بقلم: سامي إبراهيم فودة “أبو الأديب”
في الحركات الثورية الكبرى، لا يسقط الرجال الكبار فجأة، ولا تغادر الأسماء الثقيلة المشهد التنظيمي صدفة، فخلف كل غيابٍ كبير حكايةٌ أعقد من مجرد أرقامٍ في صندوق اقتراع، وأعمق من تفسيرٍ سطحي يختصر الأمر بجملة: “لم يحالفه الحظ”.
وحين نتحدث عن غياب اسمٍ بحجم عباس زكي عن اللجنة المركزية لحركة فتح، فنحن لا نتحدث عن كادرٍ عادي، بل عن أحد الوجوه التي ارتبطت طويلًا بالخطاب الثوري التقليدي للحركة، وعن شخصيةٍ شكّلت لسنوات جزءًا من الذاكرة السياسية والإعلامية والتنظيمية لفتح.
الرجل الذي عُرف بخطابه الناري، وبحضوره الإعلامي الصاخب، وبقدرته على إثارة الجدل وصناعة العناوين، وجد نفسه هذه المرة خارج دائرة القرار الأعلى في الحركة.
وهنا لا يصبح السؤال: كيف خسر؟
بل: لماذا أرادت المرحلة ألا ينتصر؟
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها، أن حركة فتح تعيش اليوم واحدةً من أعقد مراحل إعادة تشكيل مراكز القوة داخلها.
فالحركة التي قامت على إرث الثورة والكاريزما التاريخية، باتت اليوم تتحرك وفق حساباتٍ أكثر براغماتية، وأكثر ارتباطًا بطبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وبالاصطفافات الداخلية، والتوازنات الإقليمية، وشكل القيادة التي يُراد لها أن تدير المرحلة القادمة.
وفي هذا المشهد، بدا عباس زكي وكأنه ينتمي — ولو جزئيًا — إلى “المدرسة القديمة” في فتح؛ مدرسة الخطاب الثوري العالي، والحضور العاطفي، واللغة التي تُلهب الجماهير أكثر مما تُرضي غرف الحسابات السياسية الباردة.
لكن السياسة داخل التنظيمات الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها.
ثمة من داخل الحركة كان يرى أن الرجل لم يعد منسجمًا بالكامل مع إيقاع القيادة الجديدة، وأن تصريحاته المتكررة، وخروجه أحيانًا عن اللغة السياسية المنضبطة، خلقا حالةً من القلق لدى بعض مراكز النفوذ التنظيمي.
ولعل النقطة الأكثر حساسية كانت في طبيعة خطاب الرجل خلال السنوات الأخيرة.
فعباس زكي لم يكن صداميًا بالكامل تجاه حركة حماس كما أراد البعض، ولم يكن أيضًا جزءًا من خطاب التخوين الحاد الذي ساد في مراحل الانقسام، بل ظهر أحيانًا بلغةٍ أكثر مرونة وانفتاحًا، الأمر الذي فُسّر داخل بعض الأوساط التنظيمية باعتباره خروجًا عن النسق السياسي المطلوب.
كما أن بعض تصريحاته التي فُهم منها وجود تقاطعات سياسية أو حالة انسجام غير مباشرة مع شخصياتٍ خلافية مثل محمد دحلان، جعلت الرجل عرضةً لحالة مراقبة داخلية صامتة، حتى وإن لم يكن هناك أي تحالف تنظيمي معلن.
وفي التنظيمات الكبيرة، لا تتم المحاسبة دائمًا على الوقائع فقط، بل أحيانًا على “الانطباعات”، وعلى شكل التموضع السياسي، وعلى الرسائل غير المباشرة التي يلتقطها أصحاب القرار.
لكن هل كان أعضاء المؤتمر وحدهم وراء سقوط عباس زكي؟
ربما يكون ذلك جزءًا من الحقيقة… وليس الحقيقة كلها.
فالانتخابات داخل الحركات الكبرى ليست معزولة عن المزاج القيادي العام، ولا عن شبكات التأثير والتحالفات، ولا عن الرغبة في إعادة هندسة المشهد الداخلي بطريقةٍ تضمن ولادة قيادة أكثر انسجامًا مع المرحلة المقبلة.
ويبدو أن المؤتمر الثامن لم يكن مجرد محطةٍ تنظيمية عادية، بل لحظة إعادة فرز داخلية حادة، سقطت خلالها أسماء تاريخية، وصعدت وجوه أخرى، في رسالةٍ واضحة مفادها أن فتح تدخل مرحلة مختلفة، وأن “الشرعية التاريخية” وحدها لم تعد تكفي للبقاء في قمة الهرم التنظيمي.
ومع ذلك، يبقى من الظلم اختزال عباس زكي في نتيجة انتخابية فقط.
فالرجل، سواء اختلف معه البعض أو اتفقوا، يبقى واحدًا من أبناء التجربة الفتحاوية الذين حملوا خطاب الحركة لسنوات طويلة، ودافعوا عنها في أصعب المحطات، وكان لهم حضورهم وتأثيرهم في الوعي التنظيمي الفلسطيني.
غير أن السياسة قاسية…
وفي أحيان كثيرة، تأكل أبناءها بصمت.
وربما كانت الرسالة الأوضح التي خرجت من هذه النتيجة هي أن فتح نفسها تتغير، وأن معايير القوة داخلها لم تعد كما كانت، وأن المرحلة القادمة لن تُدار فقط بأسماء التاريخ، بل بمن يستطيع التكيّف مع خرائط النفوذ الجديدة، وإيقاع القرار الجديد، ولغة السياسة الجديدة.
ويبقى السؤال معلقًا فوق رؤوس الجميع:
هل خسر عباس زكي لأن أعضاء المؤتمر لم يعودوا مقتنعين به؟
أم لأن الرجل أصبح خارج التوازنات التي تحكم المشهد الداخلي؟
أم لأن بعض المواقف والتصريحات كانت كافية لإغلاق دفتر حساباته داخل المركزية؟
أسئلةٌ كثيرة…
لكن المؤكد أن خروج عباس زكي من اللجنة المركزية لم يكن مجرد خسارة مرشح، بل كان عنوانًا لتحولٍ عميقٍ يجري داخل حركة فتح نفسها.