آخر الأخبار

لبنان في صندوق الاقتراع الإسرائيلي

0cd6251d-c7ac-432e-ba96-34f8f8ca34bb

رضا الشاب

لا يمكن قراءة ما يحدث داخل دوائر القرار في تل أبيب بمعزلٍ عن حلبة السباق إلى كرسي رئاسة الحكومة. في «إسرائيل» اليوم، لا تبدو الانتخابات العتيدة مجرد منافسة على مقاعد الكنيست أو على هوية الحكومة المقبلة. إنها، قبل كل شيء، معركة على سؤال الأمن: من يستطيع أن يقنع المستوطنين بقدرته على حمايتهم بعد ثلاث سنوات من الحروب المفتوحة على أكثر من جبهة؟ وهنا، يحضر لبنان تحديداً، لا بوصفه فقط من أكثر الملفات الخارجية حساسية، بل باعتباره جزءاً من الحساب السياسي الداخلي في كيان العدو.

ففي 27 تشرين الأول المقبل، كما هو مقرر، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات عامة منذ طوفان عام 2023. وبيبي نتنياهو، الذي يواجه تراجعاً في شعبيته وتنافساً قوياً داخل معسكر اليمين وخارجه، يحتاج إلى ترميم الصورة التي اهتزت ذات طوفان، وشكّلت ضربة استراتيجية لمفهوم الردع الإسرائيلي منذ التأسيس. وتشير استطلاعات متتالية إلى أن حزب الليكود يواجه خطر خسارة جزء مهم من قوته النيابية، فيما لم يتمكن معسكر المعارضة، حتى الآن، من ضمان أغلبية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة.

لكن المفارقة بحسب استطلاعات الرأي، أن الناخب الإسرائيلي، رغم تراجع ثقته بنتنياهو، لا يبدو متجهاً بالضرورة نحو خيار أقل عدوانية في التعامل مع لبنان.

فبحسب استطلاع لـ«المعهد الإسرائيلي للديموقراطية»، يؤيد 80% من الإسرائيليين استمرار القتال ضدّ لبنان، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع الإدارة الأميركية. وهذه النسبة ليست تفصيلاً انتخابياً عابراً؛ فهي تكشف أن نتنياهو، إذا أراد استعادة موقعه، عليه أن يتحرك داخل بيئة انتخابية لا تكافئ من يدعو إلى التراجع أو تقديم تنازلات في الجبهة الشمالية.

والأكثر دلالة أن استطلاعاً آخر للمعهد نفسه أظهر أن 72% من الإسرائيليين يؤيدون إبقاء منطقة أمنية دائمة في جنوب لبنان. أي أن فكرة البقاء العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لا تبدو، عند جزء كبير من الرأي العام الإسرائيلي، مجرد إجراء مؤقت فرضته الحرب، بل تبدو خياراً أمنياً مستداماً يجد له قاعدة شعبية.

من هنا يمكن فهم التهديدات المتواصلة لنتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بشأن الجنوب اللبناني. في أواخر حزيران الماضي، أعلنا أن الجيش سيبقى في «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، وأنه سيواصل تدمير البيوت. ثم عاد الموقف نفسه ليظهر بصورة أكثر تشدداً في آب، عندما ربط كاتس الانسحاب من الجنوب بنزع سلاح حزب الله.

قد يكون من السهل قراءة هذه التصريحات باعتبارها مواقف عسكرية فقط. لكن توقيتها، على أعتاب الانتخابات، يفرض قراءة سياسية أيضاً. فنتنياهو لا يريد أن يدخل المعركة الانتخابية بصورة الخارج من لبنان من دون أن يحقق الأمن لسكان الشمال. خصوصاً أن منافسيه الرئيسيين، وبينهم شخصيات عسكرية وأمنية بارزة، يحاولون أيضاً تقديم أنفسهم بوصفهم أكثر قدرة على إدارة الأمن. لتبدو المنافسة بين من يستطيع أن يقدّم الحرب الأكثر أماناً أو التسوية التي تضمن الأمن. وهذا ما يجعل لبنان مرشحاً لأن يتحول إلى ورقة انتخابية حساسة.

فإذا هدأت الجبهة الشمالية بصورة كاملة، سيكون على نتنياهو أن يشرح للناخبين لماذا انسحب من لبنان، وما الذي حصل عليه في المقابل. أما إذا بقيت قوات الاحتلال داخل الجنوب واستمرت الضربات، فيمكنه تقديم ذلك بوصفه دليلاً على أن حكومته لم تتخلَّ عن أمن الشمال.

ومع ذلك، فإن الحرب الواسعة ليست الخيار الأسهل. فنتنياهو يعرف أن حرباً جديدة وكبيرة على لبنان يمكن أن تتحول سريعاً إلى حرب استنزاف، وأن أي خسائر بشرية إسرائيلية أو موجة صاروخية واسعة على الشمال قد تنقلب على الحكومة نفسها. كما أن اشتعال الحرب يضعه في مواجهة عسكرية مع إيران وسياسية مع واشنطن، في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية فرض ترتيبات إقليمية أوسع، وقد رشحت بالفعل خلافات بين نتنياهو وترامب -الذي يستعد بدوره لانتخابات نصفية في تشرين الثاني المقبل- حول كيفية مقاربة ملفات المنطقة.

لذلك قد يكون الخيار الأكثر فائدة انتخابياً عند الإسرائيلي هو التصعيد المحسوب لا الحرب الشاملة؛ ضربات محسوبة، عمليات اغتيال، إبقاء «المنطقة الأمنية» في لبنان تحت السيطرة الإسرائيلية، فضلاً عن التلويح دائماً بإمكان توسيع الحرب إذا لم ينفذ لبنان الرسمي ما تطالب به تل أبيب. بهذه الطريقة يستطيع نتنياهو أن يخاطب ناخبه من دون أن يذهب بالضرورة إلى حرب مفتوحة.

وحتى لو خسر نتنياهو الانتخابات، لا توجد مؤشرات واضحة على أن القوى المنافسة ستتجه إلى سياسة مختلفة جذرياً تجاه لبنان. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بما فيها شخصيات عسكرية بارزة انتقلت إلى العمل السياسي، لا تزال تنظر إلى الجنوب باعتباره مجالاً حيوياً للأمن الإسرائيلي. ولهذا فإن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية المستجدة.

فكل ضربة إسرائيلية قد تكون لها حسابات عسكرية، لكنها قد تحمل أيضاً رسالة إلى الناخب. وكل تهدئة قد تكون جزءاً من تفاوض سياسي، لكنها قد تتحول إلى مادة في حملة انتخابية. وكل يوم يبقى فيه جيش الاحتلال فوق تراب الجنوب يمكن أن يُقدَّم في إسرائيل باعتباره دليلاً على القوة والانتصار.

وعليه، بين صناديق الاقتراع في تل أبيب وقرى الجنوب اللبناني، قد يصبح الفاصل بين القرار العسكري والحساب الانتخابي أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فلبنان قد لا يكون على ورقة الاقتراع الإسرائيلية، لكنه قد يكون حاضراً بقوة في كل الحسابات التي تقود إليها.

ومن هنا، يكون الرهان اللبناني الحقيقي ليس على اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية العتيد، بل على ضرورة إقناع العدو ميدانياً بأن احتلال لبنان سيكون مكلفاً جداً. لأن أخطر ما في المرحلة المقبلة أن يصبح لبنان جزءاً من معادلة انتخابية إسرائيلية لا يملك أي تأثير في تحديدها. واللافت أنّ منطق الدولة اللبنانية حتى الآن لا يقوم على المبادرة، بل على التبرير. كل قرار يُصاغ بخَوفٍ من «التصعيد»، وكل تنازلٍ يُقدَّم باسم «الواقعية»، وكل إخلالٍ يُبرَّر بضرورة «طمأنة الخارج». وهكذا تُكتب سياسة لبنان اليوم بحبرٍ من الحذر، وتُدار ديبلوماسيته بمنطق «الانتظار الكريم» للالتفاتة الأميركية «الحنونة»، حتى غدا الوطن في حال سبات سيادي، يراقب أرضه تنتهك من بعيد، كمَن يشاهد ثرواته تسرق وهو لا يملك حتى البكاء بصمت.

* أستاذ جامعي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة