آخر الأخبار

فقدان الاتزان الاستراتيجي في إسرائيل .. أزمة بنيوية تكشف هشاشة المشروع الصهيوني

1776802199

تكشف حالة إسرائيل خلال عامي الإبادة الجماعية عن أزمة مركّبة تعيد تشكيل المشهد الداخلي والخارجي للكيان. الأزمة ليست مجرد ارتباك سياسي أو أمني، بل كما يصفها الدكتور محسن صالح “فقدان اتزان استراتيجي” يتحول تدريجيا إلى تهديد وجودي.

ويؤكد مدير مركز الزيتونة للدارسات والاستشارات محسن صالح في مقال له تابعه المركز الفلسطيني للإعلام أن هذا الفقدان نابع من خلل بنيوي داخل الكيان، ومن عقلية حاكمة تتصرف خارج منطق الاستقرار طويل المدى.

يربط صالح بداية الانهيار بتشكيل حكومة الليكود مع التيارات الدينية المتطرفة في نهاية 2022، موضحا أن هذا التحالف نقل المشروع الصهيوني من إدارة الاختلاف إلى تعميق الانقسام.

فقدان القدرة على احتواء التباينات

طوال عقود تمكن الكيان من احتواء التباينات العرقية والدينية عبر منظومات تشريعية وسياسية حديثة، لكن السنوات الأخيرة كشفت حدود هذا النموذج، يقول صالح إن “إسرائيل دخلت مرحلة تفقد فيها القدرة على إنتاج قرار متزن، لأنها أسيرة أيديولوجيا إلغائية وعدائية تجاه الآخر، تعجز عن إدراك ذاتها وإمكاناتها”.

تجلّت الأزمة بوضوح في الاحتجاجات الواسعة عام 2023 ضد التعديلات القضائية. إذ كشفت هذه الاحتجاجات هشاشة العقد الاجتماعي بين التيارات العلمانية والدينية، ووضعت مؤسسات الحكم أمام اختبار غير مسبوق، وتزامن ذلك مع سلسلة استقالات وإقالات طالت وزير الجيش ورئيس الأركان ورئيس الشاباك ومستشاري الأمن القومي، ما عكس صراعا حادا بين الحكومة والأجهزة الأمنية.

يشير صالح إلى أن “القيادة الإسرائيلية أصبحت غارقة في تنازع داخلي يعطّل قدرة الدولة على الحركة، ويخلق بيئة خصبة للانفجار”.

على المستوى الإستراتيجي، يميّز صالح بين اختلال التوازن التقليدي وفقدان الاتزان. اختلال التوازن يرتبط بميزان القوى ويمكن تعويضه عبر التحالفات والتسليح. أما فقدان الاتزان فهو خلل ذاتي في بنية الحكم والعقل السياسي.

ويقول الباحث الفلسطيني: إن “صانع القرار الإسرائيلي يعيش حالة تضخيم أو تقليل مستمر لقدراته وقدرات خصومه، ويميل إلى قراءة الواقع بمنظار أيديولوجي وديني، ما يقوده لخيارات مدمرة”.

تعدد الجبهات يفاقم المأزق

يتباهى نتنياهو بسبع أو ثماني جبهات مواجهة، لكن هذا التمدد يضع الجيش في حالة إنهاك طويلة ويستنزف الموارد، فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الاستنزاف الناتج عن تمدد الجبهات كان سببا مباشرا في سقوط دول وإمبراطوريات. وترافق ذلك مع تراجع كبير في الشرعية الداخلية، حيث أظهرت معظم استطلاعات الرأي خلال عامين تقدم المعارضة وتراجع ثقة الجمهور بالجيش والحكومة.

من جهة أخرى، لعبت المقاومة الفلسطينية – وفق صالح- دورا محوريا في كشف هشاشة النظام الإسرائيلي. خلال معارك طوفان الأقصى، تمكنت المقاومة من ضرب منظومة الردع التقليدية وإجبار القيادة الإسرائيلية على العمل تحت الضغط المستمر.

ويؤكد الباحث محسن صالح أن “الانتقال من التخطيط الإستراتيجي إلى إدارة الأزمات دليل على انهيار القدرة الإسرائيلية على الحسم”، مشيرا إلى أن استمرار صمود المقاومة لعامين، وفشل الجيش في تحقيق أهدافه، خلق “عقدة فقدان الاتزان داخل القيادة”.

الدعم الأميركي .. طوق نجاة مؤقت

خطة ترامب لليوم التالي في غزة وقرار مجلس الأمن 2803 منحا الاحتلال غطاء دوليا يقلص الضغوط، لكن صالح يؤكد أن هذه الخطوات “لم تعالج جوهر الأزمة، بل وفرت فقط فرصة لالتقاط الأنفاس”. في المقابل، تراجعت السردية الإسرائيلية عالميا، وتوسع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووصلت “إسرائيل” إلى عزلة سياسية غير مسبوقة.

يقدم صالح ثلاثة سيناريوهات للمستقبل: استعادة نسبية للاتزان عبر انتخابات جديدة وتطبيع أوسع، أو استمرار الفوضى البنيوية الحالية، أو انهيار أعمق يقوده التمدد المفرط وسيطرة التيارات الدينية القومية. يرجّح أن تكون النتائج بين الخيارين الأول والثاني، لكنه لا يستبعد الثالث على المدى المتوسط.

يخلص صالح إلى أن ما يظهر اليوم من نشوة إسرائيلية “استراحة هشة” ستنكشف قريبا، لأن البنية الداخلية للكيان عاجزة عن إنتاج توازن طويل المدى.

يؤكد صالح أننا أمام مشروع يعيش فقدانا متزايدا للشرعية، ويعجز عن فهم البيئة الإقليمية، ويتعامل مع الشعب الفلسطيني بعقلية القوة وحدها. والسؤال المطروح: هل يمكن للكيان أن يستعيد اتزانه بينما تعيد المقاومة صياغة قواعد الصراع، وتعيد المنطقة صياغة توازناتها؟

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة