يوسف أبو سامر موسى*
لم يعد السؤال المطروح اليوم في ظل ما نشهده من تحولات عاصفة هو من الأقوى في النظام الدولي؟ بل أصبح هل ما زال هناك نظام دولي بالمعنى القانوني والأخلاقي للكلمة؟
منذ انتهاء الحرب الباردة تصرفت الولايات المتحدة باعتبارها القطب الأوحد والأقوى، واضعةً نفسها في موقع من يحدد القواعد ويستثني منها من يشاء. ومع تصاعد الأزمات في منطقتنا وخصوصاً في ظل الدعم غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لـ”إسرائيل” بدا واضحاً أن القانون الدولي يُطبَّق بانتقائية صارخة وأن المعايير المزدوجة لم تعد مجرد اتهام سياسي بل واقعاً ملموساً في قرارات الحرب والسلم.
وفي هذا السياق يندرج العدوان المتكرر على الجمهورية الإسلامية في إيران وما رافقه من اعتداءات مباشرة وغير مباشرة على سيادتها الوطنية واستهداف قادتها وعلمائها في عمليات اغتيال موصوفة كدليل صارخ على اهتزاز المنظومة الدولية وفقدانها لهيبتها القانونية. فحين تُنتهك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة وتُستباح أراضيها أو يُستهدف مسؤولوها دون محاسبة أو مساءلة دولية جادة فإن الرسالة التي تُبعث إلى العالم واضحة: القانون لم يعد مرجعية ملزمة بل خياراً سياسياً يخضع لموازين القوة.
لقد تحولت مؤسسات يفترض أنها مرجعية العدالة الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى ساحات صراع تعكس موازين القوى أكثر مما تعكس روح الميثاق. ويتجلى ذلك بوضوح في الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو) لحماية الحلفاء الاستراتيجيين حتى ولو كان ذلك على حساب دماء الشعوب وحقوقها الأساسية.
إن منطق القوة عاد ليتقدم على منطق القانون العقوبات الاقتصادية الحصار المالي تجميد الأصول الضغوط السياسية بل وحتى محاولات زعزعة استقرار بعض الدول أصبحت أدوات مشروعة في قاموس السياسة الدولية المعاصرة وهنا تتآكل الثقة بمنظومة قيل لنا إنها تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار المآسي فإذا بها تتحول إلى أداة بيد الأقوياء.
إن استهداف سيادة الدول سواء عبر الاعتداء العسكري المباشر أو عبر العمليات الأمنية السرية والاغتيالات السياسية يكرّس سابقة خطيرة في العلاقات الدولية ويؤسس لمرحلة تتراجع فيها الحصانات القانونية لمصلحة حسابات الردع والهيمنة وإذا كان الصمت الدولي يواكب هذه الاعتداءات فإن ذلك لا يعني شرعنتها بل يعكس عمق الخلل البنيوي في النظام القائم.
غير أن المشهد لا يقتصر على الهيمنة وحدها فالعالم يشهد في المقابل صعود قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا ومحاولات لإعادة تشكيل التوازن عبر تكتلات جديدة كمجموعة بريكس ما يشير إلى أن النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية عنوانها الصراع على إعادة تعريف القواعد والمعايير.
إن ما تبقّى من منظومة العلاقات الدولية هو هيكل قائم لكن روحه مهزوزة القوانين موجودة غير أن تطبيقها انتقائي المؤسسات قائمة لكن قدرتها على الإنفاذ مرهونة بإرادة القوى الكبرى. الخطاب يتحدث عن العدالة وحقوق الإنسان فيما الممارسة تحكمها المصالح والتحالفات.
لسنا أمام انهيار كامل بل أمام نظام مأزوم يتعرض لاختبار تاريخي فإما أن تنجح القوى الصاعدة والدول المتضررة في فرض إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للتوازن والعدالة وإما أن يتكرس عالم تحكمه شريعة الغاب بثوب دبلوماسي.
في ظل هذا الواقع يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على الضغط لإعادة الاعتبار للقانون الدولي كمرجعية لا كخيار انتقائي فالتاريخ يعلمنا أن الهيمنة مهما طال أمدها ليست قدراً أبدياً وأن التحولات الكبرى تبدأ دائماً من لحظة اهتزاز اليقين.
*باحث سياسي/فلسطين