محمد فضل الله
كتبتُ قبلاً عن تطرّف اليهود الشرقيين وفاشيتهم ودمويتهم الجرائمية كأداة لنفي مشرقيتهم وتثبيت انتمائهم إلى دولة تُعتبَر أوروبية أو غربية؛ ما لم يكن في حسبان اليهود الشرقيين هو أنّ تطرّفهم هذا تحديداً سيصبح تكريساً أكثر لمشرقيتهم وعروبتهم: ما اعتَبروه وسيلة للخلاص يحيلهم إلى أزمة أعمق لا يَملكون أي قدرة ثقافية أو فكرية على معالجتها.
خلال الأسابيع القليلة الماضية هناك حدثان سرّعا وتيرة ما كنتُ أَعتقد قبلاً أنه سيأخذ عقوداً ليَتبلور: نشْر كتاب عومير بارتوف «إسرائيل: ما الخطأ الذي وَقع؟»، وردود الفعل على الفيديو الاستعراضي لإيتمار بن غفير.
غالبية ردود الفعل «التقدمية» على كتاب بارتوف كانت ناقدة لاعتباره أن إسرائيل بَدأتْ كمشروع تقدّمي حقيقي، لكن تغيّرات حلّتْ لاحقاً أدّتْ إلى تدهور هذا المشروع أخلاقياً. الردود ركّزتْ على أن إسرائيل منذ نشأتها هي كيان استعماري استيطاني إبادي. لكنّ هناك أمراً واضحاً من معمعة بارتوف وكتابه (واضح أنه موجّه إلى الجمهور الغربي) هو أن الأوساط الفكرية في الولايات المتحدة تجد أنه لم يعد في الإمكان إنقاذ الصهيونية كمشروع مكتمل، وأن المطلوب اليوم هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، صهيونية مبتورة في أحسن الأحوال.
ذلك أن الأجواء الأكاديمية في إسرائيل والولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن (أكثر رئيس تقدّمي ومؤيّد للنقابات العمالية) كانت تَعتبر ما يَجري في قطاع غزة سيتمّ التعامل معه لاحقاً ببهلوانيات وإدارة نصوص تميّع في ما جرى وتعود الصهيونية مشروعاً أخلاقياً «كما كانت». لكنّ مسار الأمور تَعقّد، إذْ بدا كما لو أن إسرائيل نفسها لا تريد أن تَحتفظ بصورتها التقدّمية، وهذا ما جعل التقدّمي الأميركي يَحار في إيجاد طريقة مناسِبة للتعامل مع الأوضاع.
يبدو أن الإجماع بدأ يستقرّ على أن إسرائيل الأشكينازية (المؤسّسين الأوائل والمنظّرين للدولة) هي إسرائيل الجيدة التقدّمية، لكنّ انضمام اليهود الشرقيين إليها أدّى إلى تدهورها الأخلاقي. بارتوف لا يقول ذلك صراحة، لكنّ رئيس الوزراء السابق يهودا باراك يتبنّاها صراحة، وهو يريد أن يَستبدل «الغوغاء» الشرقيين بمجتمعات من روسيا يتمّ تحويلهم إلى اليهودية بعد تسهيل شروط اعتناق الديانة اليهودية (وهي شروط مُعقّدة)؛ كما لو أن ما قالته حنا أرندت بقي ناموساً لإسرائيل: اليهود الألمان هم الصفوة الحضارية، اليهود الغاليسيون من أوروبا الشرقية هم أقل شأناً، ثم الغوغاء فاليهود الشرقيون. مجرد القول بأن إسرائيل بَدأتْ كمشروع حضاري ثم تدهور أمرها يصبّ بشكل مباشر أو غير مباشر في نظرية أن تزايد حضور اليهود الشرقيين في المناصب القيادية هو سبب تخلّف إسرائيل.
تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها في الإعلام العالمي على أنها المدافِعة عن الحضارة الغربية الأوروبية، وعدم وجود إعلام مقابل يفكّك هذه الرواية من منطلق هوياتي تاريخي، يَجعل الكثير من «الغربيين» يتبنّون هذه الرواية. أخيراً، أخبرني أحد الأصدقاء الأكاديميين من أوروبا الغربية أن والده المحافِظ والذي لا يَعرف شيئاً في السياسة قال له إن إسرائيل دولة حضارية، لكنّ اليهود الشرقيين هم الذين يدفعون بها إلى التخلّف؛ يذكّرنا ذلك بإرنست نولتي حين وَصَف أفعال أدولف هتلر بأنها «أفعال آسيوية».
أخيراً، أخبرني أحد الأصدقاء الأكاديميين من أوروبا الغربية أن والده المحافِظ والذي لا يَعرف شيئاً في السياسة قال له إن إسرائيل دولة حضارية، لكنّ اليهود الشرقيين هم الذين يدفعون بها إلى التخلّف؛ يذكّرنا ذلك بإرنست نولتي حين وَصَف أفعال أدولف هتلر بأنها «أفعال آسيوية»
لذلك يبدو أن الاتجاه حالياً وبعد أن أصبح من المتعذّر الدفاع عما ارتكبته إسرائيل في قطاع غزة هو القول بأنها «أفعال آسيوية»: إذا كان إرنست نولتي قادراً على وصْف ما فعله أدولف هتلر بأنها أفعال آسيوية، وهو الألماني النمسَوي الآري الذي لا تشوبه شائبة غير أوروبية غربية وشمالية، فما بالك إذا كان الآسيوي، أي اليهودي الشرقي، موجوداً فعلاً ولا يَحتاج إلى فذلكات فكرية لاختلاقه. أي إن الإبادة في قطاع غزة ستصبح بحسب الأوساط الفكرية الغربية «تكنولوجيا أشكينازية أوروبية، وبربرية سفاردية آسيوية».
هنا يَأتي فيديو بن غفير: من ناحية، غباؤه الواضح، ومن ناحية، تُلفِتكَ سرعة ردود الفعل الأوروبية وفرض عقوبات عليه؛ قادة الاتحاد الأوروبي وَجدوا في بن غفير ضالّتهم، أزمة إسرائيل الأخلاقية هي العرب والشرقيون الذين فيها، أي نفس مشكلة الاتحاد الأوروبي بحسب تفسيرهم، الهجرة من الدول المتخلّفة. وجود جنسيات أوروبية بين المعتقَلين لا يفسّر السرعة والحماسة اللتين أبداهما قادة الاتحاد الأوروبي ضد بن غفير؛ آرون بوشنيل أميركي إنكليزي أبيض يَنتمي إلى الجيش ولم يَكترثوا له كلياً. بن غفير يؤمّن لقادة الاتحاد المادة التي تتطابق مع النظريات العنصرية العرقية التي يتبنّونها وتريحهم في مواقفهم السياسية، يهودي شرقي عربي عراقي.
إذا استمرّ هذا المسار وتبنّت النخبة الأشكينازية في الولايات المتحدة هذا الاتجاه حيث تَعترف ببربرية إسرائيل لكنها تُحيلها إلى السفارديين فسيكون ذلك تطوراً مفصلياً في تاريخ منطقتنا: نحن لا نتحدّث هنا عن نقد تقدّمي أميركي لإسرائيل، بل عن فاشيين عنصريين أميركيين كانوا صهاينة يَعتبرون إسرائيل دولة أوروبية غربية ثم تخلّوا عن الصهيونية لأنها لم تعد أوروبية عرقياً وخالطها الكثير من الشرقيين. هذا ليس خبراً ساراً بالنسبة إلينا بالضرورة، إذْ ما سيتغيّر هو نظرتهم إلى إسرائيل، لكنهم سيبقون على استخدامهم لها، كل ما هنالك أنها ستصبح بالنسبة إليهم كياناً وظيفياً كآل سعود أو الأكراد؛ احتقارهم لا يَعني عدم استخدامهم.
مثلاً «شرقنة» إسرائيل ستحدّ من قدرتنا على نقد التنوير الأوروبي الغربي باعتباره مسؤولاً عن الإبادة في قطاع غزة، فالمسعى سيكون أن الإبادة هي فعل شرقيين ضد شرقيين آخرين. علينا أن نكون حذرين منذ الآن من احتمال أن تتمكّن النخبة الغربية من التملّص من الإبادة في قطاع غزة، لأنه قد يترتّب على ذلك الدخول في أتون حروب جديدة من نوع مختلف ستتطلّب منا وقتاً ثميناً حتى نفهم طبيعتها.
للأسف لم نتمكّن من خلق هويات جديدة في إسرائيل أو التدخل في النسيج المجتمعي الإسرائيلي، هذا الخلل الذي لم أتمكّن يوماً من فهم سببه الحقيقي؛ الحديث عن المتديّنين اليهود لم يتبلور كخرق سياسي اجتماعي بعد، لكن في العموم الهوية تاريخياً هي إمّا دينية أو إثنية أو جغرافية. لم يكن هناك يوماً صراع بين متديّنين وغير متديّنين، نعم هؤلاء يتوزّعون على أطراف سياسية متحاربة، كما في الثورة الفرنسية أو المكسيكية أو الحرب الأهلية الإسبانية، لكنّ التديّن وعدمه بحدّ ذاتيهما ليسا هوية، لذلك لا يجب التعويل السلبي على الحريديم. حنا أرندت، عومير بارتوف، يهودا باراك، وإيتمار بن غفير، يعطوننا فكرة أفضل عن التحوّلات وعما يمكن فعله أيضاً.
على كلّ يبدو أن الموجة التي أطلقتْها الاستعادة (Restoration) (سنوات جو بايدن الأربع تشبه سنوات الاستعادة الملكية المؤقّتة في فرنسا وأوهامها) التي بَدأتْ في أوكرانيا وانتقلت إلى الشرق الأوسط، والتي كانت مبنيةً على توظيف المكتبة البحثية الهائلة للولايات المتحدة من أجل جعْل الأوكران والإسرائيليين والتايوانيين يقاتلون مباشرة ضد خصوم الولايات المتحدة الرئيسيين بدل أن ترسل هي جيوشها (قدرة الجامعة الأميركية على إغراق مجتمع ما في أوهام لا قرار لها)، ونحن معنيون بإعادة قراءة شاملة حتى على المستويات الفلسفية.
إذا استمرّتْ إيران في صمودها فإنها ستكون قد أَنقذت العالم وليس إيران أو الشرق الأوسط فحسب من المدّ الإمبريالي الأميركي، والصين أول مَنْ يجب أن يعوّض على إيران، كون صمودها مَنَع الحرب في تايوان (على الأقل حتى اللحظة). التوحّش الأميركي ليس بالضرورة دليلاً على أن أميركا قادرة على استعادة قواها الإمبراطورية السابقة، فجرائم الدولة العثمانية كانت تزداد فظاعةً مع وضوح تراجعها.
* باحث