آخر الأخبار

محاكمة فرنسا: ريما حسن ترافع

2

أيهم السهلي

تستحقّ ريما حسن النائبة في البرلمان الأوروبي الاهتمام والدفاع عنها في ظل الحملة الشرسة التي تطاولها في فرنسا اليوم، حيث ستخضع للمحاكمة أمام محكمة باريس في الدائرة السابعة عشرة في السابع من الشهر الجاري، هذه المرة بتهمة «تمجيد الإرهاب عبر الإنترنت» بسبب «بوست» أشارت فيه إلى كوزو أوكاموتو أحد منفّذي الهجوم الذي استهدف مطار اللد عام 1972، وهو منشور حُذف لاحقاً.
لكنها خلال العامين الماضيين، تعرّضت لنحو 16 تحقيقاً، سقطت منها 13 قضية بالفعل. المرة الأولى كانت في نيسان 2024، وفي نيسان 2025 خضعت لاستجواب دام أكثر من 11 ساعة متواصلة.

عدا تهمتها الحالية، تعرّضت لشكاوى واتهامات مُضحِكة، إحداها تتعلّق باقتباس للفرنسي المناهض للكولونيالية فرانز فانون. وشكوى أخرى بسبب نشرها أبياتاً من قصيدة «بطاقة هوية» للشاعر الفلسطيني محمود درويش: «سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى، أنا لا أكرهُ الناسَ، ولا أسطو على أحدٍ، ولكنّي… إذا ما جعتُ، آكلُ لحمَ مغتصبي، حذارِ… حذارِ… من جوعي، ومن غضبي».

في تهمة أخرى موجّهة لريما حسن، هي مقابلة لها مع «لو كريون» الفرنسية، اجتزأتها القناة ونشرت مقطعاً صغيراً، جعلت ريما تبدو كأنها قالت العبارة التالية: «إن أفعال حماس مشروعة». تمّت مطالبة القناة بنشر المقابلة كاملة، لكنها رفضت، فساهمت بشنّ حملة واسعة ضدها قادتها شخصيات قريبة من إسرائيل، أو فرنسية إسرائيلية. ولمّا حاولت ريما توضيح ما قالته، اتُّهمت بنواياها، بأنها حتى وإن كان ما بثّته القناة مفبركاً، إلا أنه يعبّر عن ريما.

ما سبق كان مقدّمة لما يلي:
تخضع شابة فرنسية من أصول فلسطينية اسمها ريما حسن للمحاكمة بسبب موقفها السياسي المتضامن مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهذا موقف يتبناه ملايين حول العالم، والآلاف من الشخصيات السياسية والقانونية والأكاديمية في أوروبا وأميركا.
لا تحاكم ريما لشخصها فقط، بل لتكون عبرة للأجيال الفلسطينية الجديدة في أوروبا، التي تركت مخيماتها في سوريا ولبنان ووصلت إلى أوروبا لتستقر فيها، كما ريما التي ولدت في مخيم النيرب في حلب شمالي سوريا سنة 1992.

تمكّنت والدة ريما من الوصول إلى فرنسا لتستقر فيها في تسعينيات القرن الماضي، وانتظرت سنوات حتى تمّ لمّ شمل عائلتها. فوصلت ريما إلى فرنسا سنة 2001، ونالت الجنسية الفرنسية بعد ثماني سنوات. نالت الماجستير في القانون الدولي والمنظمات الدولية من جامعة بانتيون-سوربون سنة 2016، وبدأت إعداد دكتوراه حول «القانون الواجب التطبيق في مخيمات اللاجئين»، بالتوازي مع عملها في المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والعديمي الجنسية. وحتى سنة 2023، شغلت منصب مقرِّرة في المحكمة الوطنية لحق اللجوء. وفي حزيران 2024 ترشّحت إلى البرلمان الأوروبي عن حزب «فرنسا الأبية» اليساري.

أوروبيون فلسطينيون

الخشية من ريما، وأمثالها، أن يكونوا نموذجاً يتكرّر في عواصم أوروبية أخرى في السنوات المقبلة، فيصل أشخاص من أصول عربية أو فلسطينية إلى مواقع متقدّمة في سلّم الحياة السياسية الأوروبية، ويكونون صوتاً عالياً في المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو على الأقل منبّهين الرأي العام إلى ما يحدث في الطرف الآخر من المتوسط.
هؤلاء تنظر إليهم بعض الدول بوصفهم استثماراً في مستقبلها الصناعي والاقتصادي، لا السياسي، وتريدهم أن يكونوا على صورة سياساتها في منطقة الشرق الأوسط.

لكن ريما وأمثالها خالفوا التصوّر الحاضر والمستقبلي. فباتوا يرفعون الصوت في المحظور السياسي الغربي، وهو إسرائيل. وباتت أعداد المتضامنين معهم ومع قضيتهم تزداد، بسبب الفعل الإسرائيلي الفاجر في غزة الذي أنطق حتى الصامتين، فلم تعد تنفع محاولات القمع المستمرة لكل من يتضامن مع فلسطين، أو من يرفضون القتل في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967.

ريما حسن في فرنسا، ومحمود خليل في الولايات المتحدة، وأمثالهم الذين نعرفهم ولا نعرفهم، يُعاقبون بسبب أفعالهم التي لم تتجاوز حدود التعبير عن الرأي في إدانة إسرائيل. وهذا العقاب كشف وجهاً غربياً لم يكن مخفياً تماماً، لكنه كشّر عن أنيابه في وجه أصوات كانت تظن أن بإمكانها أن تتكلّم، ليتأكد العكس، أن بعض الكلام يُحرِج الدولة البوليسية في الغرب التي تلاحق الرأي وتقمعه.
ستنقصُ مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في فرنسا «الحرة» بعد محاكمة ريما حسن خلال أيام، والمفارقة أن فرنسا عادة ما تشنّ حملات ضد دول تقمع وتكمّم الأفواه، لكنها اليوم تفعل ذلك إرضاءً لغيرها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة