آخر الأخبار

صبرا وشاتيلا في الأدب الصهيوني: قافية البلطات والسكاكين

b1c240ee-f394-41ca-ba6f-346a9efd7437

حمزة البشتاوي

لما كان الكتّاب والأدباء الفلسطينيون يكتبون الرواية من قلب الحدث، لتوثيق الذاكرة والفاجعة ونقل الحقيقة وما فيها من تفاصيل تتعلق بالاسم والأمل، كان الأدب الصهيوني يعمل بشكل إيديولوجي لتعبئة الرأي العام وتبرير العمليات العسكرية، عبر استدعاء الأساطير واستخدام النصوص التوراتية القديمة لتأطير الصراع وشيطنة الفلسطينيين بما يخدم أهداف الحركة الصهيونية في إسكات الزمن الفلسطيني، ومحو ثقافة وتاريخ وتراث وهوية البلاد.

ويفعلون ذلك لتأجيج المشاعر، وتبرير جرائم الحرب وتصوير صاحب الأرض بأنه غاصب ومخلوق بدائي متخلف، وصولاً إلى الدعوة من قبل البعض إلى قتل الفلسطينيين كخيار وحيد متاح أمام الإسرائيليين، أو تهجيره لأنه قاوم احتلالهم، وعليه فهو يستحق الموت.
وأما في ما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا، فقد تجنب غالبية الكتّاب والأدباء الإسرائيليين تناولها مباشرة في أعمالهم باعتبار أن من ارتكب المجزرة هم عملاء إسرائيل من ميليشيا «القوات اللبنانية» رغم شبه الإقرار العلني بالمساعدة الإسرائيلية التي قدمت عبر الحصار العسكري الذي فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي على منطقة صبرا ومخيم شاتيلا ومحيطهم أيام 16 و17 و18 أيلول عام 1982.

تناول الأدب الصهيوني دور الجيش الإسرائيلي في المجزرة باعتباره شاهداً أو مساعداً وليس كصانع مباشر لها، وقد حضرت المجزرة في عدد من أعمال الكتّاب الإسرائيليين ومنهم الشاعر يونتان جيفن الذي قال: «حينما عدت من إجازتي إلى وحدتي التي تقاتل عند مداخل لبنان بادرني “بوعز” بالسؤال: كيف كانت الإجازة؟ قلت له: إن والدتي بكت كثيراً لأنني لم أحضر لها رأس أحدهم… والدتي بكت لأني لم أقتل المزيد…».

وفي قصيدة للشاعر نفسه بعنوان «دماء صبرا شاتيلا» قال: «هناك في مقهى بكريات شمونة كان جمهور غفير يجلس أمام الشاشة الصغيرة… لمشاهدة الأسرى الفلسطينيين صرخ الجمهور وصرخت أنا أيضاً ابتهاجاً بالحشد الجميل حيث الإرهابيون في طريقهم إلى المعتقل: اقتلوهم، صرخ الجمهور صرخنا جميعاً: احصدوهم.. اذبحوهم.. اقتلوهم، في صبرا وشاتيلا شاهدت دماءً كثيرة، فارتاحت نفسي».

وأمّا الشاعر الإسرائيلي إفرايم سيدوم، فيقول: «يا أطفال صور وصيدا إني أتهمكم ألعنكم أيها المخربون الإرهابيون الصغار يا من تحملون (الآر بي جي) بدل الحقائب والكتب إني أتهمكم… ألعنكم ستنامون محطمي العظام في الحقول، في الطرقات لا تسألوا لماذا؟ إنه العقاب والآن حان عقابكم». وتقول الشاعرة الإسرائيلية نعمي شمير متحدثة عن طلاب المدارس الإسرائيليين: «لو أنهم كانوا تلاميذ مجتهدين يتقنون الدرس لكانوا نصبوا مدافعهم على مداخل المخيمات وأمطروها بالقنابل بالحديد الملتهب ثم لو أنهم تلاميذ مجتهدون لكانوا استخدموا الدبابة من مسافة قريبة ودمروا البيوت والشوارع ولم يتركوا أحداً…».

منذ ما قبل وما بعد مجزرة صبرا وشاتيلا يتأكد قول الأديب الشهيد غسان كنفاني بأنه في الأدب الصهيوني، وخاصة في الحرب، لا فرق ما بين السياسي والمثقف أو بين الجندي والكاتب، فكلهم يتممون الدائرة الجهنمية المغلقة للمشروع الاستعماري الاستيطاني الذي يزداد توحشاً وتطرفاً وعلواً واستكباراً وإيغالاً في الجريمة كما يحصل في غزة وجنوب لبنان.

لقد «قاتلت الصهيونية بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي» كما قال الأديب الشهيد غسان كنفاني، والأدب الصهيوني هو جزء لا يتجزأ من الإيديولوجية الصهيونية السياسية التي جاءت بعد الصهيونية الأدبية التي جنّدت الأدب لتبرير الاحتلال والمجازر والتطهير العرقي بأفكار دموية وغير عقلانية، لا تقل خطراً عن الآلة العسكرية في حرب الإبادة ضد الأرض والإنسان والوجود. ومن هذه المنطلقات تناول الأدب الصهيوني ما قام به الجيش الإسرائيلي وعملاؤه من القوات اللبنانية في صبرا وشاتيلا بهدف اقتلاع الوجود المؤقت للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وذلك بعد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة، يتضمن حماية المدنيين. لكن ما حدث كان ارتكاب مجزرة اعتبرت من أبشع المجازر في القرن العشرين، ومنذ ذلك اليوم يشعر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بأنهم بدون حماية وأكثر عرضة للخطر.

* كاتب وإعلامي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة