آخر الأخبار

بازار واشنطن للمفاوضات: السلطة وفقدان عناصر القوة

2

طراد حمادة

في علم المنطق، تصدق النتيجة حين تصدق مقدّماتها. وفي علم الاستراتيجيا، الحربُ ممارسةٌ للسياسة بأشكال أخرى. وفي علم التفاوض، كل تسوية تستند إلى عناصر قوتها وتحوّل هذه القوّة إلى تحقيق أهدافها وتحصيل حقوقها واعتراف الطرف الآخر في المفاوضات بها.
وفعل التفاوض يقوم بين عدوّين في حالة حرب، ولذلك لا يمكن فصله عن فعل الحرب وميدانها. كيف إذا كانت هذه الحرب مُستدامة في تاريخها، ومستمرة في مخاطرها، وكاشفة عن أغراضها، ومعروفة أسبابها وغاياتها.

هل الدولة اللبنانية وهي تذهب إلى جلسات التفاوض في واشنطن على علم بهذه القواعد؟ وهل وضعتها في حسابها وناقشتها مع أعضاء وفدها ونظر فيها مستشاروها واستفادت من تجارب الآخرين في مجالها؟ وهل حدّدت نقاط قوّتها وضعفها، ما تقبل به وما ترفضه، ما تعطيه وما تأخذه، ما تخسره وما تكسبه؟

هل بحثت وعرفت وناقشت ماهية أهداف العدو من التفاوض، وما يريده ويرفضه، وما هي عناصر قوته وضعفه؟ ثم ماذا عن دور الوسيط وما يريده في وساطته، وهل هو وسيط محايد أو شريك للعدو ومنحاز إلى مصالحه؟ ثم ما تفيده التجارب من قدرة الوسيط الأميركي على حماية التسويات وعدم التراجع عن الاتفاقات من الخرق المتكرّر والمُستدام؟ وهل هو ثقة وضمانة، وما الشهود له وعليه؟
لا يبدو أنّ كل ما ذكرته من قواعد التفاوض خطر في بال الحكومة اللبنانية. كيف نفسّر ذلك؟ وهل يعقل في نظر المنطق أن تذهب دولة إلى التفاوض مع العدو في زمن الحرب ولا تملك من أمرها ما يحقّق مقاصدها؟

إذا دقّقنا في جعبة الدولة اللبنانية للتفاوض فنجد أنها تحمل قوّة الاعتراض على عناصر القوة والسعي إلى سلبها وانتزاعها واعتبارها أنّها في غير صالحها، وبناء الموقف على خلاف وتناقض معها. ولذلك، فإن السلطة اللبنانية تذهب إلى التفاوض وهي تسعى إلى تجريد لبنان من قوة المقاومة التي تخوض الحرب، وتحمل في جعبتها قرار محاصرة المقاومة وحصار بيئتها ونزع سلاحها.

تذهب لتقول إنها مستعدّة، وهي دولة لبنان ولها الحقّ بهذه الصفة، أن تفاوض على الجنوب ضد الجنوب نكاية بأهل الجنوب. يا لَلعجب العُجاب!

حكومة تجرّد نفسها من قوّة الحاضنة الإقليمية العربية والإسلامية، وهذه الحاضنة شريكة المسار والمصير لها في الحرب واقعياً منذ احتلال فلسطين حتى حرب غزة والحرب على جبهة لبنان وإيران. هذا الشريك العربي الإسلامي الإقليمي، إلى جانب دعم دولي مساند، في مقابل الموقف الأميركي المنحاز إلى العدوّ وشريكه، هما عنصرا قوّة للبنان يرفضهما المفاوض اللبناني. وخلاف كل منطق، يتخلّى عن عناصر قوّته ويقدّمها للعدو مجاناً دون أن يستفيد منها لتحصيل حقوقه. هو يتخلّى عن مصادر قوته دون مُبرّر يقبله العقل.

بل إذا أردنا أن ندقّق النظر في حقيقة الموقف، فإنّ الدولة اللبنانية تجد في بيع عناصر القوّة للعدوّ هو ما تملكه على طاولة المفاوضات. تذهب لتقول إنها مستعدّة لنزع سلاح المقاومة ومحاصرتها وعقابها، وإنها ترفض كل دعم عربي وإسلامي، بحجّة أنه دعم إيراني أو عراقي أو يمني. وتضع كل البيض في السلّة الأميركية في مواجهة ما تحصّله من قوّة و دعم. وتذهب لتقول إنها مستعدّة، وهي دولة لبنان ولها الحقّ بهذه الصفة، أن تفاوض على الجنوب ضد الجنوب نكاية بأهل الجنوب. يا لَلعجب العُجاب!

والسلطة اللبنانية تذهب لتقول إنها مستعدّة للصلح المنفرد والدماء في الجنوب وبيروت والبقاع وكل لبنان لم تجفّ بعد. ولم تناقش قرار التفاوض في الحكومة، ولا في البرلمان، لأن التفاوض هنا قرار في مسألة السلم والحرب، وليس عقد اتفاقية عادية. هي تريد أن تقول إنها تختار الصلح مع العدو، وتطلب مساندته لمواجهة مَن يقاتل هذا العدو دفاعاً عن البلاد والعباد.
هذه هي الأوراق التي تحملها الدولة اللبنانية إلى طاولة المفاوضات، تحت نار الحرب، في احتلال الأرض وتدمير المدن والقرى وتهجير السكان وقتل المدنيين، في جرائم حرب مشهودة. كل ذلك لحسابات ضيقة ذات بعد داخلي، لا يصلح في اليوم التالي للحرب، لأن لبنان لا يحتمل هذا النوع من أفعال العقل السياسي المستقيل.

إذا كانت هذه أوراق التفاوض، فإنّ حصاد التفاوض يكون خسراناً كبيراً. كل حرب تنتهي بتفاوض وتسويات، ولكن تستلزم أن تستند إلى عناصر القوة لا إلى بيعها في سوق واشنطن بمزاد التنازلات لا المفاوضات.
* كاتب ووزير سابق

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة