أسعد أبو خليل
مقدّمةٌ لا بدَّ منها. ليس هذا أوّل اتفاق لبناني – إسرائيلي. كان العرب والإسرائيليون يقولون دوماً: لبنان سيكون أولَ دولة عربية تعقد اتّفاق سلام مع إسرائيل. لم يكن ثمّة استغراب لهذا القول، لِما كان هناك من علاقات ليست سريّة للغاية بين زعامات لبنانيّة وصهاينة منذ الثلاثينيّات. لبنان استضاف صحافة صهيونيّة قبل إنشاء الدولة، وكتاب بدر الحاج، «الوثائق السريّة للاحتلال الفرنسي» – المجلّد الثاني، كشف الكثير عن شراء الصحف والمجلّات من قِبل الصهاينة وضخّ معادة القضيّة الفلسطينيّة من قلب لبنان والمهاجر. السببُ الذي منعَ سبْق لبنان على غيره من الدول العربيّة في عقْد اتّفاق سلام، هو الديمقراطيّة النسبيّة التي يتمتّع بها (على نواقصها وعيوبها الكثيرة).
ليس من مُتسلّطٍ لبناني يستطيع أن يفرض على الشعب حبّ إسرائيل وقبولها. الطاغية السادات سبق لبنان وسبق باقي الدول العربيّة في فرْض السلام مع إسرائيل وتبِعه كثيرون. بعضهم، مثل الإمارات، فعلَها من دون ضغط أميركي ومن دون مغريات ماديّة (كما في مصر): الحاكم الإماراتي كان ينشدُ تحويلَ بلده إلى إسبارطة مُلحقة بنظام الإبادة الإسرائيلي. البطريركية المارونية (وليس فقط مطرانيّة بيروت للموارنة) تحالفت مع إسرائيل، ووقّعت معها اتفاقاً رسمياً نصَّ على «اعترافٍ (من الكنيسة المارونيّة) بمطالب الشعب اليهودي في إقامة دولة مستقلّة في أرض إسرائيل وإقامة دولة مستقلّة في لبنان، ذات طابع مسيحي، ومن المُزمع للكنيسة أن تتسلّم فيها السلطة» (بالحرف). البطريرك عريضة وقّع الاتفاقية مع برنارد جوزيف ممثّلاً لحاييم وايزمان.
وفي 30 أيار، أعاد توقيع الاتّفاقيّة توفيق عوّاد، ممثِّلاً للبطريرك عريضة وبرنارد جوزيف. وحزب الكتلة الوطنية، بشخص مؤسّسه إميل إدّه (الذي أحرقت عائلته أوراقه الخاصّة بعد وفاته ستراً للفضيحة الصهيونية)، اعتنق قضية الصهاينة وقدّم شهادة لصالحهم. وإدّه هذا، اقترح على إسرائيل أن تقوم المعارضة في لبنان في عام 1948 بانقلاب على الحكومة، في حال قام الجيش الإسرائيلي باحتلال «أراض واسعة من جنوب لبنان حتى صور وصيدا».
لكن كلّ مفاصل التحالف مع إسرائيل أو التنسيق العلني أو السرّي معها، كان يعكس تغييراً في موازين القوى. إن انتقال العلاقة مع إسرائيل، من قِبل الدولة أو أحزاب، من السرّ إلى العلن، كان يعكس تغييراً جذريّاً في موازين القوى الداخلية أو الخارجية أو الاثنَين معاً. وفاة عبد الناصر مثلاً، عزّزت موقف الدولة اللبنانية في اتّخاذ إجراءات ضدّ المقاومة الفلسطينية. كان وجود عبد الناصر رادعاً في حدّ ذاته. كما أن توقيع اتّفاق القاهرة في عام 1969، كان نتيجة الوزن الكبير الذي مثّله عبد الناصر في السياسة العربية.
هو الذي رمى بثقْله في دعْم قائد الجيش، إميل بستاني، لتوقيع الاتفاق. وفي عام 1948، استطاع قائد الجيش المؤسِّس، فؤاد شهاب، أن يفرض حالة من الوئام والتنسيق بين جيش لبنان والجيش الإسرائيلي (أبعد بكثير من الهدنة) بسبب التفوّق العسكري الإسرائيلي بعد النكبة. وإمعاناً في تكريس الودّ بين الجيشَين، وافق فؤاد شهاب على إجراء مباراة كرة قدم «وديّة» بين الجيشَين في حزيران 1949، وفاز فيها جيش العدو بنتيجة 2-1. هذا تاريخ لبنان غير المُدرَّس.
واجتياح 1982 فرض تغييراً كبيراً في موازين القوى الداخلية بسبب: 1) ترحيل قوى منظّمة التحرير من لبنان بالقوّة، 2) تفوّق إسرائيل العسكري في المواجهات ضدّ القوى اللبنانية والفلسطينية. لم يكن ممكناً في مرحلة سابقة أن تستطيع إسرائيل أن تفرض رئيساً للجمهوية على لبنان. إن ورود ترشيح بشير الجميّل قَبل الاجتياح، كان مبنيّاً على توقّع الاجتياح وتغيير ميزان القوى الذي سيليه. ترشيح رئيس جمهورية من حزب الكتائب قبل الحرب، كان يُصوَّر دوماً على أنه عمل استعراضي أو تسجيل موقف فقط. لم يُؤخذ ترشيح بيار الجميّل يوماً على محمل الجدّ.
وفي السبعينيّات، كان النظام اللبناني (بسبب قوة سليمان فرنجية السياسية) يحاول جاهداً أن يستخدم الجيش لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية في لبنان. المحاولات فشلت عسكرياً، ثم أدّت بعد اتّساعها، ومشاركة ميليشيات اليمين في الحملة ضدّ الفلسطينيين، إلى زيادة بُعد من أبعاد عدّة في تفجيرات الحرب الأهلية (وكانت غالبية أبعاد الحرب الأهلية داخلية، والبُعد الفلسطيني نتيجة تداخل بين الداخلي والخارجي).
صعدت نغمة السلام مع إسرائيل فجأة بعد حرب الإبادة في غزة وبعد عدوان وحشي ضدّ لبنان
هذه المرحلة التي نعيشها لا تختلف. صعدت نغمة السلام مع إسرائيل فجأة بعد حرب الإبادة في غزة وبعد عدوان وحشي ضدّ لبنان. كان يمكن أن تكون هذه المرحلة، من ناحية سيادية ووطنية، الأبعد من فكرة السلام مع إسرائيل. إسرائيل منبوذة في كلّ العالم إلّا في لبنان وجمهورية أرض الصومال والإمارات والبحرين. لبنان غازلَ إسرائيل منذ أوّل هذه السنة (ومن دون بحث في مجلس الوزراء)، وعرض جوزيف عون سلاماً «أبديّاً» معها في حمأة العدوان، وبعد «يوم الأربعاء الأسود». لماذا؟ لأن الفريق الذي حلمَ دائماً بربْط لبنان بإسرائيل لتغليب فريق على آخر، يحاول أن يستفيد من قوّة إسرائيل العسكرية لفرض أجندة متوائمة مع الأجندة الإسرائيلية. كان هناك دائماً فريق لبناني يُعوّل على سلام مع إسرائيل إمّا لأسباب أيديولوجية (اعتناق الصهيونية من قِبل إميل إدّه والمطران مبارك)، أو لرفع موقع المسيحيّين ضدّ المسلمين.
هذا كان تفكير حزبي الكتائب والأحرار منذ البداية. إسرائيل كانت عَوناً لفرْض توزيع سياسي للمناصب والمغانم بصورة معاكسة للواقع الديموغرافي. وكان هناك أحياناً (كما الآن) فرقاء داخليون يستعينون بإسرائيل ضدّ خصومهم في داخل الطائفة؛ فيصل أرسلان مثلاً حلمَ في عام 1982 بأن يؤدّي انتخاب بشير الجميّل واكتساح جيش العدوّ لأرض لبنان إلى تعزيز موقعه في وجه وليد جنبلاط. هذه المعادلة (أي علاقة موازين القوى الداخلية والإقليمية والعالمية بدفْع أجندة السلام مع إسرائيل) تضفي شكوكاً حول إمكانية استمرار مفاعيل هذا الاتّفاق الفريد.
إن القدرة على تنفيذ الاتّفاق والحفاظ عليه مرتبطة كليّاً بالمرحلة الزمنيّة التي يستمرّ فيها الخلل في موازين القوى (كيف سيكون الميزان بعد مرحلة ترامب الممنوع من التجديد). الاتّفاق كان مُعدّاً (بالنصّ) بالكامل قبل أشهر، وكان يفترضُ هزيمةً ساحقةً للحزب بعد الضربات الأولى، وهذا لم يحصل. الشيء نفسه جرى بين أميركا وإيران: كانت إسرائيل قد وعدت أميركا بسقوط النظام الإيراني بعد الضربات الأولى لرأس النظام وقادته. لكن إيران ردّت بقوّة، واستوعبت الضربات، واستطاعت أن تُلحِق أذى بالقواعد العسكريّة المنتشرة (سياحياً؟) في الخليج.
إن حماس الفريق الداخلي المُعوِّل على إسرائيل لاستمرار الحرب الإسرائيلية لإنهاء حزب الله، ينبع من عِلمه بأن استمرار الحزب بقوّته (ولو كانت أضعف بكثير) يُعطِّل – أو يستطيع أن يعطّل – مشروع السلام والتطبيع بين لبنان وإسرائيل. وتحليل «نقابة الأخبار اليهودية» (وهي وسيلة إعلام صهيونية) كان مصيباً في أن «صفقة لبنان يمكن أن تكون أعظم من الاتفاقات الإبراهيمية». هذا صحيح لأن حجم التنازلات اللبنانية أكبر بكثير، ولأن لبنان سلّمَ لإسرائيل ليس فقط كلّ أوراق قوّته، وهي لم تكن معدومة لو أن لبنان أحسن استخدامها، بل هو قَوننَ السيطرة الإسرائيلية على القرار اللبناني في الشؤون السياسية والعسكرية والمالية، وحكّمَ لبنان في خلافه مع إسرائيل نفسها، وهذه سابقة في تاريخ اتفاقيات السلام العربية مع إسرائيل (لم يعترف لبنان رسمياً بأيّ خلاف مع إسرائيل، بل إن الطرفَين، اللّبناني والإسرائيلي، اعترفا باشتراكهما في العداء لحزب الله، وفي ضرورة محاربته تمهيداً لتفكيكه وإزالته من الوجود).
«الإطار» ومسار التفاوض رُكِّبا قبل شنّ الحرب الأخيرة (المُدبَّرة بصرف النظر عن إطلاق الصواريخ الستّة) بناءً على فرضيّات، تماماً كما أن نتنياهو أقنع ترامب بشنّ الحرب على إيران بناءً على فرضيّات، ورتّب نتنياهو أمر تركيب نظام إيراني جديد بتنسيق مع ابن الشاه، وإن كان ترامب غير مقتنعٍ به (اعترف ابن الشاه بذلك أخيراً). رئيس الجمهورية أطلق «فكرة» التفاوض المُباشر من دون بحث في مجلس الوزراء ومن دون نقاش علني. لم يكن حتى رئيس الحكومة عالِماً بالمبادرة، وإن تلقّفها بالطاعة والحماس ذاتيهما اللذين كان سامي الصلح يتلقّف بهما أفكار كميل شمعون أو شفيق الوزان مع أمين الجميّل. ميزان القوى الداخلي اختلّ جذرياً منذ اغتيال حسن نصرالله ومنذ تفجيرات البيجر. وبالمقارنة، ركّبت إسرائيل مبادرة تنصيب بشير الجميّل رئيساً بناءً على علمها أن طرْد منظّمة التحرير من لبنان سيُحدِث اختلالاً كبيراً في ميزان القوى الداخلي، وبخاصة أن الحركة الوطنية لم تكن إلّا ذَيلاً لمنظّمة التحرير وللأنظمة العربية التي كانت ترعى الأحزاب «الوطنية والتقدّمية».
لا يمكن فصْل مسار الاتّفاق عن ميزان القوى العربي، حيث التزم الجميع من دون إعلان، بمن فيهم الجزائر التي خدمت المشاريع والتوجيهات الأميركية في مجلس الأمن في كلّ فترة الإبادة، بإبطال العمل بمشروع السلام العربي، وترْك أمور العلاقة مع إسرائيل إلى كلّ دولة على حِدة، كي يسهُل على إسرائيل استفرادها وبخاصة الدول العربية (فُرادى أو مجتمعة)؛ وهم بدوا غير معنيّين بموضوع القضية الفلسطينية، وإن أظهروا اهتماماً، فإنه ينبع من حرص على مشروعية سياسية أو دينية (كما في حالة السعودية، لكن شروط التفاوض بين السعودية وأميركا حول التطبيع مع إسرائيل تتعلّق بمسائل أمنية ثنائية أكثر ممّا هي مرتبطة بخدمة القضية الفلسطينية). إسرائيل وأميركا استفادتا من السياق العربي. ومن شدّة حرص جوزيف عون على لقاء ترامب ونتنياهو لإرضاء اللوبي الصهيوني في واشنطن، فإنه تحمّسَ قبل جلاء نتائج الحرب على الجبهتَين، اللبنانية والإيرانية، على حدٍّ سواء.
الاتّفاق يمكن فهْمه أيضاً بمعزل عن التطورات الإقليمية، وحتى عن العدوان الإسرائيلي على لبنان على مرّ الأشهر. إنّه يمثّل واحدة من اللّحظات التي يستعين فيها فريق لبناني بفريق آخر خارجي لإسناد موقعه السياسي والطائفي (لا يخفى الجانب الطائفي في موقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؛ فالاثنان يؤمنان بالمفاوضات المباشرة وغير المشروطة مع إسرائيل، فيما تعطّلت قبل أشهر علاقاتهما ليس فقط مع أكبر حزب لبناني، بل أيضاً مع ممثّلَي الشيعة في المجلس النيابي والحكومة). تحسين الموقع الداخلي هو الذي يفسّر حجم التنازلات التي قدّمتها الدولة لإسرائيل. وهذا ما فعله أمين الجميّل في اتفاق 17 أيار، لأنه افترض أن إسرائيل ستنتصر له على خصومه الشيعة والدروز والموارنة في الشمال.
(يتبع)