مازن كريم
في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لا تمرّ ذكرى النكبة كحدثٍ عابر في الذاكرة، بل كجرح يومي مفتوح، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وتُروى تفاصيله كما لو أنّ التهجير حدث بالأمس.
وبعد مرور 78 عاماً على اقتلاع الفلسطينيين من قراهم ومدنهم عام 1948، ما تزال مفاتيح البيوت محفوظة، وأسماء القرى حيّة في الوجدان، فيما يتمسّك اللاجئون بحقهم في العودة رغم عقود اللجوء والحرمان.
وفي وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع قطاع غزة وجنوب لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، يستعيد اللاجئون الفلسطينيون مشاهد النكبة الأولى، معتبرين أنّ ما يجري اليوم امتداد للمشروع ذاته القائم على القتل والاقتلاع والتهجير، لكن مع إصرار متجدّد على التمسك بالأرض والهوية.
وفي هذا الإطار، يؤكد اللاجئ الفلسطيني صلاح عوض، الناشط الاجتماعي المنحدر من بلدة السميرية قضاء عكا، أنّ “النكبة لم تستطع انتزاع فلسطين من قلوب اللاجئين، رغم مرور الأجيال وتبدّل الأزمنة”.
ويقول في تصريح خاص لـ”قدس برس” إنّ “أهالي بلدته هُجّروا بعد المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية قبل إعلان قيام دولة الاحتلال”، موضحاً أنّ “السميرية قاومت حتى اللحظات الأخيرة قبل اضطرار أهلها للنزوح إلى لبنان”.
ويضيف عوض أنّ عائلته تعيش اللجوء منذ 78 عاماً، حيث رحلت جدته ووالده وهما يحملان حلم العودة، بينما يواصل الأبناء والأحفاد حمل القضية جيلاً بعد جيل، مشدداً على أنّ “الفلسطيني لن ينسى وطنه مهما طال الزمن أو اشتدت التحديات”.
ويرى أنّ “أكبر ظلم في التاريخ هو اغتصاب فلسطين وتهجير أصحاب الأرض منها”، مؤكداً أنّ “الدعم الغربي لإسرائيل لن يغيّر من حقيقة أنّ فلسطين لأهلها، وأنّ الإيمان بالعودة ما يزال حاضراً بقوة في وجدان اللاجئين”.
ويختم حديثه بالتعبير عن أمله بأن تتحول ذكرى النكبة المقبلة إلى محطة للاحتفال بالعودة إلى فلسطين.
أما اللاجئ الفلسطيني عبد الله إسماعيل، وهو أيضاً من بلدة السميرية قضاء عكا، فيتحدث عن نشأته في المخيمات على وقع الحكايات التي لم تغب يوماً عن فلسطين، قائلاً إنّ “حلم العودة رافقه منذ طفولته، وإن مدينة عكا كانت دائماً حاضرة في خياله من خلال ما كان يسمعه عنها من الآباء والأجداد”.
ويشير إسماعيل، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إلى أنّ عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعادت إحياء الأمل في نفوس كثير من اللاجئين الفلسطينيين، موضحاً أنّ “شعار عائدون لم يعد مجرد حلم بعيد، بل أصبح أقرب إلى اليقين بالنسبة لكثيرين”.
ويؤكد أنّ “الفلسطينيين باتوا يشعرون بأن معركة استعادة الحقوق قد بدأت فعلاً”، معبّراً عن ثقته بأنهم سيعودون يوماً إلى السميرية، لإحياء الأرض وفتح البيوت التي هُجّر منها الأجداد قبل عقود طويلة.
بدوره، يستحضر اللاجئ الفلسطيني محمد فرهود، المنحدر من قرية الصفصاف قضاء صفد، ذاكرة القرية التي اشتهرت بتربية المواشي والزراعة، مشيراً إلى أنّ “أهالي الصفصاف حملوا معهم نمط حياتهم وتراثهم من فلسطين إلى لبنان، حتى إن كثيراً من العائلات في المخيمات ما تزال تمارس تربية الأغنام والأبقار حفاظاً على ما تبقّى من ملامح القرية الأصلية”.
ويقول فرهود، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إنّ “الفلسطينيين في لبنان حافظوا على هويتهم ولهجتهم وتراثهم رغم مرور أكثر من سبعة عقود على اللجوء”، مؤكداً أنّ “أبناء المخيمات ما يزالون يتحدثون بلهجتهم الفلسطينية ويتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم كجزء من معركة الحفاظ على الهوية الوطنية”.
ويضيف أنّ “حلم العودة لم يعد بالنسبة لكثير من الفلسطينيين مجرد أمنية، بل تحوّل بعد أحداث السابع من أكتوبر إلى هدف حقيقي يشعر الناس بإمكانية تحقيقه”، مشدداً على أنّ “الأمل بالعودة إلى فلسطين ما يزال حياً ومتجذراً في نفوس الأجيال الجديدة”.
ويعيش في لبنان أكثر من 250 ألف لاجئ فلسطيني موزعين على 12 مخيماً وعشرات التجمعات، وسط أوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة تتفاقم مع استمرار حرمانهم من حقوق مدنية أساسية، في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان.
إلا أنّ هذه الظروف لم تنجح في كسر ارتباط اللاجئين بوطنهم، إذ ما تزال القرى الفلسطينية حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، من أسماء الأحياء والشوارع إلى الأغاني والموروث الشعبي والحكايات التي تتناقلها العائلات.
وبين ذاكرة النكبة الأولى ومجازر غزة وجنوب لبنان المستمرة، يبدو أنّ الفلسطيني في مخيمات لبنان لا يعيش مجرد ذكرى سنوية، بل معركة هوية ووجود مفتوحة منذ 78 عاماً.
ورغم تعب اللجوء وقسوة المنافي، ما يزال كثيرون يرون في العودة وعداً مؤجلاً لا يسقط بالتقادم، بل يزداد حضوراً مع كل جيل جديد يولد وهو يحمل اسم قريته الفلسطينية قبل أي شيء آخر.