آخر الأخبار

مؤتمر «فتح» الثامن: نحن هنا… ولكن

1

أيهم السهلي

تُصادف اليوم الذكرى الـ78 لنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، حينما بات أكثر من ثلثَي الفلسطينيين لاجئين، توزّعوا بين المناطق الفلسطينية التي لم تُحتلّ آنذاك ودول الجوار؛ إذ نزح نحو 280 ألفاً منهم إلى الضفة الغربية، و190 ألفاً إلى قطاع غزة، فيما لجأ عشرات الآلاف إلى خارج فلسطين (70 ألفاً إلى الأردن، و100 ألف إلى لبنان، و75 ألفاً إلى سوريا، و7 آلاف إلى مصر، و4 آلاف إلى العراق)، ولم يبقَ في الأراضي الفلسطينية التي أُقيمت عليها في مثل هذا اليوم دولة الاحتلال الإسرائيلي سوى أقلّية فلسطينية.

على أن النكبة لم تتمكّن من إنهاء الشعب الفلسطيني، بقدر ما أعادت تشكيله، وصولاً إلى انطلاق العمل الفلسطيني الفدائي في الخارج في أوائل الخمسينيات على يد «حركة القوميين العرب». وقد تُوّجت هذه المسيرة باندلاع «الثورة الفلسطينية» – عام 1965 -، التي أسهمت في بلورة مفهوم فلسطين عبر الفدائي الذي عمّت رمزيته وما يمثّل، العالم العربي وبعض مناطق العالم، قبل أن يكتمل ذلك المفهوم في يوم الأرض الفلسطيني عام 1976، والانتفاضة الأولى عام 1987.

وفي الأول من كانون الثاني 1965، انطلقت «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (فتح) بعملية «نفق عيلبون» التي شهدت سقوط أول شهداء الحركة، أحمد محمد موسى «سلامة»، لتصبح «فتح»، مع مرور الوقت، الرقم الصعب في الحركة الوطنية الفلسطينية، فيما أضحى قائدها ياسر عرفات (أبو عمار) القائد العام للثورة الفلسطينية. واستوعبت هذه الحركة، التي حملت في تعريفها لنفسها أنها حركة وطنية قومية دينية إنسانية، كلّ أطياف الشعب الفلسطيني والعربي والعالمي، فكان بوسع الجميع أن ينتمي إليها، طالما أنه يؤمن بحق الشعب الفلسطيني في أرضه، وفي النضال من أجلها. وفي تاريخ «فتح»، ربّما لم ينافسها فصيلٌ آخر في الجماهيرية سوى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بقيادة الحكيم جورج حبش. وقد ظلّ الحال على هذا النحو حتى ظهرت إبان الانتفاضة الأولى «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)، التي سرعان ما ذاع صيتها وباتت هي الأخرى رقماً صعباً.

ولمّا وقّعت «منظمة التحرير الفلسطينية» اتفاق «أوسلو» في باحة «البيت الأبيض»، خسرت «فتح» بعض جمهورها، كون من كانوا في الصورة هم أبرز قادتها (ياسر عرفات ومحمود عباس)، وقد ظهروا وقتذاك إلى جوار قائدَي إسرائيل، شمعون بيريز وإسحاق رابين. ومع ذلك، ظلّت «فتح» في الطليعة، إذ سرعان ما أدرك الناس أن «أبو عمار» لم يخُن القضية، وأنه القائد الوطني للشعب الفلسطيني. وتعزّز هذا الشعور مع اندلاع «الانتفاضة الثانية»، ومعرفة الناس أن عرفات كان وراء العديد من العمليات ضدّ الاحتلال، ثمّ حصار الرجل واستشهاده عام 2004. وبعد عامَين تقريباً، حلّت كارثة الانقسام بين «فتح» و«حماس» على الشعب الفلسطيني وقضيته، التي باتت تنزف من ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

لعلّ محمود عباس هو الأخير الذي يمكن للفلسطينيين أن يحتملوا هفواته

عاشت «فتح» وصنعت تاريخاً مجيداً يستحيل تجاوزه في فهم الحركة الوطنية الفلسطينية. لكنها، ومنذ أعوام، وبعد أن تخلّت عن كثير من برنامجها الكفاحي، وتداخلت مع السلطة الفلسطينية إلى حدّ بات يصعب معه التمييز بينهما، تبدّلت جماهيريتها؛ فحلّ محلّ جمهورها الكفاحي أناسٌ يبحثون عن المصالح والزبائنية، وانفضّ عنها آخرون كانت علاقتهم بها قائمة على البرنامج الوطني والكفاح. وزاد الطين بلّة موقف بعض قياداتها من عملية السابع من أكتوبر، إلى جانب الاعتقالات التي تنفّذها السلطة بحق مقاومين أو منتمين إلى فصائل ما زال برنامجها يقوم على المقاومة المسلحة في مواجهة الاحتلال.

ورغم ما سبق، فإن «فتح» تبقى حركةً كبيرة. وهذا ما يدلّ عليه افتتاحها، أمس، مؤتمرها العام الثامن في رام الله وغزة وبيروت والقاهرة معاً، بعد تأخّر دام عشر سنوات عن موعد انعقاده، وذلك بحضور 2580 عضواً حركياً، يتوزّعون على نحو 1600 في رام الله، و400 في قطاع غزة، و200 في بيروت (من ضمنهم ممثّلو إقليم سوريا والأقاليم الخارجية في أوروبا وغيرها)، و400 في القاهرة (من بينهم أسرى مُحرَّرون). وسينتخب هؤلاء 80 عضواً لـ«المجلس الثوري»، و18 عضواً لـ«اللجنة المركزية»، علماً أن المؤتمر يمتلك صلاحية تعديل هذه الأعداد، سواء بالزيادة أو النقصان.

وتحمل ضخامة الكادر «الفتحاوي» هذه دلالات، لكنها تثير تساؤلات أيضاً: هل يتوافق جميع أبناء الحركة على برنامجها السياسي؟ والمقصود هنا تحديداً القواعد «الفتحاوية»، لا المؤتمِرين الذين لا يتفقون بدورهم، مثلاً، على شخصيات مشهود لها بالنزاهة، من مثل السفير حسام زملط، الذي يتعرّض لهجوم واسع من بعض أبناء «فتح» بسبب قراره الترشّح لـ«اللجنة المركزية». أيضاً، لا يتفق جميع أعضاء المؤتمر على شخص نائب الرئيس، حسين الشيخ، الذي يرى بعض «الفتحاويين» أنه أُسقِط عليهم بالإجبار، وفي إطار التسويات الدولية وفرض الإصلاح في السلطة، علماً أن رئيس الحركة، كان أكّد أمس، في افتتاح المؤتمر، أن أيّ شخص يُشار إليه باعتباره فاسداً سيُحال مباشرة إلى التحقيق.

كذلك، يُعقد هذا المؤتمر وسط خلاف كبير على شخص ياسر عباس، نجل رئيس السلطة والدولة والحركة والمنظمة، محمود عباس، إذ يرى البعض أن إقحامه في ملف لبنان يهدف، في أحد أسبابه، إلى إيجاد مدخل لترشّحه إلى «اللجنة المركزية» للحركة وحمايته من «حيتان فتح» بعد رحيل والده، من جهة؛ ومن جهة أخرى، إلى جعله منافساً لحسين الشيخ، بدعم من شخصيات «فتحاوية» أخرى قد تكون ضمن «المركزية» التي سينتخبها أعضاء المؤتمر. ولاقى المؤتمر، الذي سيستمرّ ثلاثة أيام، تجاذبات واسعة في الآراء، وأثار جدلاً كبيراً بسبب محاولة استبعاد قياديين تاريخيين في الحركة منه، من بينهم عضو المجلس الثوري السابق وعضو المجلس الاستشاري أحمد غنيم. ويبدو أن السبب في استبعاد الأخير يعود إلى ارتفاع صوته في مواجهة الأخطاء التي ترتكبها «فتح» والقيادة الفلسطينية، علماً أن غنيم طعن في قرار استبعاده، فأُعيد إدراج اسمه ضمن المشاركين في المؤتمر، لكن يبدو أن هذا الأمر تمّ بشروط، ما دفعه إلى إعلان عدم حضوره لأسباب تنظيمية وسياسية.

ربّما يكون عباس آخر قيادات «فتح» من جيل النكبة ومن جيل مؤسّسي الحركة، وهو الذي دعا المشاركين في المؤتمر إلى الوقوف تحيةً لهم، فذكر معظمهم بكثير من التكريم والاحترام. فهو يدرك أن سيرة «فتح» يصعب أن تنتهي على أيدي شخصيات جاهزة للتنازل والتفريط تحت مسمّى «الواقعية السياسية» وعدم القدرة. وكانت هذه الحركة بدأت انطلاقتها مع ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وكمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، ووليد أحمد نمر نصر الحسن (أبو علي إياد)، وخالد الحسن، وهاني الحسن، وسليم الزعنون، وفاروق القدّومي، وممدوح صيدم، ونمر صالح، وهايل عبد الحميد، ومحمد غنيم، وأحمد قريع، وماجد أبو شرار، وعباس زكي، ونبيل شعث.

وكان بعض هؤلاء، وهم شبّان صغار، قد صاغوا في الكويت، عام 1957، بيان «حركتنا» و«هيكل البناء الثوري»، واتفقوا على اسم الحركة. ولعلّ عباس، ابن مدينة صفد واللاجئ في سوريا والعائد إلى رام الله، هو الأخير الذي يمكن للفلسطينيين أن يحتملوا هفواته. فهو يشبه أجدادنا وعجائزنا وهم يتحدّثون، فيما ننظر إليهم على أنهم «بركتنا». لكن، مِن بَعده، لا أظنّ أن بوسع فلسطيني واحد أن يقبل برجل يأتي إلى كرسيّ الحركة/ السلطة ليوقّع وينهي كلّ شيء، أو ليحوّل آمال الشعب الفلسطيني ودماءه وتضحياته في سبيل حريته وعودته، إلى مجرّد كرسيّ بلدية!

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة