آخر الأخبار

مراجعة نقديّة لتجربة حزب الله السياسيّة والعسكريّة [31]

2-1-rhfvg29ft1cvfzltx79eqow6d46rj5zhk22h8mixkg

أسعد أبو خليل

حربُ الإسناد: هل كانت نصراً أم هزيمةً؟ (3)
لا زلتُ في معرض إيراد حجج الحزب (بلسان أمينه العام، نعيم قاسم) عن تحقيق انتصار في الحرب الأخيرة. تحليل تصنيفات النصر أو الهزيمة لا تُحسم بلفتة جملة أو بحذلقات لفظيّة. وهي معرض اختلاف حتى بين أفرقاء الصفّ الواحد:
2) حجّة أخرى في سند وجهة نظر النصر لا الهزيمة، تكمن في اعتبار الحرب البرّية وصمود مقاتلي الحزب التاريخي رغم كلّ الصعوبات والعوائق والنواقص في الميدان. لنتذكّر أنّ العدوّ لم يستقرّ به المقام في أرضنا إلّا بعد إعلان وقْف الأعمال العدائيّة لأنّ القتال لم يتوقّف لحظة، ما منع العدوّ من الزهو باحتلال أرضنا. جيش العدوّ لم يستطع أن يتقدّم فيما كان القتال مستمرّاً لأنّه لم يُرد أن يغامر بمواجهة بريّة يعلم سلفاً أنّه ليس مستعدّاً لها أمام جيش منظّم خاض معارك ضدّ إسرائيل وضدّ تنظيمات جهاديّة في سوريا.
الوضع لم يكن عاديّاً في الجنوب، إذ إنّ المقاتلين كانوا يحاربون بعد أن فقدوا معظم قياداتهم العليا، بمن فيهم الأمين العام للحزب، وبعد أن فقدوا كلّ وسائل الاتّصال السلكي واللّاسلكي. هي كانت تجربة فريدة في القتال. لم يكونوا يعلمون إذا كان التنظيم على قيد الحياة في حينه. قاتلوا بشراسة وهم معزولون عن القيادة وعن بعضهم البعض. كانوا، كما وصفهم صديق، يرمون بأنفسهم في موت محتّم (أو التهلكة عند أعدائهم) في الكثير من الأحيان. لم يجبُنوا ولم يستسلموا ولم يتراجعوا، وهذا بحدّ ذاته يمكن أن يكون مصدر افتخار أكيد للحزب.
كانت هناك أحاديث غير صحافيّة عن حالات فرار أو عدم التحاق بالوحدات، وهذه الحالات كانت أكثر من حالات حرب تمّوز حسب ما سمعت. لكنّ الأسئلة والإجابات في هذا الموضوع هي بحوزة الحزب الذي وحده لديه جداول يمكن أن يصل فيها إلى تحديد نِسَب الفرار وإذا كان ذلك أكبر بكثير من نِسَب حرب تمّوز (لم أسمع -وأنا ذو مصادر محدودة ويشكّ رئيس التحرير بصحّة أخبارها- بتلك الحالات في 2006). لكنّ ذلك يجب أن يوضع في سياق غياب الاتّصالات بين القاعدة والقيادة وبين أطراف القاعدة أنفسهم. كانوا يقاتلون وأيديهم مربوطة خلف ظهورهم والعصائب تغطّي عيونهم وأخبار الجبهات الأخرى مقطوعة عنهم بالكامل. كانوا يقاتلون مع علمهم أنّ حزبهم -الذي تطوّر ونما عبر العقود- يعاني من اختراق (إلكتروني و/ أو بشري) فظيع، وهذا أشبه بالعمل الانتحاري. إنّ التصميم على القتال في هذه الظروف هو من علائم ما يراه الحزب من عناصر النصر.
3) الحزب لم يستسلم ولم يوقف القتال. هو فاوضَ عبر نبيه برّي كي يصل الطرفان إلى وقْف الأعمال العدائيّة لكنّه لم يقبل صيغة الاستسلام من دون شروط، والتي كان العدوّ وأميركا وأتباع السعوديّة والإمارات في لبنان يصرّون عليها. هذه كانت حالة الجيوش العربيّة في حرب 1967، أو الحركة الوطنية في 1982، والتي أعلنت حلّ نفسها بمجرّد أن تقدّمت جحافل العدوّ نحو بيروت. في المقارنة مع مواجهات سابقة بين العدوّ وجيش عربي أو فصيل عربي مقاوم، يمكن تسجيل أداء حماس في غزّة والمقاومة في لبنان على أنّهما لم يكونا في خانة المنهزمين.
٤) استطاع الحزب رغم الحرب العالميّة عليه (وهي بالفعل حرب عالميّة شاركت فيها ضدّه وضدّ حماس، بالإضافة إلى إسرائيل، ألمانيا والولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وأستراليا بالإضافة إلى عدد من الدول العربيّة) أن يحافظ على سلاحه، أو بعضٍ من سلاحه. في حالة المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة في 1982، استولت إسرائيل على كلّ سلاح الحركتَين ولم يبقَ إلاّ القليل المُخبّأ، ثم استعانت منظّمات المقاومة بما تسرّب فيما بعد ذلك من سلاح عبر الحدود السوريّة. كميّة السلاح التي استولى عليها العدوّ في 1982 كانت كافية لإمداد حركات عنصريّة ورجعيّة بالسلاح حول العالم، بطلب أميركي. الحزب قبِلَ طوعاً بتسليم سلاحه جنوب اللّيطاني تحت طائلة استمرار الحرب، والجيش اللّبناني كان يدمّر ما يتلقّاه من سلاح أو يضعه في مخابئ لا تمتد إليها أيدي مقاومين.
5) حافظ الحزب على قوّته السياسيّة من خلال الأداء الممتاز (بنظره) في نَيل معظم المقاعد (مع «أمل») في الانتخابات البلديّة الأخيرة، ما أثبت أنّ الحرب لم تُضعف شعبيّة الحزب وأنّ الجمهور -رغم الإنفاق الغربي والخليجي على أفراد من الشيعة لمنافسة الحزب- لا يزال يدعم خيار المقاومة. هذا لا يعني أنّ الجمهور لن يطالب بالمحاسبة أو أنّه يوافق على كلّ قرارات الحزب وسياساته. لكنّ المزاج العام هو، وكما ألمسه من ردود فعل من أصدقاء على سلسلتي هذه: الوقت ليس الآن، وهناك من يتبرّم من أيّ مراجعة نقديّة (مثل هذه) لأنْ «مش وقتها».

لا يجب أن تبقى مسألة المراجعة النقديّة محصورة بيد الأعداء. هذا ما حصل بعد هزيمة 1967 عندما توكّل الرجعيّون واليساريّون الاستشراقيّون (المُغرضون) في نَسب الهزيمة إلى عناصر ثابتة ودفينة في الشخصيّة العربيّة أو في تحميل المسؤوليّة كلّ المسؤوليّة إلى جمال عبد الناصر

6) استطاع الحزب أن يحافظَ على بنية تنظيميّة ما رغم حملة الاغتيالات الواسعة التي طالت صفوف قادته على المستويات كافّة. والعدوّ من خلال إعلامه يبدو متفاجئاً من قدرة الحزب على التعامل مع الضربة الكبرى التي لحقته بنوع من المرونة التنظيميّة.
لكن ما فائدة تقييم النصر أو الهزيمة في ظلّ حرب إقليميّة مستمرّة؟ هل أنّ الحزب يستفيد لو أنّه أعلن هزيمته أو اعترف ببعض الهزيمة أمام أعدائه المتربّصين، وبخاصّة أنّ هناك عزلة تامّة مفروضة على الحزب على الساحة اللّبنانيّة، وهناك أصوات مُجاهرة لمحاربة كلّ نشاطاته حتى الخيريّة منها؟ وعندما يخاطب رئيس الجمهوريّة الحزب بـ«الطرف الآخر» وعندما يدعو جمهوره إلى التعقّل فإنّه يرسّخ الهوّة التي يريد الغرب والخليج وإسرائيل خلقها بين جمهورية لبنان والحزب من أجل إخراج -ليس فقط الحزب بل- الشيعة ككلّ من الوطن. جوزيف عون استقى من وحي شعار «لا يشبهوننا». وهناك وزير خارجيّة لبناني قوّاتي يجاهر بأحقيّة إسرائيل في عدوانها على لبنان، فيما وزيرا الحزب المفترضان في الحكومة صامتان أبداً.
الحزب، بنظر داعميه، يحتاج فقط إلى الحفاظ على ما لديه من قدرات (ليس فقط العسكريّة) وأن يعيد بناء قدراته. لا يحتاج إلى كثير من الكلام مع أنّ نعيم قاسم خطب في مسألة الانتخابات البلديّة وهذا بدا غير ضروري نظراً إلى التحدّيات الكبرى التي واجهها ويواجهها الحزب. كيف يوازن الحزب بين ضرورة تقديم شروحات وتفسيرات للجمهور عن الكارثة التي لحقت به من دون تقديم معلومات يمكن أن يستفيد منها العدوّ وحلفاؤه الكثر في لبنان والمنطقة. لكن لا يجب أن تبقى مسألة المراجعة النقديّة محصورة بيد الأعداء. هذا ما حصل بعد هزيمة 1967 عندما توكّل الرجعيّون واليساريّون الاستشراقيّون (المُغرضون) في نَسب الهزيمة إلى عناصر ثابتة ودفينة في الشخصيّة العربيّة أو في تحميل المسؤوليّة كلّ المسؤوليّة إلى جمال عبد الناصر أو (في حالة بعض الثوريّين) إلى البورجوازيّة الصغيرة. والمراجعات تلك خفّفت كثيراً من حجم الدور الغربي في الدعْم المباشر لإسرائيل.
الحزب في وضْع صعب جدّاً، لكنّ التقييم يندرج في خانة عناصر القيامة لو تحقّقت. وهو غير مطالَب بها مِن قِبل أعدائه الذين يستغلّون أيّ كلام له لتحويره واستخدامه ضدّه. الموازنة الدقيقة هي واحدة من تحدّيات الحزب الهائلة، وبخاصّة أنّ المحور يعاني من خلخلة وتضعضع لا سابق لهما.
خيارات الحزب ومآلاته
الحزب في وضع لا يُحسد عليه وبخاصّة في الوقت الذي يتعرّض فيه النظام الإيراني إلى أكبر تهديد داخلي وخارجي (ومن السذاجة أو التآمر الافتراض أنّ الضغط الداخلي غير مرتبط بتاتاً بالضغط الخارجي، في الوقت الذي تعترف فيه الصحافة الإسرائيليّة أنّ الموساد ضالع ليس فقط في حملات مواقع التواصل لدعم ابن الشاه المنبوذ والمُحتقَر -خارج الغرب والخليج- بل في تسليح أفراد وقوى في داخل إيران).
هناك جملة من الخيارات متاحة أمام الحزب:
1) العودة إلى عالم الثمانينيّات السرّي. كنتُ أتوقّع بعد الكارثة الأخيرة أن يستخلص الحزب العِبَر من الحرب المدمّرة ويعود إلى بُنية تحت الأرض، مختفياً عن الإعلام وعن الحلبة السياسيّة بالكامل. طبعاً، ليس هذا الخيار سهلاً على حزب تمرّس في العمل السياسي ووحوله وله تنظيم انتخابي يُعدُّ من الأفضل في البلاد. ولم تكن هناك بوادر أنّ الحزب درس هذا الخيار أو أنّه أخذه في الحسبان. على العكس، الحزب عملَ بجهد في مسار الانتخابات الرئاسيّة وفي تشكيل الحكومة وناضل مع حليفه الشيعي من أجل إيصال ياسين جابر إلى وزارة الماليّة.
الحزب انتقل بعد اغتيال الحريري من التعفّف في العمل السياسي إلى الانغماس الكامل، وليس في هذا أيّ إطراء للحزب، لأنّ الانغماس أفقده الحالة القدسيّة التي أحاطت به، كما إنّه لم يعد يستطيع أن يصرّ على نَفي المسؤوليّة الكاملة عن نفسه بالنسبة إلى الفساد المستشري والانهيار الاقتصادي. لا، بدلاً من الاتّعاظ والاستفادة من مغزى شعار «كلن يعني كلن» (والذي استُعمل جَوراً لاستهداف الحزب وحده) أصرّ الحزب على الانغماس أكثر فأكثر وأصبح عرّاباً شبه رسمي للسلطة برمّتها. والانتخابات البلديّة الأخيرة استحوذت على اهتمام الحزب كثيراً، ربّما لأنّ الحزب أراد أنّ يوجّه رسالة إلى الذين افترضوا أنّ الحرب قضت عليه وأنّ جمهوره ابتعد عنه.
إنّ الاختراقات الأمنيّة المستمرّة (وكان آخرها استهداف القائد العسكري للحزب في قلب الضاحية) تُعزّزُ من حجّة فضائل النزول إلى العمل تحت الأرض. للحزب أسبابه في الإصرار على العمل السياسي بجوانبه كافّة، وهو يرى أنّ التمثّل في الحكومة يحميه من التآمر، مع أنّ الانخراط في العمل الحكومي لم يمنع التآمر ضدّ الحزب يوماً. هل يظنّ الحزب أنّ التآمر يمكن أن ينحصر في قرارات وزاريّة؟ مع أنّ حليفه التوأم ممثّل في الحكومة ويستطيع أن يمثّله خير تمثيل في هذه الأمور.
إنّ العودة إلى تحت الأرض وحدها تمنح الحزب الفرصة للملمة الصفوف والاستفادة من تجارب الماضي لبناء هيكل سرّي جديد لا يمكن للعدوّ أن يصل إليه. يُشكِّل المسار الحالي للحزب في محاولته الاستمرار في المزج بين العمل السياسي الحكومي العلني والعمل السرّي مخاطرة كبيرة للحزب لأنّ التواصل بين الجناحَين هو نافذة من النوافذ التي يستطيع العدوّ أن ينفَذ منها لتحقيق مآربه.
(يتبع)

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة