آخر الأخبار

حالنا الفلسطينية الهشّة

92c9d1f5-3942-44e4-97ea-c24567b162bd-rdn68zqs2ygy3uulthn2t6axdieqskvmk9wvq7z4hc

أيهم السهلي

تموت القضايا الحقيقية في منطقتنا، وتموت الحقوق المرتبطة بهذه القضايا، ولا سيّما تلك المتعلّقة بشؤون وخدمات الناس وبخاصة أكثر، القضايا المتعلّقة باللاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج. وبتركيز أكبر على الخارج، لأنّ لا سلطة فلسطينية في الخارج، فقط تأثير.

ليست المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا سوى حال هشّة جدّاً، وقابلة للانهيار في أي لحظة، وبسرعة منقطعة النظير. وبعيداً عن كل الكلام المكرّر عن قوة الشعب الفلسطيني، وقدرة المخيمات على الصمود والمواجهة، فإنّ الواقع اختلف منذ عقود طويلة، ولم يعُد أي شيء كما كان. وإلا كيف تمكّنت «الأونروا» في لبنان مثلاً، من حذف مادّتي تاريخ وجغرافيا فلسطين من مناهجها، وكانت النتيجة اعتراض الفصائل الفلسطينية على القرار، والاحتجاج في وجهه، ومن ثم نفّذت «الأونروا» قرارها، وها هم بعض أطفال المخيمات، لمّا يسألون عن المكان الأصلي لهم، يجيبون «المخيم»، أو من فلسطين، من دون أن يعرفوا اسم مدينتهم أو قريتهم.

وبعد أن وقعت الواقعة، لم يفعل أحد شيئاً، سوى بعض النشاطات الشبابية في المخيمات، كـ«النادي الثقافي الفلسطيني» في مخيم مار الياس والبداوي، و«مركز النقب» في برج البراجنة. أمّا الفصائل الفلسطينية وشبيبتها، فلربما لا يعرف بعض أبناء شبيبة الحزب الفلاني أو الحركة الفلانية البرنامج السياسي أو النظام الداخلي لتنظيمهم.

الواقع يقول إنّ الاحتلال الإسرائيلي، يعمل كل ما بوسعه لتهشيم المجتمع الفلسطيني وتفكيكه، فهو «مجتمع العدو»، والاحتلال لن يكون في يوم من الأيام جمعية خيرية، أو محبّة للسلام مع الفلسطينيين، لذا فهو يهيّئ الظروف المناسبة، لتدمير هذه المجتمعات، ويفعل ما بوسعه لتدمير المخيمات الفلسطينية ضمنها.

من جانب آخر، هناك القوى الفلسطينية «الحيّة» المسؤولة عن الفلسطينيين، من ضمنهم أبناء المخيمات، ماذا تفعل هذه القوى، وعلامَ تقوى فعلياً؟ وإن كانت تقوى على فعل شيء حقيقي، فهل بوسعها إنقاذ المخيمات، ومجتمعات اللاجئين، ولا سيّما في لبنان، وإن كان بوسعها فعل ذلك، فلماذا تركت الأمور تصل إلى هذا المستوى المتردّي. في الحقيقة ليس هناك من أحد يجيب، وإن وجد أحد ما، فسيتقدّم بجملة من المنبريات الجاهزة، التي فعلياً لا تقدّم معلومة جديدة أو مفيدة.

الكلام المتكرّر عن أوضاع الفلسطينيين في الداخل والخارج، لا يجعل المرء ملولاً، ولا يسمح للبعض الذي يعتبر أنّ الفلسطينيين فقط يشتكون، كما يكتب بعض العرب على صفحات التواصل الاجتماعي، وكما يكرّر بعض الفلسطينيين من «أصحاب الشأن» الذين تنعّموا بنعم السلطات والمنظمات، ولم يعُد واحدهم يعرف أحوال شعبه، ولا أحوال المخيمات الفلسطينية، ولا كيف يعيش اللاجئ الفلسطيني، ليس فقراً ولا هم يحزنون، لكنّه قلق وجودي، مرتبط بالقرارات السيادية للدول المستضيفة والمتغيرات التي تعيشها المنطقة.

تحديداً وأن القيادة الفلسطينية، وباقي الفصائل الفلسطينية، فعلياً لا تفعل أي شيء على هذا المستوى بما يخصّ هذا الشقّ من الشعب اللاجئ في دول الطوق. ومجدّداً ها هي «الأونروا» تتصرّف كما يحلو لها في الأقاليم الخمسة، وتحديداً في لبنان، لأنّ سقف المواجهة بين الناشطين غير المحزّبين والوكالة أعلى، وليس هناك مَن يقف في وجهها، وليس آخر فعلها فصلها لأربعة معلّمين، هم رئيس اتحاد المعلّمين ومدير مدرسة حطين الأستاذ إبراهيم مرعي، والأستاذ في ثانوية عمقا الأستاذ ماهر طويّة، والأستاذ في ثانوية الناصرة الأستاذ أسامة العلي، ومدير مدرسة القدس الأستاذ حسان السيد، وهم من خيرة المعلّمين الفلسطينيين في لبنان، والمشهود لهم بالكفاءة وبالدور الاجتماعي والتوعوي للطلبة، لكنهم فُصلوا بذريعة «خرق الحيادية».

ولو عدنا إلى تاريخ فصلهم، وهو أواخر حزيران الماضي، وذلك بعد نحو سبعة أشهر من إيقافهم عن العمل للذريعة ذاتها، ما الذي تمكّنت من فعله القوى الفلسطينية من أجل هؤلاء، ولا سيّما أنّ تهمة «خرق الحيادية» هي أنّ الفلسطيني ممنوع أن يتكلّم عن فلسطين، وبالتالي المعلمون الأربعة فُصلوا لأنهم تكلّموا عن قضية شعبهم.

وإن كان مفهوماً لدى البعض أنّ الأمم المتحدة «حيادية»، فكيف يمكن لفلسطيني أن يكون حيادياً إزاء موت شعبه اليومي، وإزاء أحوال مخيماته الآيلة إلى الانهيار ليس كأبنية فقط، بل كمجتمعات، ولعلّ هذا ما يطبخ للمخيمات، أن تتفكّك كما حدث في سوريا، وأن ينتشر سكان المخيمات في أصقاع البلاد، فالغاية إنهاء فكرة التكتل الفلسطيني الصلب الفاعل، وهو النموذج الذي تقوم به إسرائيل في شمال الضفة الغربية.

ومرة أخرى ولن تكون الأخيرة، أين الفصائل والقوى الفلسطينية؟ أين السلطة الفلسطينية؟ أين اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني؟ أين منظمة التحرير الفلسطينية؟ أين الجميع؟

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة