أحمد غنومي
كما كان متوقعا، بدأت الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية” على إيران، بعد أن حشد الأساطيل وحاملات الطائرات وإستنفرت القواعد العسكرية .
أعلن ترامب ونتنياهو أن معركتهم ستستغرق أربعة أيام، ستسقط النظام وستعيد بهلوي ليحكم إيران، والطريق إلى ذلك قتل المرشد وأبرز القادة .
أما رد المرشد على التهيد كان قوله :
أنا عجوز، جسدي لا قيمة له، أجلس على كرسي وأراقب هذه الثورة ، إن ظنت إسر|ئيل أنها تستطيع الانتصار بقتـلي، فهي واهمة. هذه الثورة يقودها شباب إيران، وستبقى شامخة لا تُقهر ،حتى لو قُتـلت، لن تُمسّ إيران بسوء.
إيران مؤسسة على الأخلاق، ولن تكون أبدًا عبدة لأحد في العالم .
ولكن ليست البيانات هي من تحسم المعركة، التي لن تكون حدثا آنيا ،
بل ستتحول الى سياق تاريخي حضاري طويل، بإعتبارها لحظة فاصلة في دورة صراع ممتدة بين مشروعين .
(كما يقول ميخائيل عوض)
مشروع الهيمنة الأطلسية بقيادة دونالد ترامب ومنظومته،
ومشروع «الشرق الصاعد» الذي تموضع حول إيران ومحورها.
الطرح هنا يقوم على ثلاث ركائز:
– أن الحرب كانت حتمية بعد استنفاذ أدوات الاحتواء والضغط.
– أن الضربة الأولى فشلت في تحقيق هدف الحسم والإسقاط .
– أن ميزان القوى الكلي (الجغرافيا، السكان ،العمق الاستراتيجي) يميل لصالح إيران إذا أحسنت إدارة التصعيد ،وأن لا تكون المعركة «جولة»كسابقتها، بل بوصفها خاتمة وجودية، فالسقف الذي أُعلن إسقاط النظام في إيران ، يحوّل المعركة إلى صراع وجودي.
من الضربة الأولى إلى «تمهيد المسرح الشامل» .
المبادرة الأميركية
“الإسرائيلية” أعلنت سقفًا عاليًا إسقاط النظام الإيراني، تدمير كل القدرات العسكرية، هنا تصبح المعادلة صفرية ،خاصة عند التدقيق في المعطيات التالية:
*سرعة الرد حيث
الجولة السابقة في حرب يونيو استغرقت 10–12 ساعة .
هذه المرة أقل من ساعتين .
هذا يعني أن مراكز القرار لم تُشلّ، وشبكات القيادة والسيطرة بقيت فاعلة .
وهذا مؤشر أن الرد كان مُعدًا مسبقًا ضمن سيناريوهات جاهزة.
فالرد الإيراني ليس مجرد قصف مقابل قصف، بل ضرب “إسرائيل”،
استهداف قواعد أميركية في الخليج،فتح احتمالات بحرية وبرية.
أي أننا أمام حرب إقليمية متعددة المسارح لا ضربة عقابية محدودة، والحرب هنا ليست مجرد مواجهة، بل نقطة تسريع لولادة العالم جديد،
*ميزان القوى بين
معسكرين
المعسكر الأطلسي قواعد معزولة، وجود بحري مكلف،
عمق بشري محدود، خطوط إمداد طويلة.
في المقابل المعسكر الإيراني مساحة تقارب 1.6 مليون كم² لإيران وحدها،عمق يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن.
حاضنة سكانية تتجاوز 200 مليون نسمة في المجال الحيوي.
وفق هذا المنطق، التفوق التكنولوجي لا يحسم إن لم يُترجم إلى حسم سريع ، وإذا طال أمد الحرب، تميل الكفة لمن يملك العمق لا لمن حشد الأساطيل.
*المسارح المشتعلة المنطقة كلها على خط النار .
-فلسطين المحتلة ضيق الجغرافيا مترافق مع كثافة النيران ، يتسبب بهشاشة استراتيجية، وإذا سقطت معادلة الردع يدخل الكيان في أخطر مراحله منذ تأسيسه ،ويبدأ العد العكسي الأخير لزواله.
-الخليج والقواعد الأميركية،
أي قاعدة تُستخدم تصبح هدفًا مشروعًا في منطق الحرب الشاملة، إذا تحولت هذه القواعد إلى أهداف مستمرة، فالكلفة سترتفع إلى مستوى قد يُجبر واشنطن على إعادة التموضع .
-العراق ولبنان واليمن ،هنا تتعدد الجبهات فالعراق ساحة مركّبة تمتلك كتلة ولائية ووجود أمريكي هو هدف مباشر، لبنان الصاعق القابل للاشتعال ،والأهم اليمن عنصر المفاجأة .
إذا اشتعلت هذه الجبهات معًا فنحن أمام حرب شاملة،
وانتقال الاشتباك من مركز واحد إلى حزام إقليمي كامل، عندما تتزامن هذه الجبهات، لا تبقى “إسرائيل” طرفًا في معركة محدودة، بل تدخل في بيئة استنزاف شاملة.
-الوعد الصادق،
التحول العقائدي في استراتيجية إيران ، لم يعد الرد عقابيًا بل أصبح استباقيًا تصاعديًا،
أي أن كل ضربة تُفتح على ضربة أكبر، وكل جبهة قد تجرّ أخرى، هذا منطق الحروب الوجودية لا الحروب المحدودة.
فالوعد الصادق 4″ هو رسالة واضحة أن التراجع غير وارد لأن المعركة مؤطرةفي
«حتمية تاريخية»
فنحن أمام حرب تحرير فلسطين،
تحقيق «الوعد الصادق»،
وبداية نهاية الهيمنة الأميركية
“الإسرائيلية” في المنطقة.
ليست هذه الحرب اشتباكًا عسكريًا، يمكن إغلاقه ببيان تهدئة، ولا أزمة يمكن احتواؤها، بجولة تفاوض إضافية، إنها لحظة امتحان للتاريخ نفسه، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الإرادة، وتُختبر المشاريع الكبرى على أرض الواقع، لا في غرف التنظير.
وبتوصيفها كحرب وجودية، فإن نتائجها لن تُقاس بعدد الصواريخ أو دقة الضربات، بل بقدرة الأطراف على الصمود الطويل، وعلى تحويل الزمن من عبء إلى أداة، ومن تهديد إلى رافعة، هنا تتقدم إيران ومحورها، بوصفهم أصحاب عمق جغرافي وبشري وعقائدي، في مواجهة قوة تتآكل تعتمد على التفوق التقني، والانتشار الخارجي، أكثر من اعتمادها على الجذور .
أما فلسطين، فتعود إلى مركز التاريخ، لا كقضية أخلاقية فقط، بل كبوصلة استراتيجية لكسر الردع الإسرائيلي، وإنهاك الوجود الأميركي، وتفكيك البيئة التي وُلد فيها الكيان.
التحرير هنا ليس مشهدًا خياليًا ، بل نتيجة تراكمية لانهيار منظومة كاملة من الحماية والدعم والهيمنة.
والوعد الصادق في هذا السياق ليس شعارًا تعبويًا عابرًا، بل رهان على أن التاريخ لا يسير دائمًا لصالح الأقوى عسكريًا، بل لصالح من ينجح في قراءة لحظته واستثمارها. غير أن الوعود مهما كانت عظيمة لا تتحقق تلقائيًا إنها مشروطة بحسن الإدارة، وبالقدرة على تجنب الانهيار الداخلي، وبالوعي أن الحروب الكبرى تُربح في الاقتصاد والمجتمع، بقدر ما تُربح في الميدان.
هنا بالضبط تقف المنطقة على حافة تحول ، لا رجعة فيه فإما أن تتكرّس هذه الحرب كبداية نهاية الهيمنة الأميركية
“الإسرائيلية” في المشرق، وبوابة لمرحلة جديدة تعود فيها فلسطين إلى قلب المعادلة،
وإما أن تتحول إلى ذروة عنف كبرى، تعيد إنتاج النظام القديم ، بثمن أعلى ودمار أوسع.
لكن المؤكد أن ما بعد هذه اللحظة لن يكون كما قبلها،
فالتاريخ عندما يفتح نافذته، لا يفعل ذلك مرتين .
*كاتب فلسطيني