آخر الأخبار

خوارزميات الإلهاء… إبستين في الواجهة… وفلسطين خارج الخوارزمية

471221343_983427437144266_1929728255585096150_n-rde9q1y430j7d1sw47xg9hhzuqdbnt3aftx0eqvib4-rfyjw49srh9muaxvf53kzbx3taqdr548bag015ms1c-rgh0boggipcchqfzzi4csba07u9gjm45m4g0zvv0q8-rhdbzn0t26a0my1

عصام الحلبي

كيف يصل إلينا منشور من دون هاشتاغ، ولا منشن، ولا أي معرفة مسبقة بصاحبه؟
هذا السؤال طرحه بوضوح الدكتور رمزي عوض في منشور لافت على صفحته، حين توقف عند الانتشار الكثيف وغير المألوف لملفات جيفري إبستين في منشورات مقترحة لأشخاص لا يتابعون ناشريها ولا تربطهم بالمحتوى أي علاقة تفاعلية مباشرة. بالنسبة لعوض، لم تكن المسألة صدفة رقمية، بل مؤشرًا على إدارة خوارزمية واعية تتحكم بتدفّق المحتوى وتعيد توجيه اهتمام الرأي العام نحو قضايا بعينها، وفي توقيت محسوب.
هذا الطرح يلتقي مع ملاحظة باتت تتكرر لدى كثيرين، مفادها أن إعادة تعويم قضية إبستين وفضائح دائرته من السياسيين والمشاهير تتجاوز حدود “الفضح الأخلاقي”،فالسؤال الحقيقي لا يتعلّق بما فعله إبستين، بل لماذا يُعاد ضخّ قضيته الآن، وبهذا الزخم العالمي؟
الخوارزميات، بخلاف ما تروّجه المنصّات الكبرى عن الحياد وحرية الاختيار، لا تعمل كمرآة لاهتمامات المستخدمين، بل كأداة توجيه ناعمة، تقوم على الانتقاء والتكرار والإغراق. وهي لا تفرض رأيًا مباشرًا، لكنها تُعيد ترتيب سلّم الأولويات في الوعي العام، فتجعل من قضايا معيّنة “قضايا رأي عام”، فيما تدفع بقضايا أخرى إلى الهوامش.

الإلهاء كأداة سياسية

الإعلام الرقمي، حين يُدار خوارزميًا، يتحوّل إلى جزء من أدوات الصراع السياسي. فالإلهاء ليس فعلًا عشوائيًا، بل استراتيجية تُستخدم في لحظات التحوّل الكبرى، عبر إغراق الفضاء العام بملفات مثيرة، صادمة، وعاطفية، تستنزف الانتباه من دون أن تُحدث تهديدًا حقيقيًا للبنى السياسية القائمة.
في هذا التوقيت تحديدًا، لا يمكن فصل إعادة إحياء قضية إبستين عن ما يجري في فلسطين، فبينما يتواصل العدوان، وتُفرض وقائع ميدانية وسياسية ستحدّد شكل المرحلة المقبلة، تتراجع القضية الفلسطينية في واجهة المنصّات الكبرى، لا عبر الحجب الصريح فقط، بل عبر الإغراق المتعمّد بمحتوى بديل يزاحمها ويُضعف حضورها.

فلسطين خارج الخوارزمية

القضية الفلسطينية لم تعد غائبة كليًا عن المنصّات، لكنها باتت خارج مركز الاهتمام. فالخوارزمية لا تمنع المحتوى الفلسطيني بالضرورة، لكنها تُفرغه من أثره عبر وضعه في زحام مقصود، وتقديم محتوى أكثر قابلية للاستهلاك السريع، وأقل كلفة سياسيًا.
هكذا، تتحوّل المجازر، والحصار، والتجويع، إلى أخبار عابرة، فيما تُمنح ملفات فضائحية من الماضي مساحة مضخّمة، لأنها لا تُحرج النظام الدولي، ولا تفرض أسئلة جوهرية حول المسؤولية والمحاسبة.
التوتر الإيراني–الأميركي والدور الإسرائيلي

إلى جانب فلسطين، تتصاعد أزمة إقليمية شديدة الحساسية بين إيران والولايات المتحدة، مع دور إسرائيلي فاعل في إدارة التصعيد، سواء عبر الضربات غير المعلنة، أو الحرب الاستخبارية والسيبرانية، أو الضغط السياسي المستمر. هذه الأزمة مرشّحة لمزيد من التعقيد، وربما للانفجار، ومع ذلك لا تحظى بحضور إعلامي يتناسب مع خطورتها في الفضاء الرقمي العام.
مرة أخرى، يبدو الإلهاء وظيفة قائمة بذاتها. فكلما انشغل الرأي العام بفضائح الماضي، تراجع تركيزه على صراعات الحاضر، وعلى التحولات التي تُرسم الآن وستُدفع أثمانها لاحقًا من دم واستقرار المنطقة.

من يقرّر ما نراه؟

المنصّات الرقمية الكبرى لم تعد مجرّد شركات تكنولوجية، بل تحوّلت إلى فاعلين سياسيين غير منتخبين، يمتلكون قدرة غير مسبوقة على توجيه الإدراك الجماعي، وما يصل إلينا “صدفة” هو في الواقع نتاج قرار خوارزمي واعٍ، يحدّد ما يُدفع إلى الواجهة، وما يُترك في الظل.
وهنا تتجلى أهمية السؤال الذي طرحه الدكتور رمزي عوض، إذا كان هذا المحتوى قد وصل إلينا رغم أننا لا نعرف ناشريه، فذلك بحد ذاته جزء من الإشكالية، لا تفصيلًا تقنيًا عابرًا.
لسنا أمام تزاحم و ضجيج رقمي بريء، بل أمام إدارة انتباه ممنهجة. إعادة تعويم قضية إبستين في هذا التوقيت ليست منفصلة عن سياق دولي وإقليمي بالغ الحساسية، تُحاول فيه الخوارزميات إعادة ترتيب ما يجب أن نفكّر به، وما ينبغي أن نغضّ الطرف عنه.
فالوعي اليوم لا يبدأ بما نقرأه، بل بسؤال بسيط وخطير في آن واحد،
لماذا نُدفع لقراءة هذا تحديدًا الآن؟

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة