آخر الأخبار

الأسطول بيد المسطول يغرق

1

جمال غصن

بغضّ النظر عن النتائج التي سيؤول إليها العدوان الذي شنّه الثنائي واشنطن-تل أبيب على إيران وثورتها الإسلامية، لا يمكن للولايات المتحدة والكيان الإبادي أن يخرجا من الحرب منتصرين. قد ينجحان في تفتيت إيران وإدخالها في دوامة عنف لسنوات طويلة، وهو احتمال موجود، لكن الأكيد أنه لن يكون هناك انتقال للحكم في طهران إلى حبيب إسرائيل الشُوَيه رضا بهلوي أو أحد يشبهه من إيرانيي الـ«بي بي سي» والشاشات التي تتشبّه بها.

صحيح أن واشنطن نجحت في الأشهر الأخيرة في عرض عضلاتها العسكرية من بحر الكاريبي إلى بحر العرب، لكن غالباً ما يتسبّب استعراض العضلات الزائد لصاحبه بالفتاق. طبعاً هناك احتمال آخر وهو أن قتل قائد ثورة هنا وخطف قائد ثورة هناك لا ينهي حال الثورة بل يزيدها عزماً، لكن دعنا من حال الشعوب الساعية إلى التحرّر والتي لا تفتأ تسبّب وجع رأس للمركز الإمبريالي المتحكّم بالعالم، ولنركّز على زمرة البيدوفيليين الإباديين المختارين الذين يريدون شعوب هذا الكوكب، وغيره إن وجدوا، أن يخضعوا لمشيئتهم.

بما أن هناك من عاد إلى نبوءات توراتية لتبرير العدوان الحالي على «بلاد فارس» تماماً كما برّر توراتياً الإبادة في غزة، فلنستشهد بإحدى وصايا العهد القديم:
«لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتاً، وَلا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْق، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْت، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ» ـــــ سفر الخروج في العهد القديم، أو الوصيّة الثانية من وصايا موسى العشر.

في زمنٍ ليس ببعيد كانت أغلبية البشر تخجل من الاعتراف بدونالد ترامب مثالاً أعلى. في الولايات المتحدة حيث انتخبوه وليّاً على أمّتهم بقيت استطلاعات الرأي حتى عشيّة انتخابه رئيساً للمرة الأولى تظهره في موقع الخاسر مقابل منافسته الموعودة بالمنصب هيلاري كلينتون، ذلك لأن الحال الإعلامية المهيمنة كانت في حينها تُشيطِن الصديق اللصيق لجيفري إيبستين، دونالد ترامب، لمصلحة الصديقة اللصيقة وزوجة الصديق اللصيق لجيفري إيبستين، كلينتون.

اليوم يتباهى كثيرون بأفعال ترامب ويتماهى معها، إذ أنه التجسيد الأصدق لـ«الشيطان الأكبر» أو ذاك الصنم المذكور في العهد القديم والذي تحلو لهم عبادته. عبادة «أميركا العظمى» لم تبدأ مع ترامب و«ماغا»، فهي كانت ممارسة شائعة لدى طبقات عدة من الشعوب حول العالم خلال الحرب الباردة وباتت دين الأرض الأوحد عندما استفردت واشنطن بالهيمنة على العالم.

دولارها جذب الطبقة الرأسمالية وهوليوودها صنعت حلماً أميركياً للحالمين بالارتقاء الطبقي، وعولمتها طوّعت أو حاصرت كل من رفض سياسات «الازدهار» التي فرضتها على عمّال العالم لتطحنهم. وهناك طبعاً عسكرها الذي قتل من قتل وحمى من حمى. وهنا يكمن الضرر الأكبر والدائم الذي ألحقه ويلحقه دونالد ترامب بالأسطورة الأميركية، والسبب الذي لن يسمح للولايات المتحدة بالانتصار مهما حصل في إيران.

في مدة رئاسته الأولى أجهر الرجل الذي يدّعي الموهبة في فن الصفقات الخوّات التي كانت تفرضها الولايات المتحدة بهدوء عبر صفقات السلاح على محميّاتها في الجزيرة العربية.

اليوم، يجهر أنه لم تكن الخوّات يوماً لحماية كياناتهم بل لحماية قواعده الاستعمارية وقاعدة الاستعمار الأكبر في الكيان الإبادي، فلا جدوى للخوّات بعد اليوم. في فن الصفقات والمفاوضات من يصدّق بعد اليوم أن الأميركي يفاوض بعد الذي حصل مع فنزويلا وإيران، وإن لم تكن الأخيرتان مؤمنتين أصلاً بجدوى التفاوض مع واشنطن. وإن كانت فنزويلا وإيران على عداوة مع الإمبريالية، الوضع لا يختلف كثيراً مع حلفائها ولكم في غرينلاند مثال شاسع المساحة وغنيّ بالموارد.

أمّا وقد شُهر الدولار سلاحاً في غير ساح وماتت العولمة والسوق الحرة جرّاء القصف الجمركي في كلّ ناح، لم يبقَ من الأسطورة الأميركية إلّا استعراض أساطيل الإبادة والتدمير في جولة أخيرة قبل أن تغرق بمن فيها، وبمن رأى في أميركا يوماً خشبة خلاص. إلّا إذا كان هناك من يظنّ أن قبطان البيت الأبيض الحالي مستمرٌّ بالإبحار طويلاً وقد يصل إلى بحر الصين مثلاً. المساطيل كثر، وإيمانهم أعمى.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة