ دولة، بل كان عنواناً لمرحلة كاملة من إعادة تعريف السيادة في زمن الهيمنة. فمنذ تولّيه موقع القيادة عام 1989، لم يقد دولة تسعى إلى التكيّف مع النظام الدولي القائم، بل عمل على ترسيخ فكرة الاستقلال بوصفها ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي. لم تكن السيادة عنده شعاراً، بل شرطاً للكرامة، ولم تكن المقاومة خطاباً، بل منهجاً في بناء الدولة والموقع.

وما يميّز مسيرته أنه لم يقدّم مشروعه بوصفه مشروعاً قومياً ضيقاً أو مذهبياً مغلقاً، بل بوصفه امتداداً لصراع أوسع ضد منظومات السيطرة. لقد رأى في كل تجربة تحررية حقيقية — أياً كان انتماؤها — شريكاً في المعنى. ولذلك لم يكن غريباً أن يقدّر شخصيات قومية عربية كجمال عبد الناصر، أو أن يرى في بعض الحركات الإسلامية الأخرى طاقة مقاومة، حتى وإن اختلف معها في الرؤية أو الوسائل. كانت القضية، في نظره، تتجاوز الانتماءات: مواجهة بنية عالمية تقوم على التحالف بين القوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية والثقافية.

لهذا السبب تحديداً، ظل اسمه مرتبطاً في الوعي العام بخطاب مقاومة المشروع الصهيوني وأشكال الهيمنة الخارجية. لم يكن ذلك موقفاً ظرفياً، بل ركيزة من ركائز شرعيته السياسية والفكرية. وقد نجح، عبر شبكة من التحالفات الإقليمية، في ترجمة هذا الخطاب إلى توازنات فعلية أعادت رسم بعض خطوط الصراع في المنطقة، وجعلت من إيران لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط.

إن اغتياله، في هذا السياق، ليس محاولة لإزالة رجل، بل محاولة لإحداث انقطاع في مسار. انقطاع بين جيل الثورة وجيل الدولة، بين زمن التأسيس وزمن الاستمرار. لكن التاريخ يعلّمنا أن المشاريع التي تُبنى على فكرة لا تسقط بغياب حاملها، بل تتحول إلى ذاكرة حية.
في الثقافة الإسلامية، لا يُقرأ مقتل القائد الذي يقف في مواجهة الظلم بوصفه نهاية، بل بوصفه انتقالاً إلى مرتبة الشهادة. ومنذ كربلاء، صار الدم معياراً للشرعية حين يعجز السيف عن حسم المعركة الأخلاقية. لم يكن استشهاد الحسين نهاية لتيار، بل بداية لذاكرة مقاومة طويلة أعادت تعريف الصراع من مواجهة عسكرية إلى معيار أخلاقي دائم.

وبهذا المعنى، فإن استشهاد خامنئي لا يغلق صفحة، بل يفتح حقبة. لأن الرجل لم يكن فقط قائداً لدولة، بل أحد أبرز وجوه خطاب مقاومة الهيمنة في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة. وقد أسهم في نقل مشروع الثورة من طور الكاريزما إلى طور المؤسسة، فبُنيت منظومات سياسية وعسكرية وثقافية لم تعد تعتمد على حضور فرد، بل على شبكة متكاملة من الفاعلين.
إن محاولة إسكات صوت المقاومة عبر اغتيال قائدها تكشف، في حقيقتها، عجزاً عن مواجهة المشروع الذي يمثله. فالاغتيال هو دائماً إعلان بأن أدوات الاحتواء قد فشلت، وأن الخصم لم يعد قابلاً للإخضاع ضمن قواعد النظام القائم.

لكن التاريخ لا يثبت نجاح هذه الوسيلة. فقد اغتيل قادة كثر، وبقيت مشاريعهم. لأن القائد، حين يتحول إلى رمز، يصبح حضوره أقوى بعد غيابه. فالرمز لا يمكن ردعه أو احتواؤه أو التفاوض معه؛ إنه يصبح معياراً يُقاس عليه الفعل.
لقد تحوّل الرجل، بدمه، إلى زمن. زمن يُستدعى بوصفه مرجعاً لا ذكرى، ومعياراً لا حدثاً. ستُستحضر مواقفه في القرارات، وسيرته في الخطاب، ومساره في إعادة تعريف المرحلة المقبلة.

استشهاد خامنئي لا يغلق صفحة، بل يفتح حقبة، فهو لم يكن فقط قائداً لدولة، بل أحد أبرز وجوه دعاة الاستقلال ورائد خطاب مقاومة الهيمنة في العالم الإسلامي

إن اغتيال القادة الكبار لا يُنهي الصراعات، بل يعيد صياغتها. وهو لا يُسقط المشاريع، بل يختبر عمقها. وما اغتيال الإمام خامنئي إلا لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، لحظة تؤكد أن الأفكار لا تُقتل باغتيال أصحابها، وأن مشاريع الاستقلال لا تنتهي بغياب قادتها.
إن اغتيال الإمام علي خامنئي لا يمكن عزله عن السياق الأوسع لصراع طويل بين إرادتين: إرادة ترى العالم مجالاً مفتوحاً للهيمنة، وإرادة تصرّ على أن السيادة ليست امتيازاً تمنحه القوى الكبرى، بل حق أصيل للشعوب. لقد كان الرجل، طوال مسيرته، أحد أبرز من صاغوا هذا التعارض في لغة سياسية وأخلاقية واضحة، رافضاً اختزال العلاقات الدولية في منطق القوة المجردة، ومؤكداً أن الاستقلال ليس شعاراً للاستهلاك الداخلي، بل شرط لبقاء الدولة نفسها. ومن هنا، فإن استشهاده لا يغيّر طبيعة الصراع بقدر ما يكشف حدّته: حين تعجز القوة عن إخضاع الفكرة، تلجأ إلى استهداف حاملها. غير أن الفكرة التي تُختبر بالدم لا تنطفئ، بل تتصلّب، وتتحول من برنامج سياسي إلى ميثاق معنوي تتوارثه الأجيال.

لقد أسهم خامنئي في ترسيخ فهمٍ للسياسة بوصفها مجالاً للأخلاق بقدر ما هي مجال للمصالح، رافضاً الفصل الحاد بينهما الذي روّجت له مدارس الواقعية الصلبة. ففي خطاباته وممارساته، كان الاستقلال قرين العدالة، وكانت مقاومة الإكراه الخارجي شرطاً لحماية القرار الوطني من الارتهان. وهذا التلازم بين السيادة والكرامة أعاد تعريف مفهوم «الأمن» نفسه: لم يعد الأمن مجرد توازن ردعي، بل قدرة المجتمع على صون خياراته من الضغوط البنيوية التي تمارسها منظومات السيطرة المالية والعسكرية والإعلامية. وبذلك، انتقل النقاش من حدود الرد العسكري إلى فضاء أوسع يشمل الاقتصاد والثقافة والهوية، حيث يصبح الحفاظ على الاستقلال فعلاً يومياً متجدداً، لا مجرد موقف في لحظة أزمة.

على المستوى الثقافي، سيعيد هذا الحدث تنشيط الذاكرة السياسية التي ترى في التضحية معياراً للشرعية. فالوعي الجمعي، في سياقات مشابهة، يميل إلى تحويل الفقد إلى طاقة تعبئة، لا إلى شعور بالعجز. وهنا تتعزز الوظيفة الرمزية للشهادة: ليست مجرد نهاية مسار فردي، بل نقطة ارتكاز لالتزام جماعي. فالمشروع الذي كان يُدار بقرار مركزي يصبح، بعد غياب قائده، موزعاً على مسؤوليات أوسع، حيث تتقدم المؤسسات والكوادر لتثبت أن البناء لم يكن هشاً ولا معلقاً بشخص واحد.

كما إن اغتيال شخصية بهذا الوزن سيعيد ترتيب أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين. إذ ستدرك القوى المختلفة أن محاولات الحسم عبر الضربات الصادمة لا تُنتج بالضرورة استقراراً، بل قد تفتح دورات جديدة من إعادة التوازن. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بمدى الفراغ الذي خلّفه الغياب، بل بقدرة المشروع على تحويل الصدمة إلى فرصة لإعادة التأكيد على مبادئه المؤسسة: الاستقلال، والكرامة، والعدالة في العلاقات الدولية.
لقد استشهد القائد، لكن القضية باقية، والتاريخ يبدأ الآن.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة