آخر الأخبار

الشرق الأوسط الجديد: من مركزية «إسرائيل» إلى تعدد مراكز القوة وعودة فلسطين إلى قلب المعادلة…

4b176244-5f6a-42d7-9ca8-056113730ee6
بقلم د. عبدالرحيم جاموس
ثمة تحولات عميقة تجري في الشرق الأوسط وفي النظام الدولي المحيط به، تجعل من الصعب قراءة مستقبل المنطقة من خلال ميزان القوة العسكرية وحده، أو اختزاله في سؤال: هل ستبقى «إسرائيل» أم ستنتهي؟ فهذا السؤال، بصيغته القطعية، يتجاوز طبيعة التحولات الجارية. المسألة الأهم هي: هل ستبقى «إسرائيل» قادرة على أن تكون القوة المركزية التي تدور حولها ترتيبات الشرق الأوسط، أم أن المنطقة تتجه إلى نظام متعدد المراكز لا تحتكر فيه دولة واحدة موقع القيادة؟
المؤشرات المتراكمة تقول إن المنطقة تتحرك نحو الاحتمال الثاني. وليس المقصود بذلك زوال «إسرائيل» كدولة، ولا إنكار ما تمتلكه من قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، وإنما تراجع قدرتها على احتكار مركزية النظام الإقليمي وفرض نفسها بوصفها مركزه الأمني والسياسي والاقتصادي الوحيد.
فالعالم نفسه يتحول من نظام شديد التمركز إلى بيئة أكثر تعددية. ويعكس إعلان قمة بريكس في نيودلهي، في سبتمبر 2026، هذا الاتجاه بوضوح؛ إذ أكد الالتزام بالتعددية القطبية وإعادة تشكيل الحوكمة الدولية، بالتوازي مع الدعوة إلى حماية سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة. وفي السياق ذاته، أعاد الإعلان التأكيد على الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض التهجير القسري وإطالة أمد الاحتلال.
وهذا التحول الدولي يتقاطع مع تحول إقليمي أعمق. فقد أصبحت السعودية، وتركيا، ومصر، وإيران، وباكستان، إلى جانب دول الخليج وغيرها، مراكز تأثير لا يمكن تجاوزها عند رسم مستقبل المنطقة. كما تتزايد أهمية آسيا الوسطى والقوقاز وممرات التجارة والطاقة الجديدة، بما يعيد توزيع الجغرافيا الاقتصادية والاستراتيجية للشرق الأوسط. ولم تعد الموانئ والممرات وسلاسل الإمداد مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن والنفوذ وإعادة تشكيل العلاقات بين الشرق والغرب.
ومن هنا فإن الحديث عن «نهاية إسرائيل» بوصفها دولة لا يقدم قراءة دقيقة للتحول. الأدق هو الحديث عن نهاية مرحلة كانت فيها «إسرائيل» تسعى إلى أن تكون مركز النظام الإقليمي، مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي وإلى الدعم الأميركي، وإلى فرض وقائع سياسية وأمنية على دول المنطقة.
وتبرز حرب غزة وما تفرع عنها من مواجهات إقليمية منذ أكتوبر 2023 مثالاً مهماً على الفارق بين المكسب التكتيكي والمحصلة الاستراتيجية. فقد حققت «إسرائيل» مكاسب عسكرية ميدانية في مواجهاتها مع حركة حماس وحزب الله وفي صراعاتها مع إيران وساحات أخرى، مدعومة بصورة أساسية من الولايات المتحدة. لكن التفوق العسكري لا يتحول بالضرورة إلى تفوق استراتيجي إذا لم ينتج عنه نظام إقليمي أكثر استقراراً، أو قدرة أكبر على الاندماج السياسي والاقتصادي، أو تسوية دائمة للقضية الفلسطينية.
بل إن الحرب أدت، في المقابل، إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الدولية، وإلى اتساع النقاش حول الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة وحماية المدنيين. وفي الولايات المتحدة نفسها، أظهر استطلاع مركز «بيو» في مايو 2026 تراجعاً واضحاً في النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين وإلى الحكومة الإسرائيلية مقارنة بالسنوات السابقة؛ كما أظهر استطلاع جامعة ماركيت في سبتمبر أن 59% من الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع كانت لديهم نظرة غير مؤيدة إلى «إسرائيل»، مقابل 29% مؤيدة، وأن 55% رأوا أن الولايات المتحدة تقدم لها مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي. وهذه مؤشرات على تغير في الرأي العام الأميركي، لا حكماً على اتجاه المجتمع الأميركي كله.
وفي المقابل، لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في الإطار العربي أو الإسلامي، بل أصبحت جزءاً من جهد دولي منظم لإعادة بناء أساس سياسي للمنطقة. فقد قادت فرنسا والسعودية المسار الذي أفضى إلى «إعلان نيويورك» بشأن حل الدولتين، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 بتأييد 142 دولة. ويضع الإعلان إطاراً متكاملاً لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، وإنهاء الحرب، وتوحيد الأراضي الفلسطينية تحت حكومة وقانون واحد، وإعادة الإعمار، وإجراء الإصلاحات والانتخابات، ضمن مسار سياسي أوسع.
وفي أغسطس 2026، أكدت السعودية وفرنسا مجدداً رفضهما أي مساس بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967، ودعتا إلى وقف الاستيطان وعنف المستوطنين، وأكدتا دعم إصلاح السلطة الفلسطينية والانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية. كما ربطتا استقرار المنطقة باحترام سيادة الدول والقانون الدولي والحلول السياسية والدبلوماسية.
وهنا تحديداً تظهر الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن قراءة «الشرق الأوسط الجديد»: لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر يتجاوز القضية الفلسطينية أو يؤجلها إلى أجل غير مسمى. ففلسطين ليست ملفاً هامشياً في النظام الإقليمي، وإنما أحد مفاتيح استقراره. وأي محاولة لإقامة ترتيبات إقليمية جديدة من دون معالجة الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني ستظل عرضة للتوتر وإعادة إنتاج الصراع.
ولهذا فإن حل الدولتين، وفق حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ومعالجة قضية اللاجئين في إطار قرارات الأمم المتحدة، ليست مجرد مطالب فلسطينية، وإنما أصبحت جزءاً من الإطار الدولي المطروح لإعادة تنظيم المنطقة. ويظل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 (III) لعام 1948، ولا سيما الفقرة 11 منه، أحد المراجع الدولية الأساسية في قضية اللاجئين وحق العودة والتعويض.
وعليه، فإن التحول الجاري لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره «نهاية إسرائيل»، ولا باعتباره انتصاراً لطرف على آخر؛ بل باعتباره نهاية تدريجية لمرحلة احتكار مركزية الشرق الأوسط من قبل قوة واحدة. ستظل «إسرائيل» دولة ذات قدرات عسكرية وتكنولوجية مؤثرة، لكنها ستكون، في النظام الإقليمي الآخذ في التشكل، دولة من دول المنطقة، وقوة من قواها، ومركزاً من مراكزها، لا المركز المهيمن عليها.
أما الشرق الأوسط الجديد، فالأرجح أن تتحدد ملامحه بتعدد مراكز القوة، وتنوع الشراكات، وتعدد الممرات الاقتصادية والأمنية، وتنامي أدوار السعودية وتركيا ومصر وإيران وباكستان ودول الخليج وغيرها، مع اتساع حضور القوى الآسيوية والدولية. وفي قلب هذا التحول ستبقى فلسطين حاضرة لا بوصفها عقبة أمام النظام الجديد، بل بوصفها جزءاً تأسيسياً من استقراره وشرعيته السياسية.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي للمستقبل ليس: هل تختفي «إسرائيل»؟ بل: كيف ستتحدد مكانتها في شرق أوسط لم يعد قابلاً لأن يتمحور حول دولة واحدة؟ والإجابة ستتوقف، بدرجة كبيرة، على قدرة المنطقة والمجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة