آخر الأخبار

حرب «الأونروا»

1-3-rhe6i7w6og5fw4abfefdost5mvd36xku9jfuw9cy28

أيهم السهلي

في السابق، كان بعض العرب يقول إنّ الفلسطينيين لديهم أكبر عدد من المتعلمين بين العرب، وكانت «الأونروا»، باسمها الكامل، وكالةً «لإغاثة وتشغيل» اللاجئين الفلسطينيين.

بين المقولة والاسم حكاية، تبدأ من اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم، وشعورهم الحقيقي بأنه لم يعد لديهم أي شيء. هذا الشعور كثّفته وعمّقته الخيمة التي سكنوها لسنوات في لبنان وسوريا والأردن والضفة وغزة، بينما كانوا ينتظرون عودتهم القريبة إلى ديارهم. طال الانتظار، والخيمة صارت بيتاً في مخيّم، وأجيال تتعاقب في انتظار العودة التي تتآكل إمكانيتها يوماً بعد يوم.

الفلسطينيون في بداية رحلة لجوئهم، وفي بداية إدراك الكارثة، بحثوا عن عمل، وبحثوا عن تعليم أطفالهم، الذي اعتبروه رأس مالهم. و«الأونروا»، التي أنشئت في نهاية 1949، بدأت عملها في أيار 1950. وكانت مهمتها في سوريا، ولبنان، وقطاع غزة، والأردن (كان مقسّماً إلى ميدانين، شرق الأردن، والضفة الغربية بما فيها شرقي القدس)، تشمل الصحة، والإغاثة، وحالات الطوارئ، والبنية التحتية، والتعليم بشكل أساسي، الذي تتولّى مسؤوليته في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ويضاف إليها في لبنان المرحلة الثانوية.

تقول «الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية» التابعة لـ «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» إنه «لم يتم إنشاء المدارس الأولى للاجئين الفلسطينيين من الأمم المتحدة، إنما من الفلسطينيين أنفسهم». فأسسوا صفوفاً، ومدارس مؤقتة في المخيّمات. واستفادوا من اللاجئين الذين كانوا معلمين في فلسطين، لتعليم الصغار. وطوروا في حينها طرائق للتدريس من غير كتب، ولا أقلام ولا أثاث. كان الصف خيمة في الغالب، في بعض الأحيان، أعطيت الدروس في الهواء الطلق، وفي مرات قليلة داخل غرفة.

في مقابلة أجريتها قبل سنوات مع الراحلة زينب ساق الله في مركز «الجنى» في بيروت، وهي من مواليد يافا 1930، وخريجة «كلية دار المعلمات» في القدس، تهجرت في النكبة إلى غزة، قالت إنها في السنوات الأولى للنكبة علّمت اللاجئين، مع جمعية دولية تولت هذا الأمر، ولاحقاً، مع بدء عمل «الأونروا» وافتتاح المدارس، انتقلت للعمل معهم. وقد ساعدت اللاجئين الفلسطينيين قبل «الأونروا» جهات كـ«لجنة خدمة الأصدقاء الأميركيين» التابعة لجمعية «الكويكرز» الأميركية في غزة، والصليب الأحمر الدولي في أماكن أخرى.

خلال كل سنوات اللجوء، ترافقت معاداة الفلسطينيين مع حملات ضد «الأونروا»، قادتها إسرائيل، وانطلقت في كثير من الأحيان من انتقاد شديد للمناهج التي تدرّس للاجئين

حضور هذه المؤسسات، وإنشاء «الأونروا»، لم يغيّرا في حياة اللاجئين الجديدة، بالعمل على عودتهم، بل جربت الدول الراعية التعزيز من بقائهم كلاجئين. وبالعودة إلى تلك السنوات العجاف، سيلاحظ «دعم» بعض الدول التي أسهمت بنكبة فلسطين، حق عودة اللاجئين ظاهرياً، بل والتصويت مع القرار 194، في 11 كانون الأول 1948. وبينما كان يحدث هذا، كان يعمل على مشروع «دمج» اللاجئين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم، وهذا مثلاً ما يمكن أن نقرأه في قرار الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة رقم 513، في 26 كانون الثاني 1952، الذي يقرّ «بإعادة الدمج سواء بالإعادة إلى الديار أو بإعادة الاستيطان»، ويحث حكومات الدول المضيفة «على المساعدة في تنفيذ هذا البرنامج»، وأن تبحث هذه الحكومات مع «الأونروا» التدابير التي «تؤدي إلى أن تتولى إدارة مشاريع إعادة الدمج في أقرب وقت ممكن»، وكذلك تحويل إدارة الإغاثة إلى تلك الحكومات.

هذا القرار وغيره من المشاريع الأخرى الدولية، كمشروع «ماكي غي» 1949، ومشروع «الجزيرة السورية» 1952، ومشروع «سيناء» 1951 – 1953، ومشروع «جونستون» 1953، ومشروع «جون فوستر دالاس» 1955، وغيرها الكثير، كل هذه الخطوات كانت في تلك الأيام مفهومة لدى اللاجئين، ومرفوضة. فالكارثة أنتجت وعيها لدى الفلسطينيين، ورغم الظروف الصعبة في البلدان المضيفة، والبيئة الرافضة لهم في بعض المناطق، لم تغرهم مشاريع التشغيل، واستجلاب الأموال، لأنهم أدركوا أنها لتوطينهم، وعلى حساب حقهم بالعودة. فطالبوا وشددوا على الدفع بتعليم أبنائهم، وهذا ما دأبوا عليه أصلاً منذ تهجيرهم.

وعليه، ارتفعت أعداد مدارس «الأونروا» في الأقاليم الخمسة من 93 مدرسة عام 1950، درس فيها حوالى 35 ألف طالب وطالبة، إلى 386 مدرسة عام 1958، ليصبح عددها اليوم 711 مدرسة، يتعلّم فيها 545 ألف طالب لاجئ، وكليتين للعلوم التربوية في الضفة والأردن، و8 مراكز تدريب مهني، في الأقاليم الخمسة، تعلّم نحو 8000 طالب لاجئ. ويعمل في قطاع التعليم في «الأونروا» 19877.
ومن الجدير بالذكر، أنه بعد عام 1960، لم تعد هناك مدارس في الخيام، فقد بنت «الأونروا» مدارسها، وأصبح التعليم برنامجاً منفرداً، بتمويله، وعدد موظفيه. وفي منتصف الثمانينيات، كما تشير «الموسوعة التفاعلية»، زادت ميزانية التعليم من الإنفاق العادي لـ«الأونروا» إلى النصف، بعد أن كانت الثلث في أواسط الستينيات.

وخلال كل سنوات اللجوء، ترافقت معاداة الفلسطينيين مع حملات ضد «الأونروا»، قادتها إسرائيل، وانطلقت في كثير من الأحيان من انتقاد شديد للمناهج التي تدرّس للاجئين الفلسطينيين، التي تعتبر أنها ضد إسرائيل، علماً بأن «الأونروا» تستخدم مناهج الدول المضيفة، وتبرّر ذلك بأنه يساعد الطلبة على الاندماج في أنظمة التعليم المحلية للتعليم الثانوي والعالي. في المقابل، المدارس لا تعلّم أطفال اللاجئين الفلسطينيين عن تاريخ وجغرافية بلدهم فلسطين، من أجل تعزيز هويتهم. وكل ما كانوا يتلقّونه عن فلسطين، دروس عادية بسيطة ضمن المناهج المقررة.

رفضاً لذلك، طالب معلّمون فلسطينيون بتدريس هذا المحتوى، وفي أواخر الستينيات، تمكّنوا من إحداث خرق في هذا الأمر، فعيّنت «الأونروا» مستشارين تربويين في لبنان، من أجل تعزيز المناهج بمواد عن فلسطين. وبالفعل تم تطوير منهاج تاريخ فلسطين للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة. وبحسب «الموسوعة التفاعلية»، بدأ تدريس هذا المنهاج منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي في لبنان، مع نية طرحه في باقي الأقاليم. إلا أن هذا لم ينجح، وفي نهاية الثمانينيات، انتهى الأمر كلياً، واختفت هذه المناهج حتى من مدارس «الأونروا» في لبنان.

تواجه «الأونروا» اليوم هجوماً كبيراً من مجتمع المموّلين، والقضاء عليها بات هو الهدف، فالتمويل الذي أوقفته عدة دول منها الولايات المتحدة عام 2018، وذلك في ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، أعاده خلفه جو بايدن، بعد توقيع «الأونروا» اتفاق إطار مع واشنطن عام 2021، تعهّدت بموجبه بالكثير من الالتزامات التي من شأنها أن تغيّر في مهماتها التنفيذية، حتى وإن لم تغيّر في صكوك إعلانها ومبادئها. ولمّا عاد ترامب، أوقف التمويل مجدداً، وحذت حذوه دول عدة، عطفاً على اتهامات إسرائيلية لموظفين فيها بعدم الحيادية! وهذا أخذنا إلى حرب مع «الأونروا»، بينما يجب أن تكون مع الذين حولوها إلى أداة سياسية، يستخدمها المجتمع الدولي لإنهاء ملف اللاجئين العالق منذ نحو 78 عاماً، ولا سيّما أنه ملف معقد، حله غير ممكن إلا بعودة الفلسطينيين إلى ديارهم. مع تأكيد وجود موظفين داخلها يؤدون المهمات القذرة.

وهذه الأداة سيستمر استخدامها، ما لم يعوّض نقص تمويلها من الدول المتوازنة في مقاربة الصراع، ودون ذلك فإن تفكيك مجتمع اللاجئين الفلسطينيين، وتشتيت الانتباه عن الحقوق الرئيسية، مستمر، وبينما يحقق بعض النجاحات، وصولاً إلى الهدف، سينهون «الأونروا».

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة