حسين قاسم
يوجد نوعان رئيسيّان من المعارضة؛ واحدة جذرية والثانية إصلاحية، وتوجد بينهما معارضات تجمع نسباً متفاوتة منهما. الأولى، لديها مشروعها الخاص الذي يطمح إلى تغييرٍ جوهري في طبيعة السلطة أو النظام في الكيان الوطني أو السياسي أو الاجتماعي. أمّا الإصلاحية فهي تلتقي عموماً مع السلطة القائمة، ولكنها تختلف في بعض الجوانب غير الرئيسية، وتسعى إلى إصلاح هذه الجوانب بما يتناسب مع رؤيتها لإدارة الشأن العام. وتنجح المعارضة في مسعاها إذا توفّرت لها قيادة فعّالة تعرف كيف تبني استراتيجيتها وبرامجها وتعرف كيف تنجزها. وفي هذا المقالة سأتناول أمثلة تتعلّق بالجبهتين الشعببية والديمقراطية وكذلك فتح الانتفاضة.
عدم التجانس بين قول المعارضة وفعلها
-تقدّمت الجبهة الديمقراطية إلى منظمة التحرير، عام 1969، بمشروعٍ طالبت فيه بإلغاء الأجهزة الإدارية البيروقراطية، وبتشكيل أجهزة تعتمد على المتطوّعين وطنيّاً، وبالعمل على تحويل جيش التحرير إلى جيش عصابات مقاتلة. لكنها سرعان ما انخرطت في جسم المنظمة، وشاركت في أجهزتها البيروقراطية وامتيازاتها، كما حوّلت مجموعاتها الفدائية إلى جيش من المتفرّغين، وانتهت لتصبح حصان طروادة للبرنامج المرحلي الذي يمثّل برنامج القيادة الحاكمة (اليمينية بنظرهم).
-بسبب وفرة التمويل الآتي من دول الخليج، وأنظمتها الرجعية بنظر الجبهتين، لم تجدا حرجاً من الانتفاع منه، ومن استخدامه لخلق مؤسسات شبيهة بتلك التي لدى منظمة التحرير و«فتح». وعملتا على جذب متفرّغين للعمل في الأجهزة العسكرية والسياسية والإعلامية والخدماتية، من دون أن تكون لهذا ضرورة عملية لخدمة العمل الفدائي الذي من أجله أُنشِئت هذه الفصائل. ومع الزمن تحوّل جيش المتفرّغين إلى عبءٍ يحتاج إلى استمرار تدفّق التمويل، المُصنّف رجعياً، والذي يخضع الحصول عليه لمشيئة القيادة الحاكمة عاجلاً أم آجلاً. لذلك، لا يمكن أن يشكّل اليسار معارضة حقيقية لليمين وفي الوقت ذاته يشاركه النِّعَم التي بين يديه (تمويل ووظائف في المنظمة). وللعلم، ساهمت هذه النِّعَم بانتقال ولاء عددٍ من قادة وكوادر «اليسار» إلى «اليمين» بسبب الامتيازات التي اعتادوا عليها.
فشل المعارضة هو فشل قيادتها
بمراجعة مسيرة المعارضة في المنظمة وما كانت تسعى إليه من إصلاحٍ أو الحدِّ من تفرُّد وهيمنة القيادة الحاكمة على القرار الفلسطيني، وبمقارنة ذلك مع النتائج، سرعان ما نتوصّل إلى أن هذه المعارضة فشلت فشلاً ذريعاً في مهمّتها. فهي لم تفلح ولو مرّة واحدة في إصلاح أي خللٍ يشوب منظّمة التحرير، وهي لم تقوَ على كبح جماح قيادتها السائرة على هواها غير آبهة بالمواثيق وبالأنظمة الداخلية.
فلو رسمنا خطاً بيانياً لعلاقة المعارضة مع قيادة المنظمة، لوجدنا أن القيادة الحاكمة كانت تسير، والمعارضة تسير خلفها متأخّرة بضع خطوات عنها، وفي كل مرة تتفاجأ فيها بانعطافة خطيرة للزعيم كان يعلو صراخ هذه المعارضة استنكاراً للانحراف وللخروج عن الإجماع الوطني. لكن، ما إن يمرّ بعض الوقت حتى تتأقلم المعارضة مع الواقع الجديد فتعود إلى «إجماعٍ وطني» متصالح مع «الانحراف» السابق. فكان «الإجماع الوطني» يتحرّك دائماً إلى الأسفل، وما زال، من دون أن يجد لنفسه قعراً يستقرُّ فيه.
الفشل المتكرّر ليس سوء حظٍّ. إنه بفعل فاعل، وأهم فاعلٍ هو القيادة التي عليها التعلُّم من التجارب، ووضع الحلول وتصحيح المسار. وإن لم يتم ذلك فاستبدالها واجبٌ، وإن لم يتم ذلك أيضاً، فتكون الجهة السياسية قد فقدت قدرتها على التجديد وربما دخلت في موتٍ سريري كتعبير عن أزمة القيادة وأزمة بديلها.
افتقار المعارضة للمبادرة الفعّالة
فلنأخذ مثلاً على ذلك: عندما أعادت القيادة الحاكمة العلاقة الرسمية العلنية مع نظام كامب ديفيد المصري، أقامت القيادة المشتركة للجبهتين الشعبية والديمقراطية الدنيا ولم تُقعِداها تنديداً، وأعلن جورج حبش ونايف حواتمة الالتزام بمحاسبة عرفات على فعلته، وضرورة العمل لإحداث تراكمات نضالية، تستطيع «القوى الديمقراطية» من خلالها تشكيل قيادة جماعية لا تسمح بالهيمنة والتفرّد (حبش وحواتمة، كرّاس «القيادة المشتركة، ضمانة وحدة منظمة التحرير وخطّها الوطني»، 1983).
كلامٌ جميل، لكنه غير كافٍ لأنه لم يترافق مع برنامج عمل يتضمّن خطوات محدّدة لإنجازه. ولذلك لم يكن لموقف الجبهتين أي أثر في ممارسات القيادة التي لم ترتدع عن المزيد من الانحراف. فالمبادرة الفعّالة تقتضي أن تقوم على دراية صحيحة بالظروف الذاتية والموضوعية ذات العلاقة، ويجب أن تكون الجهة المبادرة قادرة على تنفيذها، سواء لأنها تدرك أنها تملك المقوّمات للنجاح بالمهمة أو أنها قادرة على تطوير مقوّماتها الحالية لتصبح بالمستوى المطلوب. ومع الأسف، فشلت المعارضة في تحقيق أمانيها، والأكثر أسفاً أنها لم تقُم بمراجعة نقدية بحثاً عن أسباب هذا الفشل.
هذا النمط من المعارضة يدلُّ على فقدان قيادتها للمبادرة الفعّالة ذات الأفق الاستراتيجي، وعلى الوقوع دائماً في دائرة رد الفعل على أفعال القيادة الحاكمة (للمزيد يمكن مراجعة مقالتي السابقة في «الأخبار» بتاريخ 15/04/2021، بعنوان «عن اليسار الفلسطيني وفشل مسيرة المعارضة»).
المعارضة داخل «فتح»
شكّلت «الانتفاضة» داخل «فتح» 1983 حدثاً بارزاً في مسيرة المعارضة الفلسطينية، وكانت امتحاناً هاماً لقيادة المعارضة اليسارية ولكفاءتها في القيام بمهامها التغييرية المُفتَرَضة. إلّا أن هذه التجربة لم تكن سوى تأكيد على افتقار المعارضة للقيادة الصحيحة، فلا قيادة الانتفاضة أحسنت الأداء، ولا اليسار أحسن التقاط الفرصة لتحقيق تصحيح مسار الثورة، وبالذات النهج القيادي.
وقد لاحظنا الخلل من خلال التغيير السريع والمتكرّر في قمة هرمها، ومن خلال تكرار الممارسات السلبية لقيادة «فتح» الأمّ، فكانت «الانتفاضة» نسخة مُصغّرة عن «فتح»، مع تعديلٍ في الموقف والخطاب السياسيّين. لكنّ الموقف والخطاب لا يكفيان، إذ يتطلّب الأمر وضع البرامج والخطط المعبّرة عن التغيير في الموقف والنهج السياسيّين، وإعادة البناء التنظيمي والمؤسّساتي بما يتناسب مع النهج الجديد، لكنّ الواقع كان غير ذلك. هذا، وقد أظهر هذا الحدث فقدان المعارضة اليسارية للبوصلة وللتماسك، وخاصة أنه أدّى إلى خلافٍ كبير في الصف القيادي منعها من اتخاذ القرارات المناسبة وأفقدها فعاليتها.
يمكن القول، إن الجبهتين «الديمقراطية» و«الشعبية» و«فتح الانتفاضة»، كنماذج للمعارضة، فشلت. فالأولى كانت معارضة موالية، ويمكن وصفها بالإصلاحية المتهاونة، لأنها كانت في اللحظات الحرجة تصطَفُّ مع القيادة الحاكمة لتشكّل لها غطاءً، ولو باهتاً، لتمثيل الفصائل الفلسطينية في المنظمة والسلطة. والثانية معارضة تنزع للجذرية ولكنها عاجزة، ربّما لظهور خلافات كبيرة في صفوفها عند كل مفترق طرق، ولبقائها أسيرة لهياكل المنظمة المتهالكة. أمّا الثالثة، فلم تكن سوى انتفاضة احتجاجية سرعان ما انتهت، وهي ظاهرة مؤقّتة.
وفي كل الأحوال، فإن واقع المعارضة هذا يدلُّ على خللٍ في قيادتها المسؤولة عن إيجاد المخارج والحلول، ويبدأ هذا بمراجعة نقدية ذاتية صريحة. كما أنّ أي معارضة لا تطمح إلى تشكيل بديلٍ وطني للقيادة الحاكمة هي إصلاحية في ظرفٍ يتطلّب تغييراً جذرياً في التفكير والمقاربة والأسلوب. كما أنّ التفكير بإصلاح المنظمة أو السلطة عبثٌ مارسناه عشرات السنين، وقد حان الوقت لقيادة فلسطينية من نمطٍ جديد قادرة على تشكيل البديل الوطني المناسب للمرحلة القادمة. واستكمالاً للموضوع، لا بد من الحديث، لاحقاً، عن القيادة في «حماس».
* كاتب وباحث فلسطيني