آخر الأخبار

بعد عامين من الإبادة .. المنخفضات الجوية تعيد رسم المأساة في غزة

15ipj-18

بين الطين والمطر والبرد القارس، يعيش النازحون في قطاع غزة فصولاً تزداد قسوة مع كل يوم شتاء جديد، بعد أكثر من عامين على الإبادة الجماعية.

آلاف الخيام تحولت إلى مساحات مشبعة بالمياه، وأجساد الأطفال ترتجف تحت بطانيات لا تصلح حتى لرفع الرطوبة عن الأرض، وفي ظل انعدام البنية التحتية، تبدو موجات البرد القادمة كإنذار بكارثة إنسانية أشد وقعًا.

“معركة طويلة مع الليل”

على مدخل خيمتها غرب دير البلح التي انخفض سقفها بفعل المطر، تجلس أم أحمد الحداد قرب إناء معدني تحاول إشعال بعض قصاصات الكرتون بلطف كي لا يختنق طفلها بالدخان، محاولة تدفئته.

تقول وهي تحاول إضفاء الدفئ على طفلها: “الليل عندنا أصبح معركة، ليست معركة نوم، بل معركة صمود، طفلي لا يملك ملابس شتوية، وأي بطانية لدينا أصبحت مبللة. أمس أمضيت الليل أضغط جسدي عليه كي لا يتجمد من البرد”.

وتتابع وهي تشير إلى حفرة تتجمع فيها المياه داخل الخيمة كلما هطلت الأمطار: “كلما حاولتُ تنشيف أرض الخيمة، تعود المياه من جديد. أشعر أنني أقاتل المطر بيديّ العاريتين. البرد يدخل العظام… ويأكل أطفالنا ونحن نتفرج”.

سامر… أب يحرس نوم طفلتيه على كرسيّ بلا أرجل

سامر عودة، الذي نزح من الشمال إلى مخيم وسط غزة، يصف ليلة انهدام خيمته بصوت تغلبه المرارة: “انهار أحد أعمدة الخيمة مع الرياح. المياه دخلت في دقائق. حملت طفلتيّ ووضعتُهما على كرسي مكسور بلا أرجل كي أبعدهما عن الماء. بقيت واقفًا حتى الصباح… رجلاي كانتا ترتجفان أكثر من الطفلتين”.

ويضيف بأن قسوة المطر ليست سوى جزء من المشكلة: “نحن نمشي بين الخيام ونسمع أطفالًا يبكون طوال الليل. لا تستطيع أن تساعد، لأنك بالكاد تنقذ نفسك. البرد هنا لا يرحم”.

أم ناصر… ذاكرة الحرب تستيقظ في الشتاء

العجوز أم ناصر، التي تجاوزت السبعين عامًا، تجلس فوق لوح خشبي صغير أعاد ابنها سحبه من ركام بيتهم المدمر.

تشير إلى رُكبتيها اللتين غمرتهما مياه المطر طوال الليل: “تخيّل أنني قضيت شبابي في حروب كثيرة، لكن هذا الشتاء أصعب من أي حرب. في الليل أشعر أنني سأموت من البرد، لا من قذيفة. أضع أكياسًا بلاستيكية على قدميّ كي لا تبتل أكثر… لكن بلا فائدة”.

وتصف أصوات الأطفال من حولها: “الصرخات لا تنقطع… كل خيمة فيها قصة بكاء. والله البرد هنا أوجع من الرصاص”.

حلم ببطانية غير مبللة

في زاوية مخيم سنابل في خان يونس، يقف أنس، 9 سنوات، حافي القدمين، يلف حول كتفيه بطانية لا تزال تقطر ماءً.

حين سُئل عن أمنية واحدة يطلبها، قال: “أريد بطانية لا تبللني. لا أريد أكثر”

خطر حقيقي على الحياة

وفي تقييم رسمي للوضع، قال إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة: “ننظر ببالغ القلق إلى موجة البرد القاسية التي تضرب قطاع غزة ضمن المنخفضات الجوية الشتوية المتلاحقة، والتي تُهدّد حياة مئات الآلاف من النازحين، خصوصاً الأطفال الذين يعيشون في خيام مهترئة لا توفر أي شكل من أشكال الحماية”.

وأضاف في حديث لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام أن ما يواجهه النازحون اليوم خطر حقيقي على الحياة، فالأطفال ينامون على أرض رطبة، بلا تدفئة، وبلا غطاء، وبلا غذاء كافٍ، في بيئة مكتظة تفتقر إلى الماء والصرف الصحي.

وأكد أن هذه الظروف تُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يُلزم قوة الاحتلال بتوفير الحماية للمدنيين وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة، مشيراً إلى أنما يحدث اليوم هو امتداد لسياسة التجويع والتدمير والتهجير التي يواصل الاحتلال فرضها على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.

“المنخفضات المقبلة كارثة مضاعفة”

وفي تحذير واضح، قال الثوابتة: “نُحذّر بوضوح شديد من أن المنخفضات القادمة ستفاقم الوضع الإنساني إلى مستوى كارثي، خاصة بعد أن غمرت مياه الأمطار آلاف الخيام خلال الأيام الماضية”.

وأشار إلى أنهم يتحدثون عن أكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في مناطق مكشوفة وخيام، فوق ركام أو في أراضٍ طينية، بلا بنية تحتية، وبلا مصارف مياه، وبلا أي تجهيزات لمواجهة الأمطار والعواصف.

وأضاف أن استمرار غرق الخيام يعني تفشّي الأمراض، وانتشار التلوث، وفقدان آلاف العائلات لمأواها الوحيد.

وأكد أن ما يحدث “نتيجة مباشرة لحرمان الاحتلال للقطاع من المواد الأساسية لبناء مساكن مؤقتة صالحة، ومنعه إدخال مواد الإيواء من خشب وخيام مقاومة للمطر، وشوادر وسواتر بلاستيكية، ومولدات، ومضخات، ووقود”.

رسالة للعالم: “التحرك اليوم… قبل أن تتحوّل المخيمات إلى مقابر مفتوحة”

واختتم الثوابتة رسالته بقوله: “رسالتنا للعالم واضحة، وهي أن حماية المدنيين في قطاع غزة وبينهم أكثر من مليون طفل؛ مسؤولية قانونية وإنسانية فورية… ولا يمكن القبول بأن يتحول الشتاء الآن إلى فصل جديد من الموت البطيء”.

وأشار إلى ضرورة التحرك عبر مسارين متوازيين: الأول استجابة عاجلة عبر “إدخال مواد الإيواء العاجلة، من خيام مقاومة للمطر، بطانيات، فرش نوم، ومواد عزل حراري، وغيرها من مواد إيواء”.

وتوفير الوقود للمستشفيات ومحطات المياه ومضخات الصرف الصحي، وإدخال مولدات كهرباء ومضخات لسحب المياه من المخيمات.

كما دعا إلى حماية قوافل المساعدات من الاعتداءات ومنع الاحتلال من عرقلة وصولها.

أما المسار الثاني وفق الثوابتة فهو مسار رفع الحصار، عبر “الضغط القانوني والسياسي لإنهاء الحصار فوراً وفتح المعابر بشكل كامل”.

وأوضح أن هذا المسار يأتي لضمان تدفق الغذاء والدواء والوقود دون شروط أو قيود، وضمان حماية مراكز الإيواء وعدم استهدافها.

واختتم: “ما نعيشه اليوم هنا في قطاع غزة هو جريمة مستمرة، والمطلوب من العالم أن يتحرك اليوم قبل أن تتحول المخيمات إلى مقابر مفتوحة بفعل البرد والمطر والجوع”.

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة