آخر الأخبار

متى تنتصر «إسرائيل»؟

e865aeee-34db-4591-8853-f39471f911f8

عمر نشابة

القتل قتل مهما كان القاتل قوياً، والاحتلال احتلال مهما امتلك المحتل من طائرات وصواريخ ودعم سياسي، والجريمة لا تتحوّل إلى فضيلة لأن مرتكبها يستطيع الإفلات من العقاب. و«إسرائيل» بما تمثّله من مشروع استعماري استيطاني قام على اقتلاع شعب وإحلال آخر مكانه وبما رسّخته من منظومة تمييز وسيطرة على الفلسطينيين واللبنانيين، تستطيع أن تدمّر الكثير وأن تقتل الكثير وأن تحتل المزيد من الأرض لكن انتصارها الحقيقي يبدأ في مكان آخر تماماً: تنتصر إسرائيل عندما تدخل إلى عقول الناس، وعندما تنجح في تغيير ميزان القيم داخلهم، عندما يصبح القوي محقاً لأنه قوي، والضعيف مخطئاً لأنه عاجز عن حماية نفسه، وعندما يصبح المال أثمن من الإنسان والوظيفة أهم من الموقف والمرسيدس أغلى من حياة طفل والشقة الفخمة أهم من بيت هُدم فوق رؤوس أصحابه.

تنتصر «إسرائيل» عندما يصبح الحفاظ على المصالح الشخصية الصغيرة معياراً للحكمة فيما الدفاع عن العدالة نوعاً من التهوّر وعندما يُسمّى الخوف واقعية والصمت نضجاً والتخلّي عن المظلوم عقلانية. يومها لا تعود «إسرائيل» بحاجة إلى إقناع أحد بأنها على حق، بل يكفي أن تُقنِع الناس بأن مقاومتهم لها مُكلِفة وأن الكلفة وحدها سبب كافٍ كي نصمت ونتراجع ونستسلم.

وهنا يكمن واحدٌ من أخطر التحوّلات التي أصابت جزءاً من المجتمع اللبناني حيث لم يعد السؤال عمّا هو عادل أو ظالم ولا عمّن يقتل ومن يُقتل ولا عمّن يحتل ومن تُحتل أرضه، بل صار السؤال: هل يمكن تحمّل ثمن الاعتراض؟ وكأن الحق يصبح باطلاً إذا كان صاحبه ضعيفاً، وكأن الظلم يصبح قدراً إذا كان الظالم يمتلك طائرة إف 16 وكأن الحكمة تقتضي الوقوف جانباً فيما يُقتل الآخرون لأن من يقتلهم يستطيع أن يقتل من يدافع عنهم أيضاً. لكن مهلاً، منذ متى كانت الأخلاق مشروطة بموازين القوى وما معنى العدالة إذا كانت تصلح فقط عندما يكون ثمنها زهيداً؟

«انتصار» باتهام الضحية

تنتصر «إسرائيل» عندما تهدم بيتاً في الجنوب ويشاهد بعض اللبنانيين ذلك ولا يرون فيه بيتاً لبنانياً، بل بيت بيئة سياسية وطائفية ومذهبية يختلف معها. «إسرائيل» لا تنتصر عندما يستشهد لبناني تحت القصف، بل عندما يصبح السؤال الأول بعد موته: إلى أي حزب كان ينتمي؟ ولا تنتصر عندما تقتل طفلاً، بل عندما يصبح ذلك الطفل رقماً آخر يضاف إلى رقم سبق أن نُشر بالأمس ولم يتغير شيء. إن الهزيمة الحقيقية هي أن يفقد اللبنانيين القدرة على رؤية الإنسان قبل معرفة هويته السياسية والطائفية والحزبية وأن يصبح اختلاف البعض مع حزب الله سبباً لعدم التضامن مع الجنوبيين، أو أن يجد بعض اللبنانيين تفسيراً سطحياً يخفّف في وعيهم ومن مسؤولية من يقصف ويقتل ويهدم.

من أخطر نجاحات إسرائيل تمكّنها من قلب السؤال في بعض الأوساط اللبنانية والعربية من «لماذا الاحتلال» إلى «لماذا المقاومة»؟ وبدلاً من السؤال لماذا تقصف إسرائيل لبنان وتقتل اللبنانيين؟ يصبح لماذا يوجد لبنانيون يقاومون «إسرائيل» في لبنان ولا يريدون السلام معها؟ هكذا تنتقل المحاكمة من المعتدي إلى الضحية.

استعمار الوعي

الاستعمار لا يحتاج دائماً إلى جنود ويكفيه أن ينجح في إعادة صياغة وعي من يستعمرهم وأن يجعلهم ينظرون إلى أنفسهم بعينه وأن يشعروا بالخجل من مقاومته، لا من الخضوع له. فالاستعمار الثقافي يصنّف المتمسك بحقوقه «متطرفاً» والتكيّف مع الظلم «عقلانية». وهكذا يصبح الاستسلام للواقع فضيلة ومحاولة تغييره مغامرة غير مسؤولة. وعندما يصل الأمر إلى هنا، تكون أخطر مستعمرة إسرائيلية قد أُنشئت بالفعل أي المستعمرة التي تقوم ليس فوق أرضنا المحتلة، بل داخل منظومة القيم.

منذ متى كانت الأخلاق مشروطة بموازين القوى وما معنى العدالة إذا كانت تصلح فقط عندما يكون ثمنها زهيداً؟

ويتحقّق ذلك عندما يصبح النجاح الشخصي أهم من المصير الجماعي وعندما يكون الحفاظ على الراتب أهم من قول الحقيقة وعندما يتراجع المثقف عن موقفه خوفاً على منصبه وعندما يحسب الأكاديمي كلفة الكلمة قبل أن يحسب كلفة الصمت وعندما يعرف العامل في منظمة حقوقية أن ما يحدث أمامه انتهاك فادح لكنه يبحث عن صياغة لا تزعج المموّل وعندما تصبح بعض الجامعات والمؤسسات والمنابر الغربية أكثر استعداداً لمعاقبة الاعتراض على الجرائم من استعدادها لمواجهة الجرائم نفسها.
فالمشكلة تكمن في النظام الأخلاقي الذي سمح للقوة بأن تحدّد حدود المقبول والمرفوض.

حين تصبح حقوق الإنسان مُكلِفة

السؤال اليوم أين المدافعون عن حقوق الإنسان عندما يصبح الدفاع عن حقوق الإنسان مُكلِفاً؟ لقد امتلأ العالم خلال العقود الماضية بالمؤسسات والمؤتمرات والكليات والبرامج والجوائز والخبراء الذين يتحدّثون عن الكرامة الإنسانية والقانون الدولي وحماية المدنيين لكن قيمة هذه المبادئ لا تظهر عندما يكون الدفاع عنها آمناً، بل عندما يصبح لها ثمن. هنا أيضاً يمكن لإسرائيل أن تنتصر: عندما تجعل كثيرين يخافون الاعتراض عليها أكثر مما يخافون رؤية الظلم.

لكن أخطر انتصاراتها ربما يكون أكثر بساطة: أن نطبّع ونعتاد صورة الطفل الشهيد والبيت المُدمّر والعائلة المنكوبة والأسير والمفقود والنازح والخيمة والمقبرة.

الأخطر أن تتحوّل المذبحة من صدمة إلى خبر، والخبر من حدث إلى رقم، والرقم من مأساة إلى خلفية اعتيادية لحياتنا اليومية. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في حال صدمة دائمة وهذه حقيقة مفهومة لكنّ هناك فرقاً بين الحماية من الانهيار النفسي واللامبالاة. حين تصبح المجازر الإسرائيلية أمراً عادياً يربح القاتل شيئاً لا تمنحه إياه أي دبابة أو طيارة: اللامبالاة. واللامبالاة هي الحليف الأكبر لكل ظلم.

متى لا تنتصر «إسرائيل»؟

لا تنتصر إسرائيل ما دام الناس يرفضون أن تصبح القوة مصدراً للحق، وما دام الطفل أي طفل أغلى بالنسبة إليهم من سيارة ومن وظيفة ومن حساب مصرفي.

لا تنتصر «إسرائيل» عندما يُسمى الاحتلال الاسرائيلي احتلالاً والقتل قتلاً والتهجير تهجيراً والتجويع تجويعاً. ولا تنتصر ما دام هناك من يرفض أن تتحوّل الواقعية السياسية إلى كلمة مُهذّبة لتبرير الخضوع، ويرفض أن تتحوّل الحكمة إلى ذريعة لترك المظلوم وحيداً. فالبيوت التي تُهدم يمكن أن تعاد والأرض التي تحتل يمكن أن تتحرر والمدن التي تُدمّر يمكن أن تنهض لكن ما يصعب ترميمه هو الإنسان عندما تُهدم داخله منظومة القيم.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة