كتب عصام الحلبي
ليس من السهل أن نحاكم تجربة حركة فتح اليوم بمعايير اليوم، وننسى الظروف التي حملت فيها قضية شعب شُرّد وهجر من أرضه، وقراراً وطنياً كان مهدداً بأن يصبح مجرد تفصيل في صراعات المنطقة.
لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل نجحت حركة فتح في تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني بكل أهدافه، وإنما سؤال أكثر إنصافاً وعمقاً، هل عجزت فتح عن حمل المشروع الوطني الفلسطيني، أم أنها حملته وحافظت على بقائه رغم كل الظروف الصعبة التي أحاطت بالقضية الفلسطينية؟
منذ انطلاقتها لم تكن فتح أمام طريق مفتوح أو خيارات سهلة. كانت القضية الفلسطينية تعيش في مرحلة كثيرة التعقيد وشديدة الصعوبة . بعد النكبة واحتلال الأرض وتشتت الشعب الفلسطيني، وفي ظل واقع عربي ودولي لم يكن ينظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم أصحاب مشروع سياسي مستقل كما هو الحال اليوم.
جاءت حركة فتح في تلك المرحلة لتعيد التأكيد على أن الفلسطيني ليس مجرد لاجئ ينتظر الحل، وإنما شعب له قضية وحق في تقرير مصيره واستعادة أرضه. ومع الوقت أصبح العمل الوطني الفلسطيني أكثر حضوراً، وأصبح القرار الفلسطيني المستقل أحد العناوين الأساسية في مسيرة الحركة الوطنية والثورة.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم النقاط التي يجب التوقف عندها.
فالمشروع الوطني الفلسطيني لم يكن مشروعاً مكتمل الأدوات منذ البداية، كان يتشكل ويتطور مع تطور الظروف، وكان على القيادة الفلسطينية أن تتحرك في مساحة ضيقة بين الاحتلال الإسرائيلي، والواقع العربي المعقد، والموقف الدولي، والظروف الإقليمية المتغيرة، إضافة إلى واقع فلسطيني داخلي لم يكن دائماً موحداً على رؤية واحدة.
وفي كل مرحلة كانت هناك خيارات صعبة.
ما نراه اليوم من نتائج ووقائع لم يكن معروفاً لمن كان يتخذ القرار في تلك اللحظة،ولذلك فإن قراءة التاريخ تحتاج إلى شيء من الإنصاف، لأن الحكم على قرار اتخذ قبل عقود من خلال نتائج ظهرت لاحقاً قد يقودنا إلى استنتاجات غير دقيقة.
خرج الفلسطينيون من بيروت، ولم تنتهِ القضية.
وسقطت عواصم وأغلقت أبواب، وتغيرت أنظمة وموازين إقليمية، ولم ينتهِ المشروع الوطني.
انتقل الفلسطينيون من مرحلة إلى أخرى، من الثورة إلى السياسة، ومن المنفى إلى الأرض، ومن العمل العسكري إلى بناء مؤسسات السلطة الوطنية، وبقيت منظمة التحرير الفلسطينية عنواناً سياسياً للشعب الفلسطيني.
وهنا تظهر أهمية تجربة فتح، ليس فقط باعتبارها حركة سياسية، وإنما باعتبارها الحركة التي وجدت نفسها في قلب التحولات الكبرى التي مرت بها القضية الفلسطينية.
قد يختلف الفلسطينيون في تقييم بعض الخيارات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية، وهذا أمر طبيعي ومشروع. وقد تكون هناك قرارات كان يمكن أن تكون أفضل، أو مواقف كان يمكن إدارتها بطريقة مختلفة. لكن وضع كل ذلك في خانة الأخطاء التي أعاقت المشروع الوطني لا يبدو قراءة كاملة للتاريخ.
فالقرار السياسي لا يولد في الفراغ.
كان هناك احتلال وحروب وحصار وضغوط دولية وإقليمية، وكانت هناك محاولات متواصلة لإعادة صياغة القضية الفلسطينية بما يتناسب مع مصالح الآخرين، وفي كثير من الأحيان لم تكن الخيارات أمام القيادة الفلسطينية بين خيار جيد وخيار سيئ، وإنما بين خيارات صعبة كلها تحمل أثماناً سياسية ووطنية.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس ماذا أخطأت فتح فقط، وإنما ماذا فعلت في المقابل حتى يبقى المشروع الوطني قائماً؟
لقد حافظت على حضور القضية الفلسطينية كقضية سياسية وليست مجرد قضية إنسانية، وحافظت على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وعلى منظمة التحرير باعتبارها الإطار السياسي الجامع للشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له هذا الإطار من محاولات التهميش أو الاحتواء أو الانقسام.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
فلو كانت القضية الفلسطينية قد فقدت عنوانها الوطني والسياسي في أي مرحلة من مراحل الصراع، لكان من الصعب استعادته من جديد.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم انتقال حركة فتح من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء السلطة الوطنية الفلسطينية. قد يختلف البعض حول التجربة وتفاصيلها، لكن لا يمكن تجاهل أن تلك المرحلة نقلت الوجود الفلسطيني من حالة الشتات السياسي إلى وجود وطني على الأرض، وأعادت الفلسطيني إلى جزء من أرضه، وأوجدت مؤسسات وطنية تحمل اسم فلسطين وتتعامل مع العالم باعتبارها جزءاً من الواقع السياسي الفلسطيني.
لم تكن السلطة الوطنية هي الدولة الفلسطينية التي حلم بها الفلسطينيون، لكنها لم تكن أيضاً نهاية المشروع الوطني.
كانت مرحلة من مراحل الصراع.
وهذا التفريق مهم جداً.
فالمشروع الوطني أكبر من أي مؤسسة، وأكبر من أي حركة، وأكبر من أي قيادة. وفتح نفسها، رغم موقعها التاريخي، ليست هي فلسطين كلها. لكنها كانت ولا تزال جزءاً أساسياً من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن الصعب قراءة هذا التاريخ من دون التوقف طويلاً أمام دورها.
لقد حملت فتح المشروع الوطني في ظروف لم تكن فيها موازين القوى لمصلحة الفلسطينيين، واستمرت في حمله رغم الانقسامات الفلسطينية، ورغم تبدل التحالفات العربية، ورغم التحولات الدولية، ورغم القوة العسكرية والسياسية التي واجهها الشعب الفلسطيني.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس بقصد تبرئة فتح من النقد، ولا بقصد تحميلها وحدها مسؤولية ما وصلت إليه القضية الفلسطينية.
السؤال هو ماذا كان سيحدث للمشروع الوطني لو لم تكن هناك حركة فلسطينية بهذا الحجم والتاريخ والقدرة على الاستمرار؟
وهل كان من الممكن أن تبقى منظمة التحرير عنواناً للشعب الفلسطيني، وأن يبقى القرار الفلسطيني حاضراً، وأن تبقى فكرة الدولة الفلسطينية والحق الفلسطيني في تقرير المصير جزءاً من الخطاب السياسي الدولي، لولا هذا المسار الطويل الذي شاركت فتح في قيادته وحمل أعبائه؟
ربما تكون الإجابة بحاجة إلى أكثر من موقف سياسي، وإلى قراءة أعمق للتاريخ.
ففتح ليست فوق النقد، كما أنها ليست وحدها صاحبة الإنجاز. لكن اختزال تاريخها في الإخفاقات، أو التعامل معها باعتبارها مجرد حركة لم تستطع تحقيق الدولة، هو اختزال لتاريخ طويل من النضال الفلسطيني.
والإنصاف يقتضي أن نرى الصورة كاملة.
نرى ما تحقق، وما لم يتحقق، ولكننا نرى أيضاً الظروف التي رافقت كل مرحلة، ونرى حجم ما واجهه الفلسطينيون، ونرى كيف بقي المشروع الوطني حياً رغم كل محاولات إضعافه وتفكيكه.
لقد تتغير الأدوات وتتبدل المراحل، وقد تحتاج حركة فتح اليوم إلى مراجعة وتجديد وإعادة بناء وتطوير خطابها وأدائها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، لكن ذلك شيء، والقول إنها عجزت عن حمل المشروع الوطني شيء آخر.
فربما يكون التاريخ أكثر إنصافاً من الأحكام السريعة.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الفلسطينيين هو:
هل عجزت فتح عن حمل المشروع الوطني الفلسطيني، أم أن ما فعلته طوال هذه العقود هو أنها حملت هذا المشروع في أصعب مراحله، وحافظت على بقائه حتى وصل إلى الأجيال الفلسطينية اليوم؟
والإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون شعاراً.
إنها بحاجة إلى قراءة التاريخ كله.