أيهم السهلي
لا أحد يموت كأحد، وقبل النهاية المرسومة بالموت، لا أحد يبكي كأحد.
ها هي سنة جديدة، تتجدد فيها ذكرى وحشية الإنسان تجاه «أخيه» الإنسان. وها هي ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا، أضيفت إليها مذابح أخرى كثيرة، غزة لن تكون آخرها، وفلسطين بلد من بلدان كثيرة يراد لشعوبها أن تقتل وتقتل حتى يستحيل موت الشعوب ضرورةً لحياة على مقاس الحذاء الاستعماري.
في مثل هذه الأيام من سنة 1982، وبعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق رعته أميركا، سمي باسم وسيطه «فيليب حبيب»، ارتكبت عصابات لبنانية برعاية وتخطيط من الجيش الإسرائيلي مذبحة مروّعة في بيروت، وكانت نتيجتها آلاف الضحايا من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وغيرهم من جنسيات أخرى، قتلوا من دون تمييز، وكما وحّدهم فقر المخيم والمنطقة المجاورة، وحدتهم السكاكين والأسلحة البيضاء الكثيرة التي حزّت رقابهم وبقرت بطونهم، عدا عن الرصاص الذي أفرغوه في أجساد ضحاياهم.
استعادة المذبحة التي حدثت في بيروت، استعادة للصرخات المدوية التي خرجت من أزقة الفقر في صبرا وشاتيلا، من ظهيرة 16 حتى مساء 18 أيلول، حين جمّعت قوات الاحتلال المجرمين، وأدخلتهم إلى المخيم لتنفيذ ما اعتادوا على فعله، القتل بلا رجفة قلب أو عين، وهذا ما كان. أضاءت إسرائيل ليل المنطقة الواقعة خلف المدينة الرياضية، وسهّلت فعلهم في ذبح المدنيين الذين كانوا في تلك الأيام في المنطقة، ومنع الفارين من الخروج حتى يلقوا حتفهم لا محالة. ومع ذلك، نجا عدد من الضحايا، نجوا ليرووا هول ما رأوا، وليحكوا للزمن كيف قتل أهلهم أمام أعينهم، وهم مختبئون خلف شيء بلا حراك.
الموت الذي عرفته بيروت في تلك الأيام الثلاثة، سيظل علامة فارقة في تاريخ الدموية، كما في غزة اليوم، وكما في دير ياسين في أمس الأمس، وكما في قانا الأولى والثانية في لبنان، وبحر البقر مصر، وكل الأماكن التي أبيح فيها دم الناس بلا استثناء، ولسبب واحد، هويتهم الوطنية أو الدينية أو العرقية، أو إحساسهم فقط بالانتماء إلى شيء يناقض انتماء القتلة الذين تمت مذبحتهم في السنين الطويلة، قبل النكبة، وقبل استقلال البلدان التي استعمرها المستعمرون على مر التاريخ.
صبرا وشاتيلا، ليست للذكرى والتذكر، بل هي وأخواتها من المذابح بحق الفلسطينيين، جسر عبور بين الذين لا يعرفون تاريخ فلسطين وقضيتها، ولا يعرفون تاريخ الدم العربي المراق على مذبح الحرية، وبين الذين عرفوا. فلا شيء يفوق إبادة غزة على الإطلاق، لا صبرا وشاتيلا ولا تل الزعتر ولا كل المذابح التي سبقتهم أو تلتهم، لكنهم جميعاً فتحوا طرقات الدم، فتمهدت بالدم والجثث المتنفخة والمتفحمة، جثث لأشخاص كانوا حياة وقضية ونضال من أجل حياتهم وأوطانهم، فحولتهم آلة القتل إلى ذاكرة موت.
هذه المذابح التي لم تحاسب عليها إسرائيل ولا عصاباتها المتعددة في بلداننا، أدت إلى غزة، إلى إبادتها والحريق المشتعل فيها حتى اليوم. والطريق ستظل مفتوحة لإبادة أخرى إن لم تتم المحاسبة، وإن لم ترد للضحايا حقوقهم تحت قوس العدالة. فالمحكمة هنا ليست من أجل الحق فقط، بل من أجل أن تبقى الإنسانية قادرة على المناورة في عالم تحكمه قوى مهيمنة، وديكتاتوريات مجرمة، لا تربطها بمصير الناس سوى المصالح، فإن تعارضت المصالح، ذبحوا الحياة من الوريد إلى الوريد، كما يحدث كل يوم في بلادنا.
صبرا وشاتيلا حكاية أمسنا، وغزة حكاية يومنا الحاضر، وفلسطين التي تعيد وتكتب حاضرها كل يوم مع لبنان، حاضرنا وغدنا، والحكاية الوحيدة والحقيقية التي ستبقى «حتى الأبد»، وكما البداية، لا أحد يموت كأحد، وقبل النهاية المرسومة بالموت، لا أحد يبكي كأحد. لكن الجميع بعد أن يدرك المشهد الأخير، يدرك أن لا أحد يضحك كأحد، ولا أحد يحيي الحياة مثلنا نحن الذين خبرنا أسباب الموت الكثيرة، التي من ضمنها موت بلا ذنب، وموت آخر من أجل أن تحيا الحياة.
* كاتب فلسطيني