آخر الأخبار

عندما يكون السياسي أضعف من ممكناته أو أقوى منها

28e4cd29-eff4-4983-8350-80b0a44a6907

محمد سيد رصاص

في مؤتمر فيينا 1814-1815، كان تاليران، وهو وزير خارجية نابليون ثمّ آل بوربون العائدين إلى الحكم على حراب الأجنبي بعد الهزيمة الفرنسية في معركة واترلو، يمثّل فرنسا المهزومة في حروب نابليون بونابرت. لم يكن مُقرَّراً أن تكون فرنسا عضواً في المؤتمر، رغم كونها هي موضوعه. استطاع تاليران إقناع المنتصرين، مستغلّاً تناقضاتهم، بأن تكون فرنسا في المؤتمر على قدم المساواة مع البريطانيين والبروسيين والنمسَويين والروس. بسبب بولندا التي أرادها الروس لهم، رغم معارضة النمسا وبريطانيا، رأى تاليران فرصة سانحة لتقسيم المنتصرين: عقد سرّاً، أثناء المؤتمر، معاهدة ثلاثية دفاعية بريطانية – فرنسية – نمسَوية.

أتاحت له تلك المعاهدة أن يكون ظهره متيناً في المؤتمر، وهو الممثّل لفرنسا المهزومة والمُحطّمة، بحيث تخرج باريس بأقلّ الخسائر، وأن لا تكون خسائرها السياسية انعكاساً لهزائمها العسكرية. كان تاليران أقوى من ضعفه ومتجاوزاً له. لم يحصل في فيينا إذلال للمهزوم وترجمة لهزيمته العسكرية إلى السياسة كما جرى مع الألمان من قبل الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين في مؤتمر فرساي عام 1919 عقب الحرب العالمية الأولى، ما كان بذرة لجَنين الهتلرية ونشوب الحرب العالمية الثانية.

هناك حالات معاكسة لتاليران في فيينا: في مؤتمر ميونيخ (29-30 أيلول/سبتمبر 1938)، أظهر رئيس الوزراء البريطاني، نيفيل تشمبرلين، حالة تفاوضية لم تكن انعكاساً لممكنات قوّته، حيث كان هتلر بعد ضمّ النمسا قد أثار مشكلة إقليم السوديت في تشيكوسلوفاكيا ذي الأغلبية الألمانية، مطالباً بضمّه إلى ألمانيا، مهدّداً باجتياح عسكري لتشيكوسلوفاكيا المربوطة بمعاهدة تعاون عسكري دفاعي مع فرنسا وبريطانيا. كان تشمبرلين مهجوساً بتفادي حرب عالمية ثانية.

كانت بريطانيا أقوى بكثير، بالترادف مع فرنسا، من ألمانيا في عام 1938، وكان إدراك كبار القادة العسكريين الألمان لذلك، قد جعلهم يخطّطون للانقلاب واعتقال هتلر في 29 أيلول/ سبتمبر قبل الهجوم المُحدَّد على تشيكوسلوفاكيا بيومين. ألغى خططَ الانقلاب مجيءُ تشمبرلين إلى ميونيخ وتقديمه تشيكوسلوفاكيا هدية لهتلر على طبق من فضّة، في مؤتمر حضره موسوليني ورئيس الوزراء الفرنسي دالاديه. كان التهديد باستعمال القوة عند هتلر قد دفع البريطاني القوي إلى تهدئته عبر التنازل، وليس ضربه أو التلويح بالقوة المتفوّقة ضدّه. في تعليق وينستون تشرشل على اتفاقية ميونيخ، قال الكلمات التالية في مجلس العموم البريطاني المؤيّد كلّه لتشمبرلين ما عدا صوت تشرشل المنفرد: «لقد تلقّينا هزيمة ساحقة لا مثيل لها.

ليست هذه بداية النهاية بل بداية البداية». في 1أيلول/ سبتمبر 1939، غزا هتلر بولندا، بعد أن أثار الضعف البريطاني في ميونيخ شهيّته التوسّعية نحو فريسة جديدة، ما قاد إلى بداية الحرب العالمية الثانية. وبعد أن أخافت «ميونيخ» وما ظهر فيها من ضعف غربي، ستالين، جعله ذلك يتقرّب من هتلر، ويعقد معه معاهدة آب/ أغسطس 1939، التي تقاسما من خلالها بولندا، وضمِن هتلر عبرها الحياد السوفياتي عندما يلتفت غرباً في عام 1940 ضدّ فرنسا.

إيران، رغم قوتها العسكرية الأقلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، استطاعت إفشال أهداف واشنطن

هناك مؤشرات كثيرة على أن المستوى السياسي لصدام حسين لم يكن في مستوى القوة التي كانت بين يديه بعد الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988، من جيش قوي يُعدّ مليون رجل تمّ عجنهم في معارك حرب الثماني سنوات، وبلد فيه ثروة نفطية هائلة ورأسمال بشري معرفي بعد أن صنّفت «اليونيسكو» العراق بأنه صاحب أفضل نظام تعليمي في الشرق الأوسط أواخر السبعينيات. في صباح 2 آب/ أغسطس 1990، وبعد ساعات من غزو القوات العراقية للكويت، عُقد اجتماع لمجلس قيادة الثورة. في الاجتماع، قال صدام العبارة التالية: «الكويت مكافأتي»، وفقاً لروايات منقولة عن بعثيين سوريين موالين لبغداد كانوا وقتها في العراق، وعن شيوعيين عراقيين كانوا في دمشق.

بالتأكيد، يدلّ المجرى اللاحق للأمور على مدى خطأ قراءة صدام حسين للوحة السياسية العالمية، وعلى أنه لم يكن في مستوى القوة التي بين يديه، بل لا يدرك أيضاً سقف ممكنات هذه القوة لتحقيق أهداف معيّنة في تلك اللحظة. ولذا، فإن خطوة 2 آب/ أغسطس 1990 سرعان ما اصطدمت بحائط القطب الواحد الأميركي للعالم، الذي انتصر في خريف 1989 على منافسه السوفياتي في الحرب الباردة 1947-1989. لم يدرك صدام أنه إذا دعمته الولايات المتحدة ضدّ إيران، المتصادمة مع واشنطن منذ خريف 1979، في الحرب التي بدأت عام 1980، فإنها لن تسمح له بأن يتحوّل إلى قوة إقليمية عظمى من خلال ضمّ الكويت إلى العراق، كما لم يتنبّه إلى أن أحد أسباب مساهمة واشنطن في إسقاط رئيس عراقي سابق (عبد الكريم قاسم) عام 1963، هو تفكيره المعلن في ضمّ الكويت.

هناك حالات مثل نيفيل تشمبرلين وصدام حسين: عباسي مدني، زعيم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر، الذي كان أضعف كزعيم من حجم قوته الذاتية الحزبية وامتدادها الاجتماعي، ولم يعرف إدارة فائض القوة الذي كان بين يديه في عامَي 1990 و1991. كذلك، حالة سلام عادل، سكرتير «الحزب الشيوعي العراقي»، الذي لم يعرف، ما بين عامي 1955 و1963 – وربّما لم يستطع بسبب الكابح السوفياتي-، كيف يستثمر حجم القوة الكبرى لدى الشيوعيين آنذاك، ويستولي على السلطة عام 1959، ويُسقِط عبد الكريم قاسم، في حالة شبيهة لما فعله لينين مع كرنسكي. هناك حالات أخرى لزعماء أحزاب يكونون فيها أكبر من أحزابهم وتنظيماتهم السياسية: لينين وحسن الترابي مثلاً.

الآن، في حرب 28 شباط 2026، وفي هدنتها البادئة منذ 8 نيسان، والمفاوضات التي أعقبتها بين الولايات المتحدة وإيران، من الواضح أن ترامب لم يستطع إدارة قوته الحربية المتفوّقة في طريق تحقيق أهدافه السياسية المُعلَنة من الحرب وهي: 1- تفكيك البرنامج النووي الإيراني ونقل اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60% إلى خارج إيران، 2- نزع الصواريخ الباليستية الإيرانية وتفكيكها وإيقاف برنامجها، 3- فكّ علاقة إيران مع الأذرع الإقليمية. في المقابل، إيران، رغم قوتها العسكرية الأقلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، استطاعت إفشال أهداف واشنطن (ومعها تل أبيب التي تريد، إضافةً إلى الأهداف الثلاثة الأميركية من الحرب، إسقاط النظام الإيراني)، من خلال استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز، وما أعقب ذلك من نشوء أزمة طاقة عالمية تفوق أزمة 1973، وهو ما ولّد حالة من الضغط الداخلي الأميركي على ترامب، دفعته إلى البحث عن مخرج لإنهاء الحرب ولو عبر تسوية.

وقد جاءت هذه التسوية بسقف أميركي أقلّ بكثير من الأهداف المُعلَنة من قِبل ترامب، وذلك وفق معادلة: فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحرب على الجبهات كافة، ومن ثمّ الدخول في مفاوضات لمعالجة الملفّ النووي الإيراني، يمكن أن تنجح ويمكن أن تفشل، مع غضّ النظر عن البندَين الثاني والثالث من الأهداف الأميركية للحرب، والإفراج عن كميات غير مُحدّدة من الأموال الإيرانية المُجمّدة في السنوات السابقة بفعل العقوبات الأميركية.
هناك تعريف للسياسة: «فنّ إدارة الممكنات». عندما يكون السياسي، كمستوى، أضعف من ممكناته، تصبح الحصيلة أقلّ من طاقة الممكنات؛ وعندما يكون العكس، تكون الحصيلة أعلى من الممكنات القائمة.

* كاتب سوري

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة