مجتبى الحسيني
في الخامس من أيار الجاري، شدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون على «ضرورة التوصّل إلى اتفاق أمني ووقف الهجمات الإسرائيلية» قبل لقاء رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو. بالتوازي، زار بيروت مبعوث نمسَويّ قادماً من تل أبيب، طارحاً إرسال «قوات متعدّدة الجنسيات» إلى لبنان لـ«مساعدة الجيش على بسط السيادة» – عنوانٌ مُعلن لمضمونٍ يعرفه كل من قرأ سياقه: تجريد المقاومة من قوتها بالتعاون مع كيان العدو وبتغطية دولية.
السلطة، إذاً، تفكّر بصوت مرتفع. وحين تفعل ذلك، يصبح من حق اللبنانيين أن يعرفوا ماذا يعني هذا التفكير في ميزان القانون والأمن القومي.
ما الذي يعنيه «الاتفاق الأمني»؟
الاتفاق الأمني، بمعناه التقني، صيغة تنسيق مؤسّسي بين لبنان وكيان العدو لقمع المقاومة. وهو، في جوهره، إعلان تحالف مع كيان لا يزال مُصنّفاً عدواً في القانون اللبناني النافذ، يصطدم بما يُعرف في الفقه الدستوري بـ«أثر السقّاطة» (L’effet cliquet)، أي القاعدة التي تمنع التراجع عن الحقوق والالتزامات الوطنية المُكتسَبة أو الالتفاف عليها بقرارات أدنى مرتبة، بحيث لا تدور «عجلة الحماية الدستورية» إلى الخلف.
وبعيداً عن سلسلة من «السقّاطات» الدستورية والقانونية – كالمادة 65 المتعلّقة بنصاب الثلثين، والمادة 52 الخاصة بتفويض البرلمان للمعاهدات، والفقرة «ي» من مقدّمة الدستور المرتبطة بميثاق العيش المشترك – ثمة «سقّاطات» أخطر.
فالمادة 275 من قانون العقوبات تنصّ على الأشغال الشاقة المؤبّدة لكل من «اتصل بدولة عدوّة… على نحو يحرّك يدها في معرض الحرب أو يضرّ بالعمليات العسكرية». والمادة 274 تذهب إلى الإعدام لمن «حمل السلاح على لبنان في صفوف العدو». والمادة 278 تفرض الأشغال الشاقّة على من «حرّض» على هذه الجرائم، فيما تعاقب المادة 285 من «عرّض اللبنانيين لأعمال انتقامية». وهذه نصوص نافذة، لا تسقط بالتقادم وفق اجتهاد قضائي راسخ.
وهناك «السقّاطة» الحاسمة: الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004)، الذي صادق عليه لبنان، ورفعه المجلس الدستوري – بقراريه 2/2001 و7/2024 – إلى مرتبة «الكتلة الدستورية». ديباجته ترفض «الصهيونية» بصفتها انتهاكاً لحقوق الإنسان وتهديداً للسلم العالمي.
وتُلزِم المادة 2/3 بـ«إزالة» الاحتلال والصهيونية، وتُكرِّس المادة 2/4 «حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي». وتُحَصِّن المادتان 43 و44 ما تَقَدَّم، فتمنعان الانتقاص من الحقوق المُكتسَبة، وتُلزِمان الدولة بـ«تدابير تشريعية أو غير تشريعية» لإعمالها. ومن هنا، فإن أيّ اتفاق أمني أو تطبيع مع كيان العدو ليس مُختلفاً عليه سياسياً، بل مُحرَّمٌ دستورياً بأعلى نص ذي قوة دستورية.
ثم تأتي «السقّاطة» الأخطر دولياً، فالمادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) تنص على أن «كل معاهدة تُبرَم نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها، باطلة ومُلغاة». وكرّست محكمة العدل الدولية تمييزاً صريحاً بين «الموافقة الحرة» التي تُنشِئ التزاماً، و«الإذعان المُكره» الذي لا يُنشِئ أي أثر قانوني.
أيّ تفاوض في ظل ضعف كامل يتحوّل غالباً إلى إدارة للتنازلات لا للصراع
ولبنان يعيش اليوم حالة موثّقة من الإذعان المُكره: عدوان متواصل، تهديدات وزراء العدو باستهداف البنية التحتية إن لم تُكفّ يد المقاومة، وضغوط أميركية لجرّ رئيس الجمهورية إلى لقاء نتنياهو في واشنطن.
وبهذا، فإن الولايات المتحدة – بأسماء القانون – تُمارس احتلالاً سياسياً للبنان، وما يُعرِّفه القانون الدولي بـ«الإكراه السياسي» (Political Coercion) المنصوص على بطلانه في قرار الجمعية العامة 2625 (1970): تهديدات بتحريك العدو، إملاءات على القرار اللبناني، وربط الإعمار بحصر السلاح. وعليه، أي توقيع يُنتزع في هذا المناخ، باطل بقوة القانون (de plein droit)، ولا يحتاج إلى طعن.
وهناك «السقّاطة» المتعلّقة بـ«معاهدة الدفاع العربي المشترك» (1950)، التي لم ينسحب لبنان منها، إذ تعتبر مادتها الثانية «كل اعتداء على أي دولة متعاقدة، اعتداءً عليها جميعاً». وبالتالي، أي اتفاق أمني مع كيان الاحتلال ينقض هذه المعاهدة من جذرها، خلافاً للمادة 26 من اتفاقية فيينا التي تكرّس مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين» (Pacta sunt servanda).
«القوات المتعدّدة الجنسيات» قانونياً؟
«القوات المتعدّدة الجنسيات» تختلف جذرياً عن «اليونيفل» العاملة بموجب القرار 425 (1978) تحت الفصل السادس، ومهمتها مراقبة الانسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش، من دون تفويض بنزع سلاح فصائل لبنانية.
ما يُطرح اليوم نموذج مختلف: قوة إنفاذ (Enforcement Force) تحت الفصل السابع، بمهمة ضد مكوّن لبناني داخلي. وهذا يستوجب قراراً جديداً من مجلس الأمن ينقل التفويض من الفصل السادس إلى الفصل السابع، وهو مسار شبه مستحيل في ظل الفيتو الروسي والصيني.
ولو افترضنا جدلاً صدور مثل هذا القرار، يبقى لبنان مُلزماً بإبرام «اتفاقية وضع القوات» (SOFA)، وهي معاهدة دولية تستوجب موافقة مجلس النواب بمنطوق المادة 52 من الدستور. وبالتالي، فإن تمريرها بمرسوم رئاسي، اغتصاب لصلاحيات السلطة التشريعية.
وهنا أيضاً تبرز «السقّاطة» الجزائية الأخطر: المادة 273 من قانون العقوبات تعاقب بالاعتقال المؤبّد كل لبناني «سعى لدى دولة أجنبية أو اتصل بها لكي يدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان». المسؤول الذي يطلب قوات لقمع المقاومة، يدخل في تكييف هذه المادة حرفياً.
أمّا قوات الإنفاذ ذاتها، فهي حين تدخل لبنان لمهمة قمعية ضد طرف لبناني، تتحوّل بفعل القانون إلى قوات احتلال، وتفقد حصاناتها الدبلوماسية، وتُصبِح هدفاً مشروعاً للدفاع عن النفس بمقتضى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (المادة 1/4).
ماذا يملك الشعب أن يفعل؟
الشعب اللبناني هو مصدر السلطات بنص الدستور. والقانون يمنحه أدوات صريحة للاعتراض، منها:
– الطعن أمام شورى الدولة: المادة 108 تجيز الطعن في أي مرسوم يشوبه عيب اختصاص، أو خرق المعاملات الجوهرية، أو خرق القانون، أو الانحراف بالسلطة. وأي مرسوم يتعلق باتفاق أمني يجمع هذه العيوب الأربعة دفعةً واحدة. والطعن فيه متاح لأي نائب، نقابة، جمعية مرخّصة، أو أفراد متضرّرين.
– ملاحقة المسؤولين شخصياً: المادتان 60 و70 تتيحان اتهام رئيس الجمهورية والوزراء أمام المجلس الأعلى بـ«خرق الدستور» أو «الخيانة العظمى». وهذه أدوات لا تسقط بالتقادم.
– العصيان المدني المشروع: المادة 13 تكفل حرية التعبير والاجتماع والتظاهر، أساساً قانونياً للإضرابات والاعتصامات وعصيان الأوامر غير الدستورية.
– حق الدفاع المسلّح: حين تنشأ شروط العجز الدفاعي – وقد نشأت – ينشأ معها حق المقاومة بمقتضى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقرارَي الجمعية العامة 2625 و3314، والميثاق العربي لحقوق الإنسان. وهذا حق سابق على السلطة، لا منحة منها.
خمسة أعمدة تدعم الجدران
ثمّة خمسة مبادئ قانونية إضافية تستحقّ الذكر:
أولاً، استمرارية الدولة (Continuité de l’État): التزامات الجمهورية المتراكمة منذ 1948 – إعلان الحرب، الهدنة، قانون المقاطعة، البيانات الوزارية – لا تسقط بتبدّل الرؤساء. الرئيس الـ14 يخلف 13 رئيساً ويرث التزاماتهم، ولا يملك أن ينقضها بقرار منفرد.
ثانياً، المسؤولية الجنائية الفردية: نظام روما الأساسي (1998) يُحمِّل القائد السياسي والعسكري مسؤولية فردية عن جرائم العدوان. وأي مسؤول يُسهِّل عدواناً على شعبه، أو يُوقِّع ترتيبات تُديمه، يدخل في هذا التكييف. ما جرى مع نتنياهو وضباطه سابقة قابلة للتكرار.
ثالثاً، مبدأ موازاة الصيغ (Parallélisme des formes): ما أُنشئ بمعاهدة (الهدنة 1949) لا يُلغى إلا بمعاهدة سلام مكتملة الأركان – وهذا مستحيل عملياً مع كيان لا يتراجع إلّا تحت القوة. وما أُنشئ بقانون (المقاطعة 1955) لا يُلغى إلا بقانون. واتفاق أمني بمرسوم يخرق ثلاثة مستويات من هذا المبدأ دفعةً واحدة.
رابعاً، عقيدة الجيش القتالية: البيان الوزاري لحكومة نواف سلام ينصّ على أن «الجيش اللبناني صاحب عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب». أي «اتفاق أمني» يفترض تدخّل الجيش ضد مكوّن لبناني يضع المؤسسة في تعارض مع عقيدتها. والضابط الذي يرفض أوامر تتناقض مع الدستور، لا يتمرّد، بل يحفظ شرف مؤسسته – وقد أرست محاكمات نورمبرغ (1946) أن «أوامر الرؤساء» ليست مبرّراً للأفعال غير المشروعة.
خامساً، الإذعان المكره لا يُنشِئ حقاً: الموافقة المُنتزعة تحت التهديد العسكري لا تُنتِج التزاماً صحيحاً.
شواهد التاريخ
أربعة شواهد تكفي لفهم المصير الذي انتهت إليه السلطات التي راهنت على الخارج لإخضاع شعوبها:
– فيتنام (1955 – 1975): بنت فرنسا ثم الولايات المتحدة دولةً وجيشاً موالياً لهما في سايغون، وأنفقتا سنوات من الحرب والدعم العسكري والسياسي. لكن النتيجة كانت انهيار الجيش خلال 55 يوماً فقط، وفرار آخر مروحية أميركية من سطح السفارة في مشهد صار رمزاً للهزيمة.
– أفغانستان (2001 – 2021): أنفق حلف شمال الأطلسي 83 مليار لبناء «جيش وطني» انهار خلال أيام أمام طالبان، وسقطت كاب,ل تقريباً بلا قتال.
– لبنان (1983): وقّعت السلطة اللبنانية اتفاق 17 أيار برعاية أميركية، ودخلت «القوات المتعددة الجنسيات» إلى لبنان بتفويض دولي، بقيادة المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين. في 23 تشرين الأول 1983، دُمّرت مقرا القوات الأميركية والفرنسية، فبدأ الانسحاب المذعور بين شباط وآذار 1984. وما إن سقط الغطاء العسكري حتى انهار الاتفاق، وجاءت انتفاضة 6 شباط لتفرض إلغاءه رسمياً في 5 آذار. الاتفاق والقوة الأجنبية كانا توأمين، سقطا معاً.
فرنسا الفيشية (1940 – 1944): وقّعت حكومة فيشي «اتفاقاً أمنياً» مع ألمانيا النازية ضد المقاومة الفرنسية. وبعد التحرير، تحوّلت السلطة المتعاونة إلى رمز للخيانة.
العبرة واحدة: من يوقّع اتفاقاً أمنياً مع عدوّه ضد شعبه، يوقّع حكماً على نفسه بالإعدام السياسي.
الأمن القومي ليس بضاعة
الأمن القومي اللبناني ليس ضمانة تُستجدى من قوة خارجية، بل هو ثمرة إجماع وطني داخلي يجعل لبنان عصيّاً على القضم. وكل سلطة، في تاريخ هذا البلد، راهنت على الخارج لمعالجة أزماتها مع الداخل، انتهت إلى خسارة الاثنين معاً. والمقاومة في لبنان ليست عبئاً على الدولة، بل شكّلت، في لحظات العجز والانكشاف، «الرئة الثانية» للدولة حين اختنقت رئتها الأولى. ومن يستدعِ قوة أجنبية لاقتلاعها، فهو لا يعتدي على فئة سياسية فحسب، بل يطعن فكرة الدولة نفسها في صميمها، ويخون شعبها.
سدود قانونية ودستورية كثيرة تفصل لبنان عن هذا الانزلاق. وخلفها درس واضح يؤكّد أن كل من حاول اقتحامها انكسر هو، لا هي. ومن لا يصدّق، فليقف على قبر فيليب بيتان ويسأل عمّا تفعله الشعوب بمن يراهن على الاحتلال ضدّ وطنه.
* كاتب لبناني