آخر الأخبار

من الإمامة أصلاً كلامياً إلى الإمامة ضرورةً أنطولوجية: أثر الملا صدرا في الأطروحة الشيعية للحكم

HD9nXmDaMAAhtdV

نواف الموسوي

لا يمكن فهم أثر الملا صدرا في الفكر السياسي الشيعي الإثني عشري إذا بحثنا عنه فقط في نصوص مباشرة عن الدولة، أو في برنامج مؤسساتي للحكم، أو في تنظير فقهي مفصل لولاية الفقيه. فصدر الدين الشيرازي لم يكن فقيهًا سياسيًا بالمعنى الذي صار مألوفًا لاحقًا عند النائيني أو الخميني أو المنتظري أو محمد باقر الصدر، ولم يكتب كتابًا في “نظام الحكم” كما يمكن أن يتوقع القارئ الحديث. لكن أثره الأعمق لا يقع في مستوى النظام الدستوري، بل في مستوى الميتافيزيقا السياسية: أي في الطريقة التي يُفهم بها أصل السلطة، وضرورة الإمام، ومعنى الهداية، وعلاقة العالم المرئي بعالم الغيب، ووظيفة الإنسان الكامل في حفظ النظام الوجودي والأخلاقي.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل قال الملا صدرا بالدولة الدينية كما ظهرت في العصر الحديث؟ بل السؤال: كيف أعاد بناء المفهوم الشيعي للإمامة بحيث صارت الإمامة ليست مجرد حق تاريخي لأهل البيت، ولا مجرد خلاف حول الخلافة، بل ضرورة في بنية الوجود والمعرفة والهداية؟ هذا التحويل هو ما يجعل أثره عميقًا في الأطروحة الإثني عشرية للحكم. فالحكم، في المنظور الصدرائي، لا يبدأ من المجتمع بما هو جماعة أفراد فقط، بل من ترتيب الوجود نفسه: هناك حقّ، وهناك مراتب في إدراك الحق، وهناك حاجة دائمة إلى من يربط العالم بالهداية الإلهية. لذلك تصبح السلطة الشرعية، في أصلها الأعلى، أثرًا من آثار العلم والحضور والقرب من الحقيقة، لا مجرد تفويض اجتماعي أو قوة سياسية.

وقد نبّه كريستيان جامبيه، في قراءته للملا صدرا، إلى أن فلسفة صدر المتألهين هي فلسفة “فعل الوجود” وفلسفة الوحي؛ أي إن الوحي ليس حادثة خارجية تضاف إلى العالم، بل هو انكشاف الوجود نفسه في مراتبه. يعرض جامبيه في كتابه The Act of Being: The Philosophy of Revelation in Mulla Sadra الملا صدرا بوصفه فيلسوفًا يرى في كل فعل من أفعال الوجود شاهدًا على التجلي، من أدنى الموجودات إلى أعلاها، لا بوصفه مجرد شارح متأخر للفلسفة الإسلامية. وهذا مهم سياسيًا لأن الإمامة، ضمن هذا الأفق، ليست منصبًا إداريًا بعد النبوة، بل مقامًا في نظام الكشف والهداية، أي استمرار لوظيفة إظهار الحقيقة في العالم بعد ختم النبوة التشريعية.

بهذا المعنى، يتقدّم الملا صدرا خطوة حاسمة على علم الكلام الإمامي التقليدي. علم الكلام الإمامي دافع عن الإمامة غالبًا من خلال النص، والعصمة، واللطف، وضرورة وجود قائد معصوم يحفظ الدين بعد النبي. وهذه عناصر مركزية في العقيدة الإثني عشرية. لكن صدرا يعيد تأويلها فلسفيًا: الإمام ليس فقط “رئيسًا” شرعيًا، بل هو حجة الوجود، أي الوسيط الذي به تحفظ الأرض معناها وهدايتها. في شرحه على أصول الكافي، ولا سيما في كتاب الحجة، يناقش الملا صدرا ضرورة وجود الإمام في كل عصر، ويعالج السؤال الشهير: هل تخلو الأرض من إمام؟ والجواب عنده لا يكون كلاميًا فقط، بل وجوديًا: خلو الأرض من الحجة يعني انقطاع رابطة الهداية بين العالم ومصدره. بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن صدرا يوسّع بحث الإمامة ليشمل وظائف الإمام الاجتماعية والسياسية والحكومية، لا وظيفته الروحية وحدها.

هنا يقع التحول الأساسي: الإمامة لم تعد فقط مسألة خلافة سياسية مغتصبة، بل صارت ضرورة في بنية العالم. فالوجود عند الملا صدرا ليس كتلة واحدة مسطحة، بل مراتب مشككة: بعضها أشد، وبعضها أضعف؛ بعضها أقرب إلى مبدأ الوجود، وبعضها أبعد. ومن كان وجوده أشد، كان علمه أشد، وحضوره أشد، وقدرته على الهداية أشد. الإمام، بهذا المعنى، هو الموجود الإنساني الأعلى في عالم الإنسان، لأنه ليس فقط أعلم الناس بالأحكام، بل أتمهم تحققًا بالحقيقة. ومن هنا تصير شرعية الحكم تابعة للكمال الوجودي، لا فقط للكفاءة السياسية.

هذا يفتح بابًا لفهم العلاقة بين الإمامة والحكم في الفكر الإثني عشري. عند أهل السنة الكلاسيكيين، غلب على نظرية الإمامة أنها ضرورة سياسية لحفظ النظام، ومنع الفوضى، وتنفيذ الشريعة. لذلك أمكن تبرير إمامة المفضول، أو إمامة المتغلب، أو طاعة السلطان الجائر اتقاءً للفتنة. أما في التصور الإمامي، فالإمامة ليست مجرد ضرورة نظامية، بل استمرار لوظيفة النبوة في الهداية والتأويل والحفظ الباطني للشريعة. الملا صدرا يعمّق هذا الفرق: السياسة لا تنفصل عن مراتب الوجود، والحكم ليس مجرد تدبير للأجساد، بل توجيه للنفوس نحو كمالها.

لذلك فإن أثره في الأطروحة الشيعية للحكم لا يظهر فقط في القول إن الحاكم يجب أن يكون عادلًا أو عالمًا. هذا قول موجود قبله وبعده. الأثر الأعمق هو أن العدل والعلم لا يبقيان صفتين أخلاقيتين أو فقهيتين، بل يصيران علامتين على مرتبة وجودية. الحاكم الشرعي، في الأصل الأعلى، هو من يعرف غاية الإنسان لأنه تحقق بها. فإذا كان الإنسان عند الملا صدرا كائنًا متحركًا جوهريًا، ينتقل من الجسمانية إلى الروحانية، فإن السياسة الشرعية هي التي تساعد هذا الانتقال ولا تعرقله. الدولة، بهذا المعنى، ليست غاية بذاتها؛ إنها أداة في مشروع الهداية. فإذا تحولت إلى تسلط، أو إلى حفظ شكل الدين بلا باطنه، أو إلى قهر يمنع تكامل النفس، فقد خانت معناها الصدرائي العميق.

ومن هنا تأتي أهمية الحركة الجوهرية في فهم السياسة الشيعية بعد صدرا. ظاهريًا، الحركة الجوهرية نظرية في الطبيعة والميتافيزيقا، لا في السياسة. لكنها تترك أثرًا سياسيًا غير مباشر: الإنسان والمجتمع ليسا ثابتين، بل في صيرورة. النفس تتكون بأعمالها، والمعرفة، والملكات، والخيارات. وإذا كانت السياسة تؤثر في أفعال الناس وملكاتهم ونظام تربيتهم، فهي تؤثر في مصيرهم الوجودي. لذلك لا يكون الحكم مجرد إدارة للأمن والاقتصاد، بل يصبح بنية تربوية وروحية وأخلاقية. هنا نفهم لماذا ستتلاقى الحكمة المتعالية لاحقًا مع بعض التصورات الشيعية الحديثة التي ترى الحكم مشروعًا لتربية الإنسان والمجتمع، لا مجرد جهاز سلطوي.

غير أن هذا التلاقي لا يعني أن الملا صدرا هو الأب المباشر لكل نظرية حديثة في ولاية الفقيه. هذه نقطة يجب ضبطها. توجد دراسات حديثة في فلسفة الملا صدرا السياسية تحذر من تحويله ببساطة إلى منظّر للثيوقراطية أو إلى مقدمة مباشرة لحكم رجال الدين. فكتاب The Political Philosophy of Mullā Ṣadrā، مثلًا، يعرض أن خطاب صدرا السياسي لا ينبغي أن يُقرأ كجسر مباشر نحو “الهيروقراطية” أو الحكم الكهنوتي، بل بوصفه بحثًا في علاقة الكمال الإنساني والمدينة والهداية. وهذا التمييز مهم جدًا: فلسفة صدرا تمنح الإمامة والقيادة بعدًا وجوديًا، لكنها لا تختزل الحكم في جهاز رجال الدين ولا تعطي بالضرورة وصفة مؤسساتية حديثة.

هنا يمكن إدخال قراءة كريستيان جامبيه بصورة أكثر حدة. جامبيه، المتأثر بمدرسة هنري كوربان في قراءة التشيع الإيراني، يرى أن التشيع يحمل في أعماقه بعدًا باطنيًا وتأويليًا، وأن الإمام ليس فقط قائدًا سياسيًا، بل قطب المعنى ومفتاح التأويل. في قراءته للملا صدرا، يصبح الوحي متصلًا بفعل الوجود، وتصبح الحقيقة الدينية مراتب من الانكشاف. ولذلك فإن الإمامة عنده لا تُفهم ضمن منطق الدولة وحده، بل ضمن منطق الولاية الروحية. من هنا يمكن القول إن الملا صدرا يمدّ الأطروحة الشيعية للحكم بطاقة مزدوجة: من جهة، يجعل القيادة الشرعية مرتبطة بالعلم الإلهي والكمال الوجودي؛ ومن جهة ثانية، يمنع اختزال الإمامة في سلطة إدارية صلبة، لأن حقيقتها أعمق من الدولة.

هذا هو التوتر الكبير في الميراث الصدرائي: هل تقود أنطولوجيا الإمامة إلى تأسيس سلطة سياسية دينية، أم إلى نقد كل سلطة تدّعي تمثيل الإمام من دون أن تمتلك مقامه المعرفي والروحي؟ الجواب ليس بسيطًا. يمكن استعمال الملا صدرا في الاتجاهين. فمن يركّز على ضرورة الحجة، وارتباط الشرعية بالهداية، وكون السياسة وسيلة لتكميل النفوس، سيجد عنده سندًا لفكرة أن الحكم لا يجوز أن يكون علمانيًا بمعنى القطيعة مع الغاية الدينية. ومن يركز على مقام الإمام المعصوم، وعلى الفارق بينه وبين غير المعصوم، وعلى أن الولاية الحقيقية مقام وجودي لا منصب إداري، سيجد عند صدرا حجة ضد تحويل النيابة الفقهية إلى تطابق كامل مع الإمامة.

وهنا تظهر مسألة الغيبة. في التشيع الإثني عشري، الغيبة ليست تفصيلًا عرضيًا، بل قلب التجربة السياسية والروحية. الإمام موجود وغائب في آن: حاضر بوصفه حجة وقطبًا للمعنى، وغائب بوصفه سلطة ظاهرة مباشرة. هذا الوضع يخلق فراغًا سياسيًا ومعرفيًا شديد التعقيد. في زمن الحضور، تكون الإمامة هي الأصل الأعلى للسلطة. أما في زمن الغيبة، فالسؤال يصبح: من يدير شؤون الجماعة؟ هل الفقهاء؟ هل السلطان العادل؟ هل الأمة؟ هل تكون السلطة دائمًا ناقصة ومؤقتة ومشروطة؟

فلسفة الملا صدرا لا تحل هذه المسألة فقهيًا، لكنها تعطيها عمقًا جديدًا. لأن الإمام عنده ليس مجرد حاكم غائب، بل ضرورة وجودية. معنى ذلك أن الغيبة لا تعني غياب الهداية من العالم، بل غياب الظهور السياسي الكامل للحجة. تبقى الولاية الأصلية للإمام، وتبقى كل سلطة زمن الغيبة سلطة ناقصة، مشتقة، مشروطة، لا تطابق الأصل. هذا التمييز يمكن أن يؤسس لفكر سياسي شيعي شديد الحساسية تجاه ادعاءات الدولة. فالدولة في زمن الغيبة لا تستطيع أن تقول: أنا هي الإمامة. تستطيع فقط أن تقول: أحاول أن أقترب من مقتضيات الهداية والعدل والعلم بقدر الطاقة البشرية.

من هنا، يمكن بناء أطروحة نقدية مهمة: أثر الملا صدرا في الحكم الشيعي لا يكمن فقط في “تديين السياسة”، بل أيضًا في منع تأليه السياسة. فإذا كان الإمام المعصوم وحده هو الإنسان الكامل في مقام الهداية، فإن كل سلطة غير معصومة تبقى تحت النقد والمحاسبة. وإذا كانت المعرفة الحقيقية حضورًا ووجودًا لا مجرد حفظ للأحكام، فإن الفقيه السياسي لا يكفي أن يمتلك العلم الاصطلاحي؛ يجب أن يكون عادلًا، مهذب النفس، قادرًا على رؤية الغاية الإنسانية للحكم. وإذا كانت السياسة وسيلة لتكميل النفوس، فإن القهر والفساد والاستبداد لا يمكن أن تكون أدوات شرعية لمجرد أنها ترفع شعار الدين.

هذه النقطة تجعل قراءة جامبيه مفيدة ومعقدة في آن. فهو في كتاباته الحديثة عن إيران ينتقد تحول السلطة الدينية إلى بنية قهرية وعسكرية، ويرى أن هيمنة منطق الدولة والقوة قد تبتلع البعد الروحي للتشيع. في مقابلة حديثة مع لوموند، انتقد جامبيه ما رآه انتقالًا في إيران من سلطة دينية ذات ادعاء روحي إلى هيمنة عسكرية وسياسية، ودعا إلى دولة تمثيلية تفصل بين القهر السياسي والتراث الروحي. سواء اتفقنا معه سياسيًا أو لا، فإن أهمية ملاحظته فلسفيًا أنها تذكّر بأن التشيع الصدرائي، إذا أُخذ في عمقه، لا يساوي بين الحقيقة والدولة، ولا بين الإمام والجهاز، ولا بين الولاية والقوة العارية.

لكن ينبغي أيضًا عدم الوقوع في قراءة ليبرالية مبسطة تجعل الملا صدرا مفكرًا “ضد السياسة الدينية”. هذا غير صحيح. فصدرا لا يفصل الدين عن السياسة بالمعنى الحديث. المدينة عنده تحتاج إلى الهداية، والشريعة ليست مجرد شأن فردي، والإنسان لا يبلغ كماله في فراغ اجتماعي. لذلك فالسياسة عنده ذات وظيفة دينية وأخلاقية. إلا أن الوظيفة الدينية لا تعني أن كل سلطة دينية شرعية. الشرعية تحتاج إلى اتصال بالحق، والعدل، والعلم، وغاية التكميل. بهذا المعنى، الملا صدرا لا يعلمن السياسة، لكنه أيضًا لا يطلق يد الدولة باسم الدين.

يمكن القول إذًا إن أثر الملا صدرا في الأطروحة الإثني عشرية للحكم يتمثل في نقلها من ثلاثية “النص، العصمة، الخلافة” إلى أفق أوسع: “الوجود، الهداية، الإنسان الكامل”. الإمامة عند المتكلم الإمامي دليل على صحة المذهب وحق أهل البيت. أما الإمامة عند الملا صدرا فهي، إضافة إلى ذلك، بنية في الوجود: لا يخلو العالم من مظهر أعلى للهداية، ولا تستغني النفوس عن قطب يعرف ظاهر الشريعة وباطنها. وهذا ما يجعل السياسة الشيعية، حين تتأثر به، تفكر في الحكم بوصفه ظلًا للإمامة لا بديلًا منها.

ومن النتائج المهمة لذلك أن مفهوم “النيابة” يصبح ملتبسًا ومفتوحًا. الفقيه في زمن الغيبة نائب من حيث بيان الأحكام، والقضاء، وحفظ النظام، وربما الولاية العامة بحسب بعض المدارس. لكنه ليس إمامًا بالمعنى الصدرائي الكامل. لأنه لا يملك العصمة، ولا العلم الحضوري الكامل، ولا المقام الوجودي للإنسان الكامل. لذلك، إذا أُخذت الحكمة المتعالية بجدية، فإنها لا تسمح بمحو الفارق بين الإمام والفقيه. بل تجعل هذا الفارق أساسًا لكل تواضع سياسي. السلطة في زمن الغيبة سلطة ضرورة، لا سلطة اكتمال. سلطة تدبير، لا سلطة ختم نهائي للمعنى.

وهذا يفتح طريقًا لفهم الخلافات الحديثة داخل الفكر السياسي الشيعي. فالذين يذهبون إلى ولاية الفقيه العامة يمكنهم أن يستندوا إلى ضرورة استمرار الهداية والنظام، وإلى أن المجتمع لا يمكن أن يترك بلا قيادة دينية. والذين يرفضون الولاية المطلقة يمكنهم أن يستندوا إلى أن الإمامة مقام لا ينوب عنه أحد نيابة مطلقة، وأن الغيبة تعني بقاء السلطة السياسية ناقصة ومشروطة. في الحالتين، الميراث الصدرائي حاضر، لكنه لا يعطي جوابًا واحدًا جاهزًا. إنه يعطي بنية ميتافيزيقية تسمح بتأويلات متعددة.

أما أثره على محمد باقر الصدر، مثلًا، فيظهر بطريقة غير مباشرة. محمد باقر الصدر لم يكن مجرد فقيه سياسي؛ كان أيضًا ابنًا للفلسفة الإسلامية الحديثة التي أعادت قراءة الملا صدرا، وخصوصًا في مباحث المعرفة والوجود. مشروعه في الاقتصاد والسياسة والاستخلاف لا يكرر صدر المتألهين، لكنه يتحرك داخل أفق شيعي يرى أن الإنسان مستخلف، وأن المجتمع يحتاج إلى هداية قيمية، وأن الإسلام ليس عبادات فردية بل نظام حياة. غير أن محمد باقر الصدر يترجم هذا الأفق إلى لغة حديثة: الأمة، الخلافة، الشهادة، الدولة، الدستور. هنا نرى الفرق بين الملا صدرا بوصفه مؤسسًا أنطولوجيًا، ومحمد باقر الصدر بوصفه منظّرًا اجتماعيًا وسياسيًا حديثًا.

الأمر نفسه يمكن قوله عن الخميني، مع فارق مهم. الخميني كان أستاذًا في الحكمة والعرفان، ومتأثرًا بالملا صدرا وابن عربي، لكنه حين صاغ ولاية الفقيه صاغها أساسًا بلغة فقهية عملية: ضرورة تنفيذ الأحكام، حفظ النظام، عدم تعطيل الشريعة، نيابة الفقيه الجامع للشرائط. غير أن الخلفية الصدرائية والعرفانية تمنح هذه النظرية عمقًا يتجاوز الفقه؛ إذ تجعل الحكم جزءًا من مشروع الهداية. ومع ذلك، لا ينبغي أن نقول إن الملا صدرا يؤدي حتمًا إلى الخميني. الأدق أن نقول إن الخميني قرأ السياسة من داخل أفق فقهي-عرفاني-صدرائي، لكنه اتخذ خطوة مؤسساتية لم يتخذها الملا صدرا نفسه.

في المقابل، يمكن لمفكرين شيعة نقديين، مثل محسن كديور، أن يقرأوا الميراث الإمامي باتجاه آخر، فيميزوا بين الإمامة المعصومة والسلطة السياسية في زمن الغيبة، ويروا أن أساس الفكر السياسي الشيعي هو العدل والإمامة، لكن تدبير الغيبة لا يلزم منه بالضرورة حكم مطلق للفقيه. يشير كديور في عرضه للفكر السياسي الشيعي إلى أن الإمامة والعدل هما ركيزتان مركزيتان في تشكل العقيدة والفلسفة السياسية الشيعية. وهذا يلتقي مع الأفق الصدرائي من جهة أن الشرعية لا تنفصل عن الهداية والعدل، لكنه قد يختلف عن التأويلات التي توسّع سلطة الفقيه إلى حد المطابقة العملية مع الإمام.

أهم ما يضيفه الملا صدرا هنا هو أن السياسة لا تُفهم فقط من أسفل، أي من حاجة المجتمع إلى النظام، بل من أعلى أيضًا، أي من حاجة الوجود الإنساني إلى الهداية. السياسة من أسفل تؤدي إلى العقد، والقانون، والمؤسسات، والمصلحة. السياسة من أعلى تؤدي إلى الإمامة، والولاية، والتأويل، والكمال. الأطروحة الشيعية للحكم تعيش دائمًا بين هذين القطبين. فإذا غلب القطب الأول وحده، صار التشيع نظرية سياسية عادية في الإدارة. وإذا غلب القطب الثاني وحده، أمكن أن تتحول السياسة إلى ادعاء قداسة. قوة الملا صدرا أنه يجعل القطب الثاني عميقًا، لكنه لا يعطي القطب الأول صيغة مؤسساتية مكتملة. لذلك يبقى إرثه مصدر إلهام ومصدر توتر.

ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن صدرا عاش في العصر الصفوي، أي في لحظة تحول التشيع إلى مذهب دولة في إيران. هذا السياق ليس تفصيلًا. فقد نشأت الحكمة المتعالية داخل عالم تتداخل فيه الفلسفة، والعرفان، والفقه، والتشيع الرسمي، وبقايا التصوف، وبناء الدولة. تشير موسوعة الفلسفة على الإنترنت إلى أن الملا صدرا قدّم إسهامات كبرى في الميتافيزيقا الإسلامية واللاهوت الشيعي في الحقبة الصفوية، وهي حقبة جمعت عناصر من الماضي الفارسي والتشيع المؤسسي والتعاليم الصوفية. غير أن صدرا لم يكن مجرد فيلسوف للدولة الصفوية. بل إن فلسفته، في عمقها، تتجاوز الدولة القائمة إلى سؤال أوسع: ما معنى أن يكون العالم محتاجًا إلى حجة؟ وما معنى أن تكون الهداية أعلى من السلطة؟

من هنا يمكن فهم علاقته بمفهوم “المدينة”. المدينة في الفلسفة الإسلامية، منذ الفارابي، هي فضاء بلوغ الكمال الإنساني. الفارابي جعل الرئيس الأول شبيهًا بالنبي والفيلسوف، والمدينة الفاضلة تقوم على معرفة الغاية القصوى. الملا صدرا يرث هذا الأفق، لكنه يشيّعه ويؤوّله وجوديًا. الرئيس الكامل ليس فقط عقلًا فلسفيًا، بل إمامًا أو حجة. والغاية ليست فقط السعادة العقلية كما عند الفارابي، بل صعود النفس في مراتب الوجود، وتحققها بالمعرفة والهداية. بهذا المعنى، ينتقل نموذج المدينة من فلسفة سياسية عقلية إلى أنثروبولوجيا روحية شيعية.

لكن هذا لا يعني أن الملا صدرا يلغي السياسة العملية. بل يعني أن السياسة العملية عنده لا تملك معناها إلا ضمن غاية أعلى. حفظ النظام مطلوب، لكن أي نظام؟ تنفيذ الشريعة مطلوب، لكن بأي روح؟ طاعة الحاكم قد تكون ضرورة، لكن هل الحاكم يقرّب النفوس من الكمال أم يحجبها؟ العدالة ليست فقط توزيعًا للحقوق، بل وضع كل مرتبة في موضعها وفق نظام الوجود. لذلك يمكن القول إن العدالة السياسية عند صدرا ذات خلفية كونية: الظلم ليس خللًا اجتماعيًا فقط، بل اضطراب في ترتيب الوجود الإنساني.

وهنا يظهر الفرق بين “الحكم” و“الهداية”. الحكم قد يكون قسرًا وتنظيمًا وإدارة. أما الهداية فهي نقل الإنسان من النقص إلى الكمال. الأطروحة الشيعية المتأثرة بالملا صدرا لا تستطيع الاكتفاء بالحكم. إنها تريد حكمًا هاديًا. لكنها، في الوقت نفسه، تواجه خطرًا دائمًا: أن يدّعي الحكم أنه هو الهداية. عندما يحدث ذلك، تنقلب الحكمة إلى أيديولوجيا، والولاية إلى جهاز، والإمامة إلى شعار، والفقه إلى تقنية ضبط. القراءة الصدرائية العميقة يجب أن تبقى يقظة أمام هذا الخطر، لأن مقام الإمام لا يُختزل في المؤسسة، ولأن الوجود أشد اتساعًا من الدولة.

لذلك يمكن أن نقول إن الملا صدرا يترك للفكر السياسي الشيعي ميراثًا مزدوجًا: ميراث تأسيسي وميراث نقدي. الميراث التأسيسي يقول إن السلطة لا تكون شرعية إلا إذا اتصلت بالعلم والعدل والهداية، وإن الإمامة ضرورة في نظام الوجود، وإن المجتمع لا يستغني عن قيادة روحية-معرفية. أما الميراث النقدي فيقول إن كل سلطة زمن الغيبة ناقصة، وإن الفارق بين الإمام وغير الإمام لا يجوز طمسه، وإن الدين إذا تحول إلى قهر بلا معرفة وحضور وعدل فقد سقط عن معناه الوجودي.

من هنا ينبغي صياغة الأطروحة النهائية على النحو الآتي:
أثر الملا صدرا في الأطروحة الشيعية الإثني عشرية للحكم ليس أنه اخترع نظرية الدولة الدينية، ولا أنه صاغ ولاية الفقيه الحديثة، بل أنه أعاد تأسيس أصل الإمامة والولاية على قاعدة أنطولوجية. جعل الإمام ضرورة للوجود لا مجرد ضرورة للنظام، وجعل الحكم ظلًا للهداية لا بديلًا منها، وجعل السياسة جزءًا من حركة النفس والمجتمع نحو الكمال. وبذلك فتح أمام الفكر الشيعي إمكانين متوترين: إمكان بناء سلطة دينية ترى نفسها مسؤولة عن الهداية العامة، وإمكان نقد كل سلطة تدّعي الهداية من غير أن تتحقق بشروطها الروحية والمعرفية والأخلاقية.

هذا التوتر هو جوهر المسألة. فالحكمة المتعالية لا تمنح السياسة الشيعية جوابًا نهائيًا مغلقًا، بل تمنحها أفقًا. في هذا الأفق، لا تكون الإمامة حادثة ماضية، ولا الغيبة فراغًا عابرًا، ولا الحكم إدارة محايدة، ولا الفقه تقنية قانونية فقط. كل ذلك يدخل في سؤال واحد: كيف يُحفظ طريق الإنسان إلى كماله في عالم ناقص ومتحرك؟ هذا هو السؤال الصدرائي الكبير حين يدخل ميدان السياسة. ومن لا يراه، يختزل الملا صدرا إما في فيلسوف ميتافيزيقي بلا أثر سياسي، وإما في مقدمة مباشرة للدولة الدينية الحديثة. والقراءتان قاصرتان. فصدر المتألهين أعمق من الأولى، وأعقد من الثانية.

مراجع:

– كريستيان جامبيه، The Act of Being: The Philosophy of Revelation in Mulla Sadra؛
– هنري كوربان في دراساته عن التشيع الإيراني والإمام الغائب؛ محمد علي أمير معزي وكريستيان جامبيه، What Is Shi‘i Islam?؛
– سيد حسين نصر في كتاباته عن الحكمة المتعالية؛
– إبراهيم كلين في دراساته عن الوجود والمعرفة عند الملا صدرا؛
– فضل الرحمن في قراءته لصدر الدين الشيرازي؛
– محسن كديور في الفكر السياسي الشيعي؛
– محمد باقر الصدر في الخلافة والشهادة والدولة الإسلامية؛
– الخميني في ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية؛
– عبد الكريم سروش في نقد الدولة الدينية؛

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة