علي حيدر
أقلّ ما يمكن توصيف العلاقة بين ما يجري داخل كيان العدو وبين تصاعد التهديدات الأميركية بالاعتداء على الجمهورية الإسلامية هو أنها مؤشّر كاشف، لا يمكن فصله عن تقديرات فعلية تُبنى في غرف القرار. ويتحوّل هذا المؤشّر إلى أكثر من مجرّد قراءة سياسية أو ضجيج إعلامي حين يتجاوز مستواه الخطاب إلى إجراءات ميدانية مباشرة، كما في توجيهات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيّال زامير برفع جهوزية مختلف المنظومات الدفاعية، وإجراء تمرين عملي لكتيبة صواريخ «حيتس» المخصّصة لاعتراض الصواريخ الإيرانية. فهذه الخطوات لا تُتخذ في العادة بوصفها إجراءات روتينية، بل في سياق الاستعداد لسيناريوهات يُنظر إليها على أنها محتملة، ولو بدرجات متفاوتة.
ما تعكسه هذه المؤشرات، في حدّها الأدنى، هو ضبابية قائمة في الصورة المرتبطة بالخيارات الأميركية العدوانية تجاه إيران، وما يمكن أن يترتّب عليها من ردود إيرانية تطال العمق الإسرائيلي. وهي ضبابية قد تعني أحد أمرين: إمّا أن تل أبيب لا تملك يقيناً حاسماً بشأن اتجاه القرار الأميركي النهائي، لكنها تستعد لأسوأ الاحتمالات، أو أنها على اطّلاع على التوجّه العام، فيما يبقى التوقيت غير محسوم وقابلاً لأن يتحقق في أي لحظة. وفي كلتا الحالتين، نحن أمام مشهد مفتوح على أكثر من خيار، تحكمه شروط نضوج ميدانية وسياسية متداخلة، من بينها نتائج الاتصالات الجارية، وحدود ما يمكن أن تنتجه الضغوط قبل الانتقال إلى مستوى أعلى من الفعل.
في هذا الإطار، لا يمكن استبعاد احتمال ثالث، أكثر تعقيداً، يتمثّل في السعي إلى تنفيذ هجوم مفاجئ، حيث تشكّل التصريحات العلنية والإيحاءات المتناقضة جزءاً من عملية خداع مقصودة، تهدف إلى إرباك الخصم وتشويش تقديراته. وفي الوقت نفسه، تبقى هذه الخطة نفسها عرضة للتعديل أو التجميد في حال طرأت متغيّرات سياسية أو ميدانية تعيد خلط الأوراق، ما يعكس طبيعة القرار المتحرّك لا القرار المغلق.
أياً يكن المسار الذي سيسلكه الخيار الأميركي تجاه إيران، فإن تداعياته لن تبقى محصورة في الساحة الإيرانية أو الإسرائيلية، بل ستطال بالضرورة المنطقة بأكملها، وفي القلب منها لبنان. فالاشتباك السياسي، وربما الميداني، بين واشنطن وطهران لا يُخاض بوصفه مواجهة ثنائية معزولة، بل باعتباره صراعاً ذا امتدادات إقليمية مباشرة، تُعاد فيه صياغة موازين الردع والتحالفات وسقوف الحركة السياسية والأمنية في أكثر من ساحة.
قد لا يكون العدو صاحب مصلحة في فتح جبهة جديدة مع لبنان في حال كان عرضةً لضربات إيرانية مباشرة
من هنا، لا يخفى أن العدو الإسرائيلي، ومعه بعض القوى اللبنانية، يراهنون على إسقاط النظام الإيراني أو إخضاعه، أيّاً تكن الصيغة، انطلاقاً من قناعة بأن ذلك يشكّل المدخل الأنجع لإضعاف حلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدّمتهم المقاومة في لبنان، وفتح الطريق أمام مساعي نزع سلاحها وتقويض مكانتهم في المعادلة السياسية اللبنانية.
غير أن هذا الافتراض يصطدم باحتمال معاكس لا يقلّ وزناً. ففي حال خرجت إيران من هذا الاشتباك – سواء السياسي أو الأمني – باتفاق أو تسوية تنطوي على قدر من الندية النسبية، ولا تفرض عليها تراجعاً جوهرياً في خياراتها الاستراتيجية، فإن النتيجة ستكون مختلفة تماماً. عندها، ستُقرأ هذه النتيجة إقليمياً بوصفها خطوة في اتجاه استعادة صورة الردع، أو على الأقل تثبيت معادلة الصمود ومنع فرض الإملاءات بالقوة. وسيكون لذلك مفاعيل سلبية مباشرة على إسرائيل، وعلى القوى التي تراهن في الداخل اللبناني على نتائج هذا الاشتباك لإضعاف المقاومة ونزع سلاحها.
في هذا السياق، يصبح من غير المنطقي افتراض أن العدو الإسرائيلي سيبادر، في حال انزلاق المواجهة الأميركية – الإيرانية إلى ضربة مباشرة أو مواجهة واسعة، إلى فتح جبهة حرب شاملة مع لبنان في التوقيت نفسه. ففتح جبهة إضافية في وقت يتعرّض فيه الكيان لاحتمال ردّ صاروخي إيراني واسع يعني تشتيت الجهد العسكري والدفاعي، وتوزيع الضغط على أكثر من مسرح، في مقابل مضاعفة الضغط الصاروخي الواقع على الداخل الإسرائيلي. بل إن تزامن الجبهتين يخدم، موضوعياً، كلاً من إيران ولبنان، إذ يُفقد إسرائيل ميزة تركيز القوة ويجعل قدرتها على التحكّم في الإيقاع أقل فاعلية.
ولا يتناقض هذا التقدير مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على لبنان، التي تنطلق من حساب موازٍ مفاده أن حزب الله لن يردّ في هذه المرحلة، تفادياً لانزلاق واسع قد يفاقم الأوضاع الداخلية اللبنانية. غير أن هذا السلوك يبقى محكوماً بسقفٍ زمني وسياسي محدّد، يتأثر مباشرة بمآلات الاشتباك الأكبر مع إيران.
على خطٍ موازٍ، فإن اتضاح آفاق هذه الجولة من الصراع مع إيران، والنتائج التي ستترتّب عليها، سيجعل الصورة أكثر وضوحاً حيال مآلات الساحة اللبنانية. فسواء انتهت هذه الجولة إلى احتواء مضبوط، أو إلى تصعيد محدود، أو إلى اشتباك أوسع، فإن انعكاساتها ستظهر سريعاً في حسابات الردع، وفي تقدير اللحظة المناسبة لكل طرف لإعادة رسم قواعد الاشتباك أو تثبيتها.
ومع ذلك، يبقى سيناريو، بغض النظر عن درجة احتماله، وهو إمكانية انزلاق المواجهة إلى حرب كبرى تمتد إلى المنطقة بأكملها. عندها لا تعود الحسابات الجزئية – ضربة هنا أو ردّ هناك – كافية لضبط المسار. بل ندخل مرحلة تتراجع فيها القدرة على التحكّم الكامل في الإيقاع، وتصبح القرارات محكومة بمنطق التفاعل المتسلسل بين الجبهات، حيث قد يفرض كل تطوّر ميداني ردوداً تتجاوز النيات الأصلية للأطراف.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال من بدأ المواجهة أو من أراد توسيعها، بل كيف تُدار حرب خرجت عن حدود الحسابات الدقيقة. وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة، بكل ما تحمله من إشارات واستعدادات وضبابية، مرحلة اختبار حقيقي لمدى قدرة اللاعبين الأساسيين على إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكّم فيها، أو منع تحوّله إلى انفجار إقليمي شامل لا يملك أحد ضمانة احتوائه.
في كل الاحوال، ما يجري الآن هو جولة في صراع متواصل. وستبقى القدرات الصاروخية الإيرانية المتصاعدة، وإمكانية إعادة إنتاج وتطوير برنامجها النووي ودعم حلفائها، حاضرة كأولوية لدى العدو… وستبقى المقاومة أيضاً في لبنان على مهداف العدو كونها تشكل العقبة الرئيسية أمام الأطماع الإسرائيلية وأمام إخضاع لبنان بالكامل للهيمنة الصهيونية.