آخر الأخبار

المفاوضات المباشرة مع إسرائيل | ذريعة الـ«لا بديل»: خدعة لتبرير التنازل والخضوع

3909307_1718783629

علي حيدر

الخلاف القائم في لبنان بشأن التفاوض مع العدو الإسرائيلي، قد يبدو في الظاهر شكلياً، لكنه في الحقيقة يتعلّق بالجوهر. فالفرق بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ليس تقنياً، وإنما استراتيجيٌّ. بمعنى أدقّ، ليس الخلاف على التفاوض وجهاً لوجه أو عبر وسيط، بل على ما يعنيه كل خيار، وإلى أيّ مسار يُمكن أن يقود.
يتذرع مؤيّدو المفاوضات المباشرة بـ«الواقعية السياسية»، لكن: هل تعني الواقعية تقوية أوراق لبنان السياسية والميدانية لمنع فرض الشروط عليه؟ أم التكيّف تدريجياً مع موازين القوة التي يريد العدو فرضها، لتصبح السياسة مجرّد إدارة للخسائر والتنازلات تحت ضغط الخوف من الحرب والانهيار؟

في هذا السياق، يجري الترويج لفكرة «عدم وجود بديل عن المفاوضات المباشرة»، في محاولة لتقديم أي اعتراض باعتباره غير عقلاني. لكن ذلك يتجاهل أن تاريخ الصراع مع العدو مليء بالمفاوضات غير المباشرة التي نجحت في تحقيق تفاهمات أو تثبيت قواعد اشتباك أو حلّ بعض الملفات من دون الانتقال إلى الاعتراف السياسي المباشر بالعدو.

الفرق الحقيقي بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة أعمق من مجرّد الشكل. فالمباشرة لا تغيّر فقط طريقة التواصل، بل موقع العدو داخل الوعي السياسي. عندما يصبح العدو طرفاً يتم الجلوس معه بشكل علني لإنتاج تفاهمات وتسويات، فإن العلاقة معه تبدأ بالتغيّر تدريجياً. هنا لا يعود مجرّد تهديد أو عدو تتم مواجهته بالردع والمقاطعة، بل طرفاً سياسياً يمكن بناء علاقة تفاوضية طبيعية معه. لذا، فإن مقولة أَنّ الدولة والمقاومة متفقتان على الأهداف لكن مختلفتان على الوسائل في غير محلها. ويراد منها التعمية على المخاطر الكامنة في المفاوضات المباشرة.

في المقابل، تقوم المفاوضات غير المباشرة على فكرة مختلفة. فهي تعترف بوجود حاجة إلى إدارة بعض الملفات أو منع التصعيد، لكنها ترفض تحويل ذلك إلى علاقة سياسية مباشرة وطبيعية مع العدو. لذا، فإن وجود الوسيط ليس مجرّد تفصيل تقني، بل له معنى سياسي ورمزي، لأنه يحافظ على فكرة أن العلاقة ما زالت علاقة صراع وعداء، وليست علاقة طبيعية بين طرفين عاديين.

أيّ تفاوض في ظل ضعف كامل يتحوّل غالباً إلى إدارة للتنازلات لا للصراع

كذلك، فإن أهداف كل نوع من التفاوض تختلف عن الأخرى. فالمفاوضات المباشرة تميل غالباً إلى فتح طريق نحو تسويات أوسع وإعادة تنظيم العلاقة مع العدو على المدى الطويل. أمّا المفاوضات غير المباشرة، فهدفها يكون أكثر محدودية: منع التصعيد، تثبيت قواعد معيّنة، أو الحصول على مكاسب محدّدة من دون الانتقال إلى التطبيع، مع تحصين المجتمع والدولة من الوقوع في الفخّ الإسرائيلي – الأميركي. ويمكن تحقيق ذلك بالتوافق الداخلي، والصمود السياسي، واستثمار عناصر القوة التي تمثّلها المقاومة، والاستفادة من المتغيّرات الإقليمية وتحديداً الاحتضان والدعم من قبل إيران عبر ربط أيّ تسوية مع واشنطن بإنهاء الحرب في لبنان، إضافةً إلى علاقات لبنان الدولية والإقليمية… لذا، فإن مقولة أَن لا بديل عن المفاوضات المباشرة هي خدعة لتبرير المزيد من التنازلات والخضوع للإرادة الأميركية.

لهذا، فإن القول إن الفرق بين النوعين «تقني فقط» يخفي حقيقة أن كلاً منهما يقود إلى اتجاه سياسي مختلف. فالمباشر قد يقود تدريجياً إلى تغيير نظرة المجتمع إلى العدو وإلى إعادة تشكيل العلاقة معه، وهو ممر إلزامي للانتقال إلى مرحلة التعاون والتحالف… بينما يحاول غير المباشر إبقاء الصراع مضبوطاً ضمن حدود معيّنة من دون إنهائه أو تحويل العدو إلى طرف طبيعي، ومن ثم حليف، وصولاً إلى تمكينه من استغلال المتغيّرات السياسية الإقليمية والدولية لتحقيق أطماعه التوسّعية وهيمنته العسكرية والسياسية.

في هذا السياق، يظهر أيضاً الاتهام المتكرّر بأن حزب الله «ضد الدبلوماسية». لكنّ تجربة الحزب خلال السنوات الماضية تُظهِر أنه لم يرفض التفاوض أو التفاهمات بحدّ ذاتها، بل رفض أن يتحوّل التفاوض إلى طريق للانزلاق نحو مزيد من الخضوع والتنازلات المجانية للعدو أو للتخلّي عن عناصر القوة اللبنانية. لذا، فإن العلاقة بين المقاومة والدبلوماسية، بحسب هذه الرؤية، ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل: المقاومة توفّر عناصر القوة، بينما تستخدم الدبلوماسية هذه القوة لحماية المصالح اللبنانية ومنع فرض الشروط الإسرائيلية.

ففي النهاية، السياسة لا تنفصل عن ميزان القوى. وأيّ تفاوض يجري في ظل ضعف كامل يتحوّل غالباً إلى إدارة للتنازلات، لا للصراع. لذا، تُطرح المقاومة هنا ليس كبديل عن السياسة، بل كعامل يمنع السياسة من التحوّل إلى مسار استسلام تدريجي تحت الضغوط.
مع ذلك، فإن المفاوضات غير المباشرة ليست خالية تماماً من المخاطر. وإذا تحوّلت إلى قناة دائمة ومفتوحة من دون ضوابط واضحة، فقد تؤدّي هي أيضاً مع الوقت إلى تآكل فكرة المقاطعة أو إلى نوع من التطبيع غير المباشر. لذا، تبقى المشكلة الأساسية مرتبطة بوظيفة التفاوض واتجاهه النهائي: هل يخدم حماية الاستقلال ويدفع المخاطر المستقبلية مع الحفاظ على عناصر القوة؟ أم يوفّر للعدو بالسياسة ما لم يحقّقه في الميدان؟

فالمعادلة التي تحاول المقاومة تثبيتها ليست رفض السياسة أو التفاوض، بل منع انتقال لبنان من موقع إدارة الصراع وفق توازنات القوة، إلى موقع الخضوع الدائم لشروط العدو، ومنع تحويل «الضرورة» إلى مبرّر دائم للتنازلات المفتوحة. ومن هنا فإن جوهر النقاش الحقيقي لا يتعلّق بالسؤال: هل نتفاوض أم لا؟ بل بالسؤال الأعمق: هل نريد لبنان محميّة أميركية – إسرائيلية، مصيرها مرهون بالمتغيّرات الإقليمية أو الدولية، أم نريد لبنان مستقلاً عن الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية، وحراً في قراراته السيادية، وسماءَه وأرضه ومياهه غير مُستباحة للعدو.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة