آخر الأخبار

التجمع الوطني لأسر شهداء فلسطين… ذاكرة النضال وبيت العائلات التي صنعت تاريخ الوطن

cfa1148b-6b34-428e-9acb-800db4fb91ee

عصام الحلبي

في التجربة الفلسطينية لا تُقاس الحكاية الوطنية بعدد المعارك فقط، بل بما تخلّفه من أسماءٍ حملت أرواحها على أكفّها ومضت نحو مصيرها وهي تؤمن أن الحرية تستحق التضحية. غير أن ما لا يُرى في لحظة الاستشهاد هو الامتداد الإنساني العميق الذي يتركه الشهيد خلفه، عائلة كاملة تتحول إلى ذاكرة حيّة وإلى شاهد دائم على مسار طويل من الألم والصمود والوفاء.
من هذه الحقيقة وُلد التجمع الوطني لأسر شهداء فلسطين في فلسطين عام 1994 في مرحلة مفصلية من التاريخ الفلسطيني، حيث بدأت تتشكل ملامح السلطة الوطنية الفلسطينية، وبرزت الحاجة إلى أطر وطنية تحتضن الفئات التي دفعت الثمن الأكبر في مسيرة النضال وفي مقدمتها أسر الشهداء.
لم يكن تأسيس التجمع خطوة تنظيمية عابرة بل كان تعبيرًا عن رؤية وطنية تعتبر أن أسر الشهداء ليست حالة اجتماعية هامشية بل جزءًا أصيلًا من البنية الوطنية الفلسطينية، وشريكًا مباشرًا في صناعة التاريخ يستحق الإطار الذي يصون حقوقه ويحفظ كرامته ويضمن حضوره في كل تفاصيل المشهد الوطني.
ومنذ اللحظة الأولى حدد التجمع هويته السياسية بوضوح فكان سقفه الوطني منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات باعتبارها الإطار الجامع الذي حافظ على وحدة التمثيل الفلسطيني، وصاغ مسار النضال الوطني عبر العقود.
يقول الأمين العام للتجمع محمد صبيحات في حديث سابق حول هوية التجمع:
“التجمع الوطني لأسر الشهداء ليس إطارًا خدماتيًا فقط، بل هو حالة وطنية تحافظ على ذاكرة الشهداء وتؤكد أن الوفاء لهم يبدأ من حماية كرامة عائلاتهم وحقوقهم.”
ويتخذ التجمع من مدينة رام الله مقرًا رئيسيًا له ويتولى أمانته العامة الأخ محمد صبيحات الذي يقود عمله منذ سنوات في إطار رؤية تنظيمية تقوم على تعزيز الحضور المؤسسي للتجمع، وتطوير دوره في متابعة شؤون أسر الشهداء، وترسيخ مكانتهم الوطنية والاجتماعية. كما تنتشر لجان التجمع في مختلف محافظات الوطن الفلسطيني لتكون حلقة وصل مباشرة مع أسر الشهداء، تتابع احتياجاتهم وتواكب قضاياهم اليومية، وتشارك في مختلف الفعاليات الوطنية التي تخلد ذكراهم وتكرّس حضورهم في الوعي الجمعي.
ويضيف صبيحات في تصريح آخر:
“نحن لا نتحدث عن أرقام أو ملفات، نحن نتحدث عن عائلات قدّمت أبناءها من أجل فلسطين، ومن واجبنا أن نبقي هذه التضحيات حاضرة في الذاكرة الوطنية وفي السياسات العامة أيضًا.”
ولا يكتفي التجمع بالبعد التنظيمي بل يحمل رسالة أعمق تتعلق بحفظ الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وتوثيق أسماء الشهداء، وإبقاء قصصهم حية في وجدان الأجيال الجديدة.

من الوطن إلى الشتات…
امتداد الرسالة إلى لبنان

ومع اتساع رقعة الوجود الفلسطيني خارج الوطن، وخصوصًا في لبنان، كان من الطبيعي أن تمتد رسالة التجمع إلى مخيمات اللجوء، حيث تعيش آلاف العائلات الفلسطينية التي قدّمت أبناءها شهداء على امتداد سنوات النضال.
وهكذا تأسس التجمع الوطني لأسر شهداء فلسطين – فرع لبنان عام 2010، ليكون الإطار الجامع لأسر الشهداء في المخيمات والتجمعات الفلسطينية المنتشرة على الأراضي اللبنانية، وليحمل همومها الوطنية والاجتماعية والإنسانية.
ويقول أمين السر لفرع لبنان الإعلامي عصام الحلبي:
“وجودنا في لبنان هو امتداد طبيعي لرسالة التجمع في الوطن نحن قريبون من عائلات الشهداء في كل المخيمات، ونعتبر أن خدمتهم واجب وطني قبل أن تكون مهمة تنظيمية.”
ومنذ تأسيسه عمل فرع لبنان على بناء شبكة واسعة من اللجان في مختلف المناطق التي تتواجد فيها المخيمات الفلسطينية، من الجنوب إلى بيروت وإقليم الخروب والبقاع والشمال، بما يضمن الوصول المباشر إلى أسر الشهداء ومتابعة أوضاعهم.
ويؤكد الحلبي في حديث آخر:
“أسر الشهداء في لبنان تعيش ظروفًا معقدة، لكننا نحرص على أن تبقى حاضرة في كل نشاط وطني، وأن يصل صوتها إلى كل الجهات المعنية دون استثناء.”
نشاط يتجاوز المناسبات
لم يكن التجمع مجرد إطار احتفالي أو موسمي، بل تحوّل إلى حالة دائمة من العمل الوطني والاجتماعي. فقد شارك في إحياء المناسبات الوطنية الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها يوم الشهيد الفلسطيني وذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية، إلى جانب تنظيم زيارات لعائلات الشهداء وفعاليات تكريمية وندوات ثقافية.
وفي لبنان برز دوره في أوقات الأزمات داخل المخيمات حيث كان حاضرًا في المبادرات الاجتماعية، بالتعاون مع المؤسسات الفلسطينية واللجان الشعبية.

أهداف وعمل التجمع

يرتكز عمل التجمع على مجموعة من الأهداف الوطنية في مقدمتها توحيد أسر الشهداء ضمن إطار جامع، والدفاع عن حقوقهم الاجتماعية والإنسانية، وتوثيق سيرة الشهداء وحفظ إرثهم، وتعزيز ثقافة الوفاء في الوعي الوطني الفلسطيني.
ويؤكد صبيحات :
“الشهداء ليسوا ذكرى نمرّ عليها، بل هم أساس هذا الوطن وكل ما نقوم به هو جزء من دين وطني وأخلاقي تجاههم.”

بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسه، يواصل التجمع الوطني لأسر شهداء فلسطين أداء دوره بوصفه ذاكرة وطنية حيّة، تربط بين تضحيات الماضي وتحديات الحاضر، وتؤكد أن الشهداء لا يغيبون لأن عائلاتهم تبقى حاملة لرسالتهم.
وفي الوطن والشتات، من رام الله إلى مخيمات لبنان يظل التجمع حاضرًا كإطار جامع لعائلات صنعت بدماء أبنائها جزءًا من تاريخ فلسطين، وتواصل اليوم حماية هذا التاريخ وصون كرامته والدفاع عن حقوقه.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة