آخر الأخبار

مساران لا يلتقيان!

articles_37323_462302673403086_2x

سعد الله مزرعاني

طُرِحت أخيراً جملة أفكار بشأن مآلات الصراع الضاري الراهن، وقبل ذلك، شروط وآفاق استمراره ونتائجه خصوصاً. أمّا التساؤلات، فملخّصها: ماذا بشأن اليوم الثاني؟
يتضمّن المشهد الحالي الكثير مما هو استمرار أو تكرار لما كانت عليه أو انتهت إليه الأمور في مراحل سابقة. ينطبق ذلك على الاتفاق الصادر بعد جولة المفاوضات المباشرة الأخيرة بتاريخ 2 و3 الجاري في وزارة الخارجية الأميركية.

الاتفاق المذكور شديد الشبه باتفاق 17 أيار لعام 1983! قبل، وعلى الأرجح، بعد ذلك الاتفاق، تبدو لوحة توزع الاتجاهات السياسية في لبنان كالآتي:
أولاً، فريق السلطة الذي يوطد ارتباطه بواشنطن ويعقد كامل رهانه على اجتياحها السياسي الشامل للبنان. هو يسدد فاتورة دورها الحاسم في تمكين رموزه من الوصول إلى الحكم.

ثانياً، فريق «انعزالي» ذو تاريخ حافل في العلاقة مع الكيان الصهيوني، وفي التمثّل به، والاستقواء بجيشه ونفوذه، والتعويل على عدوانه المتواصل، خصوصاً في المرحلة الحالية، كما أشرنا في المقال السابق.

ثالثاً، فريق يضم تشكيلة متنوعة من القوى السياسية التقليدية المنخرطة في النظام السياسي التحاصصي الطائفي اللبناني، أبرزها ثنائي «أمل» و«حزب الله». هو يضم كذلك عدداً من القوى الحزبية والسياسية غير التقليدية التي انتظم معظمها في تحالف فاعل حمل، أواسط السبعينيات من القرن الماضي، اسم «الحركة الوطنية اللبنانية».

ثمة طرف رابع أيضاً، يتكوّن من عدد من الأحزاب والشخصيات الوسطية في مواقفها وفي موقعها، وهي لا تتشكل في تيار ثابت أو موحّد.
يتمسّك الفريقان الأول والثاني، بتعريف توجهاتهما بوصفها لبنانية «سيادية» صافية، بخلاف خصومها. مضمون «السيادة» هذه يتلخّص، بعد كل تحليل، في إبقاء توازنات سلطة لبنان ونظام حكمه يراوحان في «الصيغة» التأسيسية: مرتكز طائفي/مذهبي في توزيع السلطة. امتيازات، في القرار والنفوذ، لمصلحة طرف بعينه. علاقة تبعية بالغرب: اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وأمنياً. الربط الوجودي بين النظام والكيان اللبناني نفسه.

يصح القول، إلى حدٍ بعيد، إن الطرفين الأول والثاني ثابتان في توجهاتهما الآنية والمستقبلية.
أمّا الطرف الثالث، فمكوناته على تنوع أو/ وتباين بشأن عدد من العناوين، ما يستدعي التفكير والبحث والتدقيق في السياسات والمقاربات حيال الأولوية المطلقة في هذه الحقبة، والتي تتمثّل في مواجهة العدوان الأميركي/الصهيوني على لبنان وفي المنطقة.
هذا ينطبق، على الفريق المنخرط في منظومة المحاصصة، وعلى الفريق «الوطني» أو اليساري المعارض جزئياً أو كلياً لنظام ولمنظومة الكوتا الطائفية. هذا الأخير حمل لواء التغيير وناضل من أجله. طرح مقاربات وبرامج ذات مضامين جذرية أو إصلاحية بشأن النظام السياسي والحداثة والمواطنة والاقتصاد والوظيفة والدور… إلى علاقات لبنان العربية والدولية. يسجّل له، بين أمور أخرى، أنه خاض تجربة شديدة الأهمية في حقل المقاومة والتحرير، وأنجز الكثير في هذا المجال.

تتواصل الأزمة اليوم. بل هي مرشحة للتفاقم ربما أكثر من السابق. اتفاق واشنطن الثلاثي الجديد، كما أشرنا آنفاً، شديد الشبه باتفاق 17 أيار. الأحرى أن يجري التعامل معه، من قبل رافضيه، وحبذا، أيضاً، من قبل منتقديه ولو جزئياً، كما تم التعامل مع الاتفاق الذي حصل هو الآخر، بضغط من واشنطن وبوساطتها الحصرية، عام 1983!
في السياق، تصبح المراجعة ضرورية، بل إجبارية، خصوصاً في تلك الأزمات العاصفة والخطيرة والمنعطفات والصراعات التي نواجه، وليس فقط بعدها. الأصح أن تكون المراجعة عملية دائمة. ذلك يملي أن تكون، إذاً، جزءاً من الاستراتيجية وفي صلبها: سعياً إلى تحسين الأداء، والتخلّص من الأخطاء، وتقليص الخسائر والأعباء.

في تجارب حركات التحرير الشعبية، ينهض الكفاح التحرري الشعبي ضد أحد عدوّين أو ضد كليهما معاً:
الأول، داخلي، إذ يكون الهدف هو مقاومة الظلم والاستبداد، وبالتالي إزاحة سلطتهما والإتيان بسلطة جديدة.
الثاني، ضد عدوان خارجي تعجز سلطة البلد المستهدف عن القيام بواجبها في التصدّي له.
يصادف، في حالة ثالثة، أن تكون سلطة ذلك البلد متواطئة مع المعتدي.
في كل الحالات المذكورة تطرح مسألة السلطة من الباب العريض. نماذج عدة، أبرزها في الجزائر وفيتنام، وكثير من البلدان، تحولت فيها المقاومة إلى سلطة عندما أنجزت مهمتها أو أثناء إنجازها.

لبنان نموذج خاص في ذلك، رغم أنه أقرب إلى الحالة الثالثة، حيث تتواطأ السلطة، بشكل خطير، مع المعتدي وداعميه. لكن ينبغي ملاحظة أن المقاومة الوطنية («جمول» 1982) لم تطرح مسألة الوصول إلى السلطة كهدف أساسي (أحد أطرافها الأساسية «كوفئ» بالإقصاء الدائم) رغم أن التحرير والتغيير وردا في بيانها التأسيسي. أمّا المقاومة الإسلامية، فلم تكن بعيدة من السلطة في مرحلتي الإدارة السورية، وخصوصاً بعد الانسحاب السوري. هي انخرطت في مؤسستي التشريع والتنفيذ في العقدين الأخيرين، مع استبعاد كامل لأي مشروع تغيير أو إصلاح. استمرّ هذا الأمر حتى الحكومة الحالية، حيث فُرضت عليها، وعلى حركة «أمل»، مشاركة رمزية بسبب تعاظم الوصاية الأميركية على مراكز القرار التنفيذي، ونسبياً التشريعي، في السلطة.

المخاطر الكبيرة والاستثنائية الحالية تملي ضرورة البحث والمراجعة دون تأخير. العدو المحتل يواصل وحشيته دون حدود. هو موجود في جزء من الجنوب. وهو، عبر راعيه الأميركي، موجود في الداخل أيضاً. وهما والأتباع وفي السلطة وفي الإقليم، يخوضون حرباً شاملة للسيطرة على لبنان وتصفية ماضيه وحاضره المقاومَين خصوصاً. المعركة ليست عسكرية فقط وإن كان الشق العسكري هو الأكثر تأثيراً لمنع العدو وداعميه من تحقيق أهدافهم عبر الآلة التدميرية الإبادية الإرهابية المباشرة.

يستدعي ذلك نقاشاً في العمق للتعامل مع هذا الوضع المعقد، وما يترتب عليه من مخاطر جمة ومسؤوليات كبيرة. أول ما يتبادر إلى الذهن ضرورة قيام أوسع جبهة وطنية للتصدي للمعتدي وشركائه والمتواطئين. كيف يكون ذلك: من هم أطرافها؟ ما هو برنامجها؟ هذا ما سيكون مادة المقال المقبل.
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة