بقلم / آمنة الدبش
صحفية من قطاع غزة
في ذكراها السابعة والخمسين شكلت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية الفلسطينية حاملةً برنامجاً تحررياً تقدمياً انحاز بوضوح إلى مصالح الكادحين وربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وقد تميز دورها بمقاربتها الفكرية والسياسية التي اعتبرت الوحدة الوطنية سلاحاً لا يقل أهمية عن المقاومة ورأت في الديمقراطية الداخلية ضمانةً أساسية لصمود المشروع الوطني واستمراريته.
▪︎ انطلقت الجبهة الديمقراطية في لحظة مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية اعتبرت أن معركة الشعب الفلسطيني ليست فقط ضد الاحتلال بل أيضاً من أجل بناء مجتمع ديمقراطي عادل تكون فيه الجماهير شريكة حقيقية في القرار والنضال ، ومنذ بداياتها تميز مسار الجبهة بالجرأة الفكرية والوضوح السياسي ما جعلها صاحبة موقف ثابت ورؤية نقدية في مختلف مراحل النضال الوطني كما اتسم هذا المسار بموقف وحدوي واضح، إذ رأت الجبهة في الانقسام خطراً استراتيجياً لا يقل عن خطر الاحتلال وعملت باستمرار على الدفع نحو وحدة وطنية حقيقية تقوم على برنامج كفاحي مشترك لا على تسويات هشة أو توافقات شكلية.
وفي محطات مفصلية كانت الجبهة من الأصوات التي حذرت من مسار التسوية المفتوحة ومن أوهام الرهان على الاحتلال أو على الرعاة الدوليين. مؤكدةً أن الحقوق تُنتزع بالنضال ولا تُستعاد بالوعود.
▪︎ على امتداد مسيرتها النضالية شكلت الجبهة الديمقراطية أحد المكونات الأساسية في الحركة الوطنية الفلسطينية حيث حضرت في مختلف ساحات الكفاح وقدّمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى في مسار طويل من التضحيات التي ارتبطت بالدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ولم يقتصر دورها على الجانب الكفاحي المباشر، بل أسهمت في ترسيخ خيار المقاومة بأشكالها المتعددة بوصفها حقاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال إلى جانب انخراطها في مسارات النضال السياسي والجماهيري والنقابي والطلابي إيماناً منها بتكامل الأدوات وتنوع أشكال العمل الوطني.
▪︎ قفزة تنظيمية في العمل الجماهيري
في الذكرى السابعة والخمسين لانطلاقتها تؤكد الجبهة الديمقراطية حضورها في المشهد الوطني عبر محطة تنظيمية لافتة تمثلت في قفزة نوعية في تفعيل العمل الجماهيري من خلال تطوير البرامج النسوية والعمالية والطلابية وتعزيز دور هذه القطاعات في الحياة السياسية والاجتماعية.
▪︎ على الصعيد النسوي برزت جهود واضحة لإعادة تنشيط الأطر المنظمة للمرأة بما يضمن تعزيز حضورها في مواقع التأثير وصنع القرار على المستوى التنظيمي والسياسي وقد شملت هذه الجهود برامج تدريبية وورش عمل لتطوير المهارات القيادية إلى جانب إنشاء لجان نسوية متخصصة تعمل على متابعة قضايا المرأة القانونية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
كما ربطت الجبهة بين النضال الحقوقي والاجتماعي للمرأة وبين البعد الوطني العام معتبرة أن تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة جزء أساسي من بناء مجتمع فلسطيني متماسك يضمن العدالة والمساواة.
▪︎ على الصعيد العمالي جرى التركيز على تفعيل الأطر النقابية وتعزيز حضورها الميداني بما يضمن الدفاع عن الحقوق المعيشية للعمال في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة وقد تم التأكيد على أهمية تنظيم العمال في أطر ديمقراطية فاعلة قادرة على تمثيلهم بصورة حقيقية والمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل وتوفير الحماية الاجتماعية فصون كرامة العامل وتعزيز صموده في وجه الأزمات يشكلان ركيزة أساسية في برامج الجبهة.
▪︎ على الصعيد الطلابي اتجهت الجبهة نحو استثمار الطاقات الشابة عبر برامج تثقيفية وتنظيمية تسهم في بناء وعي مبكر وتغرس روح المبادرة والانتماء فالرهان على الشباب يشكل في نظرها ضمانة لاستمرارية الفعل الوطني وتجديد دمائه.
إن هذه القفزة في تفعيل القطاعات الجماهيرية تعكس رؤية استراتيجية تقوم على توسيع دائرة الفعل الوطني بحيث يصبح المجتمع بكل فئاته شريكاً في صياغة القرار والمشاركة في النضال وبهذا المعنى لم يكن تطوير البرامج النسوية والعمالية والطلابية خطوة تنظيمية فحسب بل تعبيراً عن فهم عميق لطبيعة الصراع وأدواته حيث يشكل الوعي والتنظيم قاعدة أي تحول حقيقي.
وبذلك يمكن قراءة مسيرة الجبهة الديمقراطية باعتبارها تجربة سياسية وتنظيمية سعت إلى الجمع بين الفعل المقاوم والعمل السياسي والجماهيري والمؤسسي في إطار رؤية تعتبر أن تنوع أدوات النضال هو عنصر قوة لا تناقض فقد عملت على مواءمة حضورها في ميادين المواجهة مع انخراطها في الحراك السياسي والمؤسساتي، إدراكاً منها بأن معركة التحرر الوطني تتطلب تكامل الأدوار وتعدد المسارات.
وفي هذا السياق لم تنظر الجبهة إلى المقاومة بوصفها خياراً منفصلًا عن العمل السياسي بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية شاملة تتقاطع فيها أدوات الكفاح الميداني مع النضال الدبلوماسي والجماهيري والنقابي والطلابي. فالمواجهة على الأرض وفق هذا الفهم، تُعزز بصمود المجتمع وتنظيمه وبحضور فاعل في المؤسسات الوطنية التي تُشكل إطاراً لصياغة القرار وحمايته.
كما سعت الجبهة الديمقراطية إلى تكريس مفهوم الشراكة الوطنية باعتباره الضمانة لوحدة الصف ودعت إلى بناء نظام سياسي قائم على التعددية والتمثيل النسبي والمساءلة الديمقراطية بما يضمن مشاركة جميع القوى في صنع القرار ويحول دون التفرد والإقصاء. ومن خلال هذا المسار حاولت أن تقدم نموذجاً يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات التطور الديمقراطي ويؤكد أن التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا ببناء مؤسسات ديمقراطية تعبر عن الإرادة الشعبية وتصونها.