علاء اللامي
تطوران مقلقان ومهمان جدّاً آخر ساعات على المسار القضائي الدولي الخاص بقضية الإبادة الجماعية التي يواصل ارتكابها جيش الكيان الصهيوني في مدن وقرى قطاع غزة من تشرين الأول\أكتوبر 2023 وحتى الآن. وقد دخلت هذه الحرب منذ أشهر قليلة طوراً خطيراً يتعلق بتنفيذ مخططات التهجير الجماعي والتطهير العرقي للناجين من هذه الحرب تحت ستار تطبيق ما يسمى «خطة ترامب للسلام»، ووسط تعتيم إعلامي دولي وعربي ومحاولات مستمرة للتقليل من خطر مخطط التهجير، وخصوصاً من قبل الحكومتين المصرية والتركية اللتين اعتبرتاه يدخل في باب المناورات الانتخابية لنتنياهو في حين يستمر شعب غزة في عيش مأساة الإبادة يومياً دونما أفق يوحي بنهايتها.
الجنائية تطيح بكريم خان
التطور الأول هو صدور قرار من المحكمة الجنائية الدولية بتعليق مهمات المدعي العام كريم خان بعد مزاعم بثبوت وجود أدلة لدى لجنة التحقيق الخاصة على قيامه بـ«التحرش والسلوك الجنسي غير التوافقي مع إحدى مساعداته» خلال مهمات عمل. كما وجهت إليه اتهامات إضافية بأنه انتقم من موظفين أبلغوا عنه في البداية. القرار بتعليق مهمات خان جاء مؤقتاً في انتظار أن تصوت جميع الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية وعددها 125 دولة، لاتخاذ القرار النهائي وحسم مصيره. وكان كريم خان قد تنحى طوعياً منذ عام تقريباً كي يأخذ التحقيق مجراه.
فريق الدفاع عن خان أصر على نفي الاتهامات كافة، مؤكداً أنه لم يقم بأي «استغلال للمنصب أو بسلوك قسري». وكانت لجنة قضائية مستقلة مؤلفة من ثلاثة قضاة -اختارتهم اللجنة التنفيذية في المحكمة الجنائية نفسها لإجراء تقييم قانوني للنتائج- قد رأت أن «التحقيق لم يكن حاسماً بما يكفي لإصدار حكم إدانة قطعي». ومع ذلك فقد صدر قرار تعليق المهمات بطريقة تثير الريبة. وكان خان قد اتهم التحقيق باكراً بأنه ذو دوافع سياسية انتقامية، وأنه تلقى تهديدات صريحة باستهدافه شخصياً من قبل إسرائيل وروسيا. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد اتهمت الرئيس الروسي بوتين بارتكاب جريمة حرب الترحيل والنقل غير الشرعي لسكان من مناطق محتلة في أوكرانيا إلى روسيا. وأصدر خان مذكرة اعتقال بحقه أيضاً، وردَّت روسيا بالحكم على خان غيابياً بالسجن لمدة 15 عاماً.
هذا التطور الخاص بالمدعي العام للمحكمة الجنائية لا بد أن يترك تأثيراً سلبياً قد يكون مؤقتاً وإجرائياً على الأرجح في القضية الأصلية، قضية اتهام قادة في الكيان الصهيوني بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وكان سبباً في انتشار مشاعر الإحباط والحزن في أوساط ضحايا حرب الإبادة الصهيونية في فلسطين.
جنوب أفريقيا تطلب التأجيل
التطور الثاني، وقد يكون الأهم، هو طلب دولة جنوب أفريقيا تأجيل النظر في قضية الإبادة الجماعية ضد الكيان أمام محكمة العدل الدولية لمدة 18 شهراً.
فُهِمَ من حيثيات هذا الخبر وخلفياته كما نشرت في وسائل إعلام أجنبية وعربية أن الطلب الجنوب أفريقي يتعلق بأمر إجرائي وإداري بحت، ولا يتضمن التنازل عن الدعوى أو إسقاط التهم عن الكيان أو حتى إيقاف سريان التدابير الخاصة المؤقتة الملزمة التي اتخذتها المحكمة في عام 2024 ضد إسرائيل.
جاء هذا الطلب الجنوب أفريقي بعد أن لجأت إسرائيل إلى إغراق المحكمة بردودها ومستنداتها على اتهامات دولة جنوب أفريقيا لها، حيث جاءت الردود الإسرائيلية في أكثر من أربعة آلاف صفحة، وفيها ردود تقنية وملاحق فنية معقدة ومفصلة. فطلبت جنوب أفريقيا مهلة 18 شهراً، أي سنة ونصف، لدراسة ردود إسرائيل والرد عليها كتابياً. وبناء على هذا الطلب مدَّدت العدل الدولية الجدول الزمني في القضية ككل ليكون يوم 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2027 هو الموعد النهائي الجديد لجنوب أفريقيا لتقديم ردها.
وكانت المحكمة قد وافقت على طلب تأجيل إسرائيلي مرتين؛ مرة من تموز-يوليو 2025 إلى كانون الثاني/يناير 2026 ثم مدَّدته حتى آذار/مارس 2026. وأخيراً منحتها مهلة جديدة لمدة 18 شهراً أخرى بقرار غريب وغير معلل جيداً لتقديم تعقيبها النهائي. وبهذا ستستمر فترة التأجيلات بمجموعها إلى 36 شهراً، أي ثلاث سنوات، تنتهي في حزيران 2029 وسيكون هذا آخر تأجيل يُسمح به لتبدأ بعده مرحلة الجلسات والمرافعات الشفهية النهائية. ولكن مجموع مدة التأجيلات يبقى يثير الحيرة والتساؤل نظراً إلى غموض الطريقة التي جرى بها احتساب المُدد. ونأمل ألا يكون الفريق القانوني الجنوب أفريقي قد وقع في كمين إجرائي معدّ بدهاء لإدخاله في لعبة التأجيلات.
من الجدير بالذكر أن جريدة «الغارديان» البريطانية كانت قد أشارت قبل بضعة أشهر في تقرير لها بقلم مراسلها الدولي جوليان بورغر، إلى أن المقرر أصلاً هو أن تقدّم إسرائيل ردها على تهمة الإبادة الجماعية التي وجهتها جنوب أفريقيا في شهر تموز/يوليو من العام الماضي، لكن المحكمة منحت محاميها تمديداً لمدة 6 أشهر، وذلك لأن هيئة المحكمة المكونة من 17 قاضياً قبلت حجة إسرائيل بأنها احتاجت إلى أكثر من 9 أشهر لإعداد قضيتها.
تكتيك إسرائيلي للتسويف والتشتيت
حينها، احتج الفريق القانوني الجنوب أفريقي على هذا التسويف. وجادل بأن الحجج التي قدمها المحامون الإسرائيليون لم تكن سبباً مشروعاً للتأخير، وأن إطالة أمد القضية أمر غير مبرر في ضوء حالة الطوارئ الإنسانية الصعبة التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان في غزة. لكنَّ المحكمة انحازت إلى إسرائيل، التي أصبح لديها مهلة حتى يناير/كانون الثاني من العام الجاري لعرض قضيتها. وقد علقت جولييت ماكنتاير، المحاضرة البارزة في القانون بجامعة جنوب أستراليا على قرار المحكمة هذا بالقول: «أعتقد أن محكمة العدل الدولية حذرة جداً بسبب المناخ السياسي وأن القضاة فيها لا يريدون أن يُتَّهموا بتجاهل الحقوق الإجرائية لإسرائيل والتوصل إلى أنها ارتكبت إبادة جماعية دون منحهم فرصة كاملة للرد».
كل ما تقدم لا يخفي أن هذا التكتيك الإسرائيلي مكشوف تماماً لدى المراقبين الدوليين لكونه يتعمّد التسويف والتشتيت والإبطاء لتأكد قادة الكيان من حتمية الإدانة التي ستنتهي إليها المحاكمة ولو بقليل من النزاهة والاستقامة. وعلى هذا، فلا تملك جنوب أفريقيا سوى التعامل مع هذا التكتيك وعدم التنازل عن القضية وتحصين مرافعاتها وردودها على الدفاعات الإسرائيلية بجدية وفطنة قانونية عُرفت بها. كما أن التدابير المؤقتة الملزمة الصادرة عن المحكمة في عام 2024 ضد إسرائيل لا تزال سارية المفعول بالكامل، ولم يطرأ عليها أي تغيير.
التدابير المؤقتة السارية
نظراً إلى أن الإجراءات الرئيسية في هذه المحاكمة قد تستغرق وقتاً أطول من المتوقع، كانت المحكمة قد أمرت، بناء على طلب مقدّم من الفريق القانوني الجنوب أفريقي ومسانديه دولياً، باتخاذ عدة تدابير طارئة ملزمة قانوناً لدولة إسرائيل طوال مدة المحاكمة، ومهما طالت هذه المحاكمة. وتتمثل الالتزامات الرئيسية التي حددتها المحكمة في الأمور الآتية:
– منع أي عمل من أعمال الإبادة الجماعية وهذا الأمر يدخل في باب تسجيل الحجة والموقف، أكثر مما هو قابل للتحقيق؛ إذ كيف يمكن أن يؤمر الطرف المتهم بارتكاب إبادة جماعية بمنع حدوثها. وهناك من يرى أن هذا الأمر موجه بشكل عام إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وإلى هيئات الأمم المتحدة ذات الاختصاص لتقوم بدورها التضامني مع المحكمة.
– اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتجنب ارتكاب أعمال تندرج تحت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وهذا البند لا يختلف كثيراً عن سابقه ولكنه أكثر تخصصية.
– تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان إقليم غزة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية الأساسية والخدمات الضرورية بشكل فوري ودون عوائق. وقد ظل هذا الأمر حبراً على ورق يتحكم فيه الجيش الذي يرتكب الإبادة الجماعية نفسه بمختلف الأساليب ومنها التجويع والتدمير المنهجي لما تبقى من بنية تحتية ومفاقمة التلوث البيئوي وانعدام أي مرافق صحية يعتد بها.
– حفظ الأدلة ومنع إتلاف تلك المتعلقة بادعاءات ارتكاب أعمال محظورة بموجب الاتفاقية وضمان حفظها.
– تقديم التقارير الدورية من قبل دولة الاحتلال المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية إلى المحكمة توضح بالتفصيل جميع التدابير المتخذة لتنفيذ هذه الأوامر.
تأجيلات بانتظار رحيل الوحش
بالعودة إلى نقطة منح المحكمة هذه المهل الطويلة للطرفين، المدعي الجنوب أفريقي ودولة العدو، نجد أنه من غير الممكن تفادي الشكوك في أن المحكمة بمنح هذه المهل الطويلة قد خضعت للضغوطات الأميركية والصهيونية العالمية. وربما تكون جنوب أفريقيا نفسها قد تعرضت لضغوطات أو تهديدات في ما يخص بعض ملفاتها الداخلية كتلك التي يتهمها بها ترامب بخصوص ممارسة التمييز والاضطهاد لأصحاب الأراضي البيض الذين لجأ العشرات منهم إلى الولايات المتحدة وبدأت إدارة ترامب بفرض سلسلة إجراءات عقابية ضد جنوب أفريقيا.
أو أن جنوب أفريقيا لم تجد حلاً آخر أمام طوفان الوثائق والمستندات الإسرائيلية التعقيبية غير التمسك بالدعوى وطلب مهلة لدراسة الرد الإسرائيلي بعد أن لاحظت تساهل المحكمة مع الطرف الإسرائيلي والانحياز لمصلحته إجرائياً. ومع ذلك فقد كان ينبغي أن تطلب جنوب أفريقيا مهلة أقصر من 18 شهراً.
فكرة أخرى لا يملك المرء إلا التفكير بها، وهي أن من المرجح أن تكون المحكمة، وحتى جنوب أفريقيا، تحاولان من خلال هذا التأجيل تفادي عقوبات إدارة الرئيس الهائج دونالد ترامب والمندفع في الدفاع عن دولة الإبادة الجماعية اندفاعاً صريحاً ولا أخلاقياً بالكامل، وهما تحاولان أن تصلا بالمرافعات النهائية بعد أن يغيب ترامب من المشهد إثر انتخابات 7 تشرين الثاني 2028.
لقد جاءت ردود الفعل على طلب جنوب أفريقيا هذا التأجيل غاضبة وحزينة شعبياً فلسطينياً وعربياً. ووجهت منصات التواصل الاجتماعي موجة نقد ولوم وعتاب إلى جنوب أفريقيا. ويمكن تفهّم الجزء الأكبر من هذه الموجة في ضوء الوضع المأساوي الخطير الذي يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة بعد أن تخلى عنه الجميع تقريباً، ولكن تبقى مقاربة حقيقة ما جرى أجدى وأكثر فاعلية لمصلحة هذا الشعب العصي على الهزيمة والاندثار كطائر العنقاء (الفينيق) الأسطوري الذي ينبعث حياً وقوياً من رماده.
وفي هذا الإطار يمكن اعتبار تصريح القيادي في حركة حماس باسم نعيم الذي قال فيه: «نستهجن بشدة طلب جنوب أفريقيا تأجيل قضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية لمدة 36 شهراً»، متسرّعاً وغير دقيق لناحية المدة، ولكنني أتفهم تماماً مشاعر الحزن وخيبة الأمل التي تسبب بها هذا التأجيل. غير أن ما يخفف من هذه المشاعر هو أن إدانة الكيان الإبادي وقادته المجرمين آتية لا ريب فيها وإلا ستلعن جميع شعوب الأرض الشاهدة على إبادة الفلسطينيين في غزة هذه المحاكم وجميع الهيئات والمؤسسات والقوانين الدولية والحكومات الغربية، وفي مقدمتها حكومة الولايات المتحدة المتواطئة مع المجرمين الإباديين الصهاينة والمدافعة عنهم لعنة أبدية لا فكاك منها!
* كاتب عراقي