انتصار الدنان- العربي الجديد
منحت تجربة نادٍ رياضي داخل مخيم البداوي شمالي لبنان، فرصة ومتنفساً للاجئات الفلسطينيات وسط الهموم المعيشية، من منطلق أن التمارين الجسدية حتمية للعبور من الألم نحو الأمل، ومن اليأس نحو الحياة.
في مجتمعاتنا تعيش الكثير من النساء معاناة صحية ونفسية صامتة، تتراكم مع ضغوط الحياة وقلّة المساحات الآمنة التي تتيح لهنّ الاعتناء بأنفسهنّ. وفي مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين شمالي لبنان، وجدت اللاجئات فرصة لاستعادة الثقة بالنفس، من خلال تجربة نادي الخليل الذي احتضن مشروع “لايدي فيتنس” (Lady Fitness)، ما رسّخ حقيقة أن الرياضة ليست مجرد تمارين يومية، بل راحة نفسية ساهمت في خلق أسلوب حياة مختلف، والتخفيف من وطأة الهموم المعيشية.
تقول إحدى المتدربات في نادي الخليل (37 عاماً)، التي طلبت عدم ذكر اسمها: “كنتُ أعيش واحدة من أصعب مراحل حياتي، أعاني من مشاكل صحية نسائية متعددة، بينها هبوط المثانة واضطرابات في الدورة الشهرية، وتكيّس المبايض. لم تكن المعاناة جسدية فقط، بل رافقها تدهور نفسي شديد، وشعور دائم بالألم وانعدام الأمل”.
وتتابع اللاجئة في مخيم البداوي لـ”العربي الجديد”: “عندما أخبرني الطبيب أنني بحاجة إلى عملية جراحية نسائية، شعرت أنني وصلت إلى مفترق طرق. في تلك اللحظة، قررت أن أراهن على أملي الأخير، وهو الرياضة”. دخلت النادي بخطوات مترددة، لكن منذ الأيام الأولى شعرت بشيء مختلف. تحسّن مزاجي بشكل ملحوظ، وكأنني وجدت ملاذاً آمناً بعيداً عن الألم. ومع الاستمرارية، بدأت ألاحظ تحسناً حقيقياً، خصوصاً في منطقة الحوض، حيث اختفت الأعراض المزعجة تدريجياً. وبعد ستة أشهر من الالتزام بالرياضة واتباع نظام غذائي صحي، أظهر الفحص الطبي انتفاء الحاجة إلى العملية الجراحية”.
وتضيف المتدربة اللاجئة: “تحوّلتُ من امرأة مُحبطة وبائسة إلى إنسانة مفعمة بالطاقة، والسعادة، والثقة بالنفس. رسالتي اليوم إلى كل فتاة وامرأة ألا تنتظر الأسوأ، بل أن تمارس الرياضة، فهي قادرة على منحها حياة صحية ومتوازنة، مهما كان عمرها، وبغضّ النظر عن ظروفها”.
أما المتدربة الأربعينية، المقيمة كذلك في مخيم البداوي، فتقول لـ”العربي الجديد”: “لم تكن رحلتي مجرد محاولة لإنقاص الوزن، بل كانت رحلة شفاء حقيقية. عندما انضممتُ إلى النادي، كنتُ أعاني من اكتئاب حاد، وإحباط، ومشاكل صحية متعددة. كان وزني 108 كيلوغرامات، وكنتُ أبحث عن بصيص أمل ومساحة أشعر فيها بالانتماء”. وتتابع المتدربة التي طلبت عدم ذكر اسمها: “فور التزامي بالرياضة والنظام الغذائي الصحي، بدأتُ أولى خطوات التغيير. وبعد ثلاثة أشهر، بدأتُ أستعيد نفسي، وتخلصت تدريجياً من الاكتئاب. تحسنت حالتي الصحية، وصنعتُ عالماً جديداً مليئاً بالطاقة الإيجابية، والدعم، والصديقات. وبعد عام كامل من العزيمة، وصلت إلى وزن 75 كيلوغراماً، وتحوّل جسمي إلى قوام صحي ومتناسق، وعادت ثقتي بنفسي أقوى من أي وقت مضى”. وتختم بالقول: “اليوم، لم أعد كما كنتُ. صرتُ مصدر إلهام لكل مَن حولي، وأشجع كل النساء على خوض تجربة الرياضة، لما تحمله من فوائد جسدية ونفسية واجتماعية”.
وتقول المدرّبة في نادي الخليل، دلال شحرور، لـ”العربي الجديد”: “إيماناً بأهمية الدور المحوري الذي تؤديه المرأة في بناء المجتمع، كان هاجسي البحث عن وسيلة عملية لدعم المرأة وتمكينها، خصوصاً داخل المخيم، حيث تفتقر النساء إلى المساحات الآمنة والخاصة. من هنا، وُلدت فكرة إنشاء نادٍ رياضي خاص بالسيدات داخل المخيم، ليكون مساحة صحية وآمنة لممارسة الرياضة، لكونها لا تعزز الصحة الجسدية فقط، بل تدعم الصحة النفسية والاجتماعية، وتنعكس إيجاباً على الأسرة بأكملها”.
وتتابع: “في عام 2019، انطلق مشروع “لايدي فيتنس” في قاعة متواضعة داخل المخيم، لكنّه سرعان ما شهد إقبالاً واسعاً من السيدات بمختلف الأعمار، وبأعدادٍ فاقت التوقعات. ومع توسع التجربة، انتقلنا للعمل ضمن نادي الخليل، أحد أكبر الأندية في المخيم وأقدمها، الذي حقق بطولات عربية وعالمية ورفع اسم فلسطين عالياً”.
يستقبل النادي اليوم السيدات ضمن برامج رياضية متكاملة تهدف إلى تحسين جودة حياة المرأة اللاجئة على كل المستويات. ومن أبرز إنجازاته، الدعم النفسي والاجتماعي، مساعدة النساء على تجاوز الاكتئاب والإحباط وتقلبات المزاج، التخفيف من المشكلات الصحية، ومن بينها الحد من السمنة وآلام المفاصل وديسك الظهر، ومن ارتفاع ضغط الدم وبعض مشكلات الرحم، فضلاً عمّا يوفّره من مجالات الترفيه والتفريغ النفسي، من خلال رقصة الزومبا، وتمارين اليوغا والاسترخاء، والرحلات. ويساهم النادي كذلك في تعزيز العلاقات الاجتماعية، وبناء صداقات وروابط داعمة عبر المحاضرات وحلقات النقاش.
وتقول متدربة أخرى (34 عاماً) مقيمة في مخيم البداوي: “حُرمت نعمة الأمومة مدة خمس سنوات، وخضعتُ لثلاث محاولات فاشلة لعملية طفل الأنبوب. ومع كل فشل، كان اليأس يتضاعف، حتى شعرتُ أن حلم الأمومة قد انتهى. لكنني بعد فترة، شاهدتُ فيديو لطبيبة نسائية تتحدث عن دور الرياضة في تحسين الخصوبة وتنشيط الدورة الدموية. كانت تلك اللحظة نقطة التحوّل في حياتي، فانضممتُ إلى النادي، وبدأتُ ممارسة الرياضة بانتظام، مع نظام غذائي صحي ونوم منتظم. تحسنت حالتي النفسية، واستعدتُ نشاطي وثقتي بنفسي”.
وتضيف لـ”العربي الجديد”: “بعد هذه المرحلة، قررتُ خوض تجربة طفل الأنبوب للمرة الرابعة، ولكن بجسد أقوى وروح مختلفة، فكان أن نجحت العملية، ورُزقت توأمَين”.